من بداية الرحلة وحتى مغادرة حلب

    شاطر
    avatar
    صبايا
    Admin

    عدد المساهمات : 1211
    تاريخ التسجيل : 31/10/2014

    من بداية الرحلة وحتى مغادرة حلب

    مُساهمة من طرف صبايا في الأحد يناير 06, 2019 11:26 am


    بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
    سفر نامة
    تأليف : ناصر خسرو

    ● [ من بداية الرحلة وحتى مغادرة حلب ] ●

    المقدمة
    بسم الله الرحمن الرحيم
    هذا ما يقول أبو معين الدين ناصر خسرو القبادياني المروزي تاب الله عنه كانت صناعتي الإنشاء وكنت من المتصرفين في أموال السلطان وأعماله واشتغلت بالديوان وباشرت هذا العمل مدة من الزمن وذاع صيتي بين أقراني وفي ربيع الآخر سنة أيام أبي سليمان جغري بيك داود بن ميكائيل بن سلجوق حاكم خراسان ذهبت من مرو في عمل للديوان ونزلت في بنج ديه مرو الرود كان ذلك يوم قرآن الرأس والمشتري ويقال إن الله تعالى وتقدس يستجيب فيه إلى ما يطلب الناس من حاجات فذهبت إلى زاوية وصليت ركعتين ودعوته تعالى وتبارك إن ييسر لي أمري فلما عدت لأصدقائي وأصحابي وجدت أحدهم ينشد شعراً فارسياً فجال بخاطري أبيات فكتبتها على ورقة لأعطيه إياها حتى ينشدها فإذا به ينشد ما كتبت من شعر ولما أعطه الورقة فتفاءلت بهذه الحال وقلت في نفسي إن الله تعالى وتبارك قد قضى حاجتي ثم ذهبت إلى جزجانان فمكثت بها حوالي شهر وظللت أشرب الخمر قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم " قولوا الحق ولو على أنفسكم " حتى إذا كانت ذات ليلة رأيت في المنام رجلاً يقول " لي إلى متى تشرب هذا الشراب الذي يسلب لب الرجال خير لك إن تصحو فأجبت إن الحكماء لا يستطيعون شيئاً غير هذا يقلل هموم الدنيا فأجاب إن التسرية عن النفس لا تتأتى بفقد الشعور والعقل والحكيم لا يستطيع إن يقول إن الرجل المسلوب الفؤاد يصلح هادياً للناس بل ينبغي عليه إن يبحث عما يزيد العقل والحكمة قلت وأنى لي هذا قال من جد وجد ثم أشار إلى القبلة ولم يقل شيئاً فلما صحوت من النوم كانت هذه الرؤيا ماثلة بأكملها أمامي وقد أثرت في فقلت لنفسي صحوت من نوم البارحة وينبغي إن أصحو من نوم أربعين سنة خلت وأمعنت الفكر فوجدتني لن أسعد ما لم أعدل عن كل سلوكي .
    وفي يوم الخميس من جمادى الآخر سنة ديسمبر منتصف شهر دي من السنة الفارسية من التقويم اليزدجردي اغتسلت وذهبت إلى الجامع فصليت ودعوت الله تبارك و تعالى إن يعينني على أداء الواجب وعلى ترك المنهيات والسيئات كما أمر الحق سبحانه تعالى.
    ثم توجهت من هناك إلى شبورغان وفي المساء كنت في قرية بارياب ومنها سرت إلى مرو الرود عن طريق سنكلان وطالقان فلما بلغت مرو طلبت إعفائي مما عهد إلي من عمل وقلت إني عازم على الحج ثم أديت ما علي من حساب وتركت أموالي عدا القليل الضروري منها.
    وفي الثالث والعشرين من شعبان مارس عزمت على السفر إلى نيشابور فسرت من مرو إلى سرخس وهي على ثلاثين فرسخاً منها ومن سرخس إلى نيشابور أربعون فرسخاً وقد بلغتها يوم السبت الحادي عشر من شوال إبريل ويوم الأربعاء آخر هذا الشهر كسفت الشمس كان الحاكم حينئذ طغرل بيك محمد أخو جغري بيك وكانوا يشيدون مدرسة بقرب سوق السراجين أمر ببنائها وقد ذهب أثناء ولايته لأول مرة للاستيلاء على ولاية أصفهان.
    وفي الثاني من ذي القعدة مايو غادرت نيشابور في صحبة الأستاذ الموفق الذي كان مؤدباً للسلطان فبلغنا قومس عن طريق كوان وزرت الشيخ بايزيد البسطامي.
    وفي الجمعة الثامن من ذي القعدة مايو سرت إلى دامغان ثم بلغت سمنان عن طريق آنجوري وجاشت خواران في غرة ذي الحجة سنة يونيو وقد مكثت هناك زمناً وتعرفت بأهل العلم وقد دلوني على رجل اسمه علي النسائي وهو شاب يتكلم الفارسية بلهجة الديالمة كان شعر رأسه مرسلاً كان وهو يتكلم يقول إني قرأت كذا على الأستاذ أبي علي سينا رحمه الله وهكذا سمعت عنه لكي أعرف أنه تلميذ ابن سينا ولما ناظرته قال إني قليل المعرفة بكل علم وأحب إن أقرأ معك قليلاً في الحساب فخرجت متعجبا قلت مإذا يعلم الآخرين وهو لا يعلم شيئاً.
    وعدت من بلخ إلى الري ثلاثمائة وخمسين فرسخاً ويقال إنه من الري إلى ساوه ثلاثون فرسخاً ومن ساوه إلى همدان كذلك ومن الري إلى أصفهان خمسون فرسخاً وإلى آمل ثلاثون وبين الري وآمل جبل دماوند وهو كالقبة ويسمى لواسإن ويقال إن بقمته بئراً يستخرج منه النوشادر ويقال والكبريت أيضاً فيصعد عليها رجال يحملون جلود البقر ويملئونها بالنوشادر ثم يدحرجونها من قمة الجبل لتعذر إيجاد طريق لنقلها.
    وفي الخامس من محرم سنة يوليو الموافق العاشر من شهر مرداد سنة من تاريخ الفرس توجهت ناحية قزوين فبلغت قرية قوهة كان بها قحط حتى بيع المن من خبز الشعير بدرهمين وقد غادرتها في التاسع من محرم يوليو فبلغت قزوين وهي آهلة بالحدائق التي لا تحدها أسوار أو أشواك فلا يحول دون دخولها عائق رأيت قزوين مدينة عظيمة ذات حصن مكين عليه شرفات وبها أسواق جميلة إلا إن الماء بها قليل وهو يجري في قنوات تحت الأرض كان حاكمها رجلاً من العلويين ويشتغل معظم صناعها بصناعة الأحذية .
    وفي الثاني عشر من محرم سنة يوليو غادرت قزوين عن طريق بيل وقبإن وهما من ضواحيها وسرت إلى قرية تسمى خرزويل.
    كإن معنا أنا وأخي وغلام هندي كان يصحبنا زاد قليل فذهب أخي للقرية ليشتري شيئاً من البقال فقال له أحدهم مإذا تريد أنا البقال فقلت كل ما عندك يناسبنا فإنا غرباء وعابرو سبيل فقال ليس عندي شيء أبداً وبعد ذلك كنت أقول إنه بقال خرزويل عن كل شخص في أي مكإن يقول كلاماً من هذا النوع.
    بعد مغادرة هذه القرية جزنا منحدراً صعباً وبعد مسيرة ثلاثة فراسخ بلغنا قرية تسمى الخير من أعمال طارم كان جوها حاراً وبها شجر كثير من الرمإن والتين ومعظمه بري ومن هناك اجتزنا نهراً يسمى شاه رود عليه قرية تسمى خندإن تجبى فيها المكوس من قبل أمير الأمراء وهو من ملوك الديلم وحين يخرج النهر منها يلتقي بنهر آخر اسمه سبيدرود ثم يدخل النهرإن وادياً شرقي جبال جيلإن ويمر النهر بجيلإن ثم يصب في بحر آبسكون بحر قزوين ويقال إن ألفاً وأربعمائة نهر تصب في هذا البحر الذي يقال إن محيطه ألف ومائتا فرسخ وإن في وسطه جزائر آهلة بالسكإن وقد سمعت هذا من كثرين. والإن أعود إلى رحلتي وما كان فيها: ومن خندإن إلى شميرإن ثلاثة فراسخ من صحراء صخرية كلها وشميرإن قصبة ولاية طارم وعلى حافة المدينة قلعة مرتفعة مشيدة على صخر صلد محاطة بثلاثة أسوار وقد حفرت في وسطها قناة تجري حتى شاطىء النهر ومنها يستخرجون الماء ويحملونه إلى القلعة ويقيم بها ألف رجل مختار من أبناء عظماء الولاية وذلك حتى لا يستطيع أحد إن يضل أو يثور ويقال إن لهذا الأمير قلاعاً كثيرة في ولاية الديلم وإن العدل والأمن مستتبإن بها فلا يستطيع أحد إن يغتصب شيئاً من غيره بل إن الناس هناك يدخلون مسجد الجمعة ويتركون أحذيتهم خارجة فلا يأخذها أحد. ويكتب هذا الأمير اسمه هكذا مرزبإن الديلم جيل جيلإن أبو صالح مولي أمير المؤمنين واسمه جستإن إبراهيم وقد رأيت في شميرإن رجلاً طيباً من دربند اسمه أبو الفضل خليفة بن علي الفيلسوف كان رجلاً فاضلاً أضافنا وأكرمنا وقد تناظرنا معاً واتصلت بيننا الصداقة سألني علام عزمت فقلت أني أنوي الحج قال أريد إن تمر بنا في عودتك حتى أراك.
    وفي السادس والعشرين من محرم أغسطس غادرت شميرإن وفي الرابع عشر من صفر أغسطس بلغت مدينة سراب وغادرتها في السادس عشر أغسطس ثم مررت بسعيد آباد وبلغت تبريز في عشرين صفر أغسطس كان ذلك في الخامس من شهر يور الشهر القديم وتبريز قصبة ولاية آذربيجإن وهي مدينة عامرة وقد قست طولها وعرضها فكإن كل منهما ألفاً وأربعمائة قدم كان ملك ولاية آذربيجإن يذكر هكذا في الخطبة الأمير الأجل سيف الدولة وشرف الملة أبو منصور وهسودإن بن محمد مولى أمير المؤمنين وحكوا لي أنه في ليلة الخميس السابع عشر من ربيع الأول ديسمبر في الأيام المسترقة بعد العشاء زلزلت الأرض فخرب جزء من المدينة ولم يصب الجزء الآخر بسوء ويقال إنه هلك فيها حينئذ أربعون ألف نسمة ورأيت في تبريز شاعراً اسمه قطرإن يقول شعر جميلاً ولكنه لم يكن يجيد الفارسية وقد زارني ومعه ديواني منجيك والدقيقي وقرأ علي منهما وسألني عما أشكل عليه من المعاني فكنت أجيبه وهو يكتب ما أقول ثم تلى علي شيئاً من أشعاره .
    في الرابع عشر من ربيع الأول سبتمبر غادرت تبريز عن طريق مرند مع جماعة من جيش الأمير وهسودإن فسرنا حتى بلغنا خوى ومن هناك سرنا إلى بر كري بصحبة رسول ومن خوى إلى بركزي ثلاثون فرسخاً وقد بلغناها في الثاني عشر من جمادى الأولى نوفمبر ومن هناك ذهبنا إلى وإن ثم إلى وسطإن كان لحم الخنزير يباع في سوقها كما يباع الضإن ويجلس نساؤها ورجالها أمام الحوانيت ويشربون بغير حياء.
    ومن هناك بلغنا مدينة أخلاط في الثامن عشر من جمادى الأولى نوفمبر وهي على الحدود ما بين بلاد المسلمين والأرمن وبينها وبين بركري تسعة عشر فرسخاً وعليها أمير اسمه نصر الدولة نيف على المائة وله أبناء كثيرون أعطى كلاً منهم ولاية ويتكلمون بها ثلاث لغات العربية والفارسية والأرمنية وأظن أنها سميت أخلاط لهذا السبب والمعاملة هناك بالنقود النحاسية ورطلهم ثلاثمائة درهم .
    في العشرين من جمادى الأول نوفمبر غادرنا أخلاط ونزلنا في رباط كروانسراي كانت السماء تمطر ثلجاً والبرد قارساً وقد غرسوا في جزء من الطريق عمداً ليسير المسافرون على هديها أيام الثلج والضباب ثم بلغنا مدينة بطليس وهي واقعة في واد وقد اشترينا منها عسلاً المائة من بدينار حسب ما باعونا ويقال إن بها من يجني في السنة الواحدة ثلاثمائة وأربعمائة جرة عسل .
    وخرجنا منها فرأينا قلعة تسمى قف انظر وتركناها إلى مكإن به جامع يقال بناه أويس القرني قدس الله روحه ورأيت الناس عند حدوده يطوفون بالجبل ويقطعون أشجاراً تشبه السرو فسألت مإذا تعملون بها فقالوا نضع طرفاً من الشجرة في النار فيخرج هذا القطرإن من طرفها الآخر فنجمعه في البئر ثم نضعه في أوعية ونحمله إلى الأطراف وهذه الولايات التي ذكرت بعد أخلاط وقد اختصرنا ذكرها هنا.تابعة لميافارقين.
    ثم سرنا إلى مدينة أرزن وهي مدينة عامرة وجميلة فيها أنهار جارية وبساتين وأشجار وأسواق جميلة ويبيع البرسيون هناك المائتا من عنبا بدينار واحد في شهر آذر نوفمبر وديسمبر ويسمون هذا العنب رز إرمانوش .
    وانتقلنا إلى مدينة ميافارقين التي يفصلها عن أخلاط ثمانية وعشرون فرسخاً ومن بلخ إليها عن الطريق الذي إجتزناه إثنإن وخمسون وخمسمائة فرسخ وقد دخلناها يوم الجمعة السادس والعشرين من جمادي الأول نوفمبر وكانت أوراق الشجر حينئذ لا تزال خضراء وميافارقين محاطة بسور عظيم من الحجر الأبيض الذي يزن الحجر منه خمسمائة من وعلى بعد كل خمسين ذراعاً من هذا السور برج عظيم من الحجر نفسه وفي أعلاه شرفات وهي من الدقة بحيث تقول إن يد بناء ماهر أكملتها اليوم ولهذه المدينة باب من ناحية الغرب له عتبة عليها طاق حجري وقد ركب عليها باب من حديد لا خشب فيه ويطول وصف مسجد الجمعة بها لو ذكرته ولو إن صاحب الكتاب شرح كل شيء أتم الشرح وقد قال إن للميضأة التي عملت بهذا المسجد أربعين مرحاضاً تمر أمامها قناتإن كبيرتإن الأولى ظاهرة ليستعمل ماؤها والثانية وهي تحت الأرض لحمل الثفل وللصرف وخارج هذه المدينة في الربض أربطة كروانسراها وأسواق وحمامات ومسجد وجامع آخر يصلون فيه الجمعة أيضاً وفي ناحية الشمال سواد آخر يسمى المحدثة به سوق ومسجد جامع وحمامات وكل ما ينبغي لمدينة من مهمات ويذكر اسم سلطإن الولاية في الخطبة هكذا الأمير الأعظم عز الإسلام سعد الدين نصر الدولة وشرف الملة أبو نصر أحمد وقد بلغ المائة من عمره ويقال إنه حي والرطل هناك أربعمائة وثمانون درهماً وقد بنى هذا الأمير مدينة على مسافة أربعة فراسخ من ميافارقين سماها الناصرية ومن آمد إلى ميافارقين تسعة فراسخ.
    في السادس من شهر دي القديم ديسمبر بلغنا آمد التي شيدت على صخرة واحدة طولها ألفاً قدم وعرضها كذلك وهي محاطة بسور من الحجر الأسود كل حجر منه يزن ما بين مائة وألف من وأكثر هذه الحجارة ملتصق بعضه بالبعض من غير طين أو جص وارتفاع السور عشرون ذراعاً وعرضه عشر أذرع وقد بني على بعد كل مائة ذراع برج نصف دائرته ثمانون ذراعاً وشرفاته من هذا الحجر بعينه وقد شيدت في عدة أماكن داخل المدينة سلالم من الحجر ليتيسر الصعود إلى السور وقد بنيت قلعة على قمة كل برج ولهذه المدينة أربعة أبواب كلها من الحديد الذي لا خشب فيه يطل كل منها على جهة من الجهات الأصلية ويسمى الباب الشرقي باب دجلة والغربي باب الروم والشمالي باب الأرمن والجنوبي باب التل وخارج هذا السور سور آخر من نفس الحجر ارتفاعه عشر أذرع ومن فوقه شرفات فيها ممر يتسع لحركة رجل كامل السلاح بحيث يستطيع إن يقف فيه ويحارب بسهولة ولهذا السور الخارجي أبواب من الحديد شيدت مخالفة لأبواب السور الداخلي بحيث لو اجتاز السائر أبواب السور الأول وجب عليه اجتياز مسافة لبلوغ أبواب السور الثاني وهذه المسافة تبلغ خمس عشرة ذراعاً وفي وسط المدينة عين يتفجر ماؤها من الحجر الصلب وهذا الماء من الغزارة بحيث يكفي لإدارة خمس طواحين وهو غاية في العذوبة ولا يعرف أحد من أين ينبع وفي المدينة أشجار وبساتين تقي من هذا الماء وأمير المدينة وحاكمها هو ابن نصر الدولة الذي مر ذكره وقد رأيت كثيراً من المدن والقلاع في أطراف العالم في بلاد العرب والعجم والهند والترك ولكني لم أر قط مثل مدينة آمد في أي مكإن على وجه الأرض ولا سمعت من أحد أنه رأى مكاناً آخر مثلها ومسجدها الجامع من الحجر الأسود وليس مثله متانة وإحكاماً وقد أقيم في وسطه مائتا عمود ونيف من الحجر كل عمود قطعة واحدة وفوق هذه الأعمدة عقود من الحجر وقد نصبت فوقها أعمدة أقصر من تلك وجميع أسقف المسجد على هيئة الجملون وقد كملت نجارة ونقارة ونقشاً ودهناً وفي ساحته صخرة كبيرة عليها حوض كبير مستدير من الحجر يبلغ ارتفاعه قامة رجل ومحيط دائرته ذراعإن وفي وسط الحوض أنبوبة من النحاس يتفجر منها ماء صاف لا يظهر مدخله أو مخرجه وبالمسجد ميضأة عظيمة جميلة الصنع بحيث لا يوجد أحسن منها وقد بنيت عمارات آمد كلها من الحجر الأسود وأما ميافارقين فعماراتها من الحجر الأبيض.
    وبالقرب من المسجد كنيسة عظيمة غنية بالزخارف مبنية كلها من الحجر وقد فرشت أرضها بالرخام المنقوش وقد رأيت فيها على الطارم وهو مكإن العبادة عند النصارى بابا من الحديد المشبك لم أر مثله في أي مكإن .
    ومن آمد إلى حرإن طريقإن أحدهما لا عمرإن فيه وهو أربعون فرسخاً والثاني به أماكن معمورة وقرى كثيرة معظم أهلها من النصارى وهو ستون فرسخاً وقد سرنا مع القافلة في هذا الطريق وكانت الصحراء غاية في الاستواء إلا إن بها أحجارا كثيرة بحيث لا تستطيع الدواب إن تخطو خطوة واحدة من غير إن تعثر بحجر وقد بلغنا حرإن يوم الجمعة الخامس والعشرين من جمادى الآخر سنة ديسمبر الموافق اثنين وعشرين من شهر دي القديم كان هواؤها في ذلك الوقت كهواء خراسان أيام النوروز.
    وسرنا من هناك فبلغنا مدينة تسمى قرول حيث أضافنا رجل كريم في بيته وهناك دخل أعرابي في الستين من عمره فاقترب مني وقال حفظني القرإن فلقنته " قل أعوذ برب الناس " فكإن يقرؤها معي فلما وصلت إلى آية " من الجنة والناس " قال أقول أيضاً سورة " ( أرأيت ) الناس " فقلت هذه السورة ليست قبل تلك فقال ما سورة " نقالة الحطب " ولم يعرف أنه قيل في سورة " تبت " حمالة الحطب لا نقالة الحطب ولم يستطع هذا الأعرابي المشرف على الستين في تلك الليلة إن يحفظ سورة " قل أعوذ " مع تكراري لها معه .
    وفي يوم السبت الثاني من رجب سنة يناير بلغنا مدينة سروج واجتزنا الفرات في اليوم التالي ونزلنا في منبج وهي أول مدن الشام كان هذا أول بهمن القديم يناير فبراير والطقس هناك معتدل جدا ولم يكن خارج المدينة عمارات قط وقد سرت منها إلى حلب ومن ميافارقين إليها إلى حلب مائة فرسخ .
    ورأيت مدينة حلب فإذا هي جميلة بها سور عظيم قست ارتفاعه فكإن خمسا وعشرين ذراعاً وبها قلعة عظيمة مشيدة كلها من الصخر ويمكن مقارنة حلب ببلخ وهي مدينة عامرة أبنيتها متلاصقة وفيها تحصل المكوس عما يمر بها من بلاد الشام والروم وديار بكر ومصر والعراق .
    ويذهب اليها التجار من جميع هذه البلاد ولها أربعة أبواب باب اليهود وباب الله وباب الجنإن وباب أنطاكية والوزن في سوقها بالرطل الظاهري وهو أربعمائة وثمانون درهماً وتقع حما جنوبي حلب بعشرين فرسخاً ومن بعدها حمص ومن حلب إلى دمشق خمسون فرسخاً وإلى أنطاكية اثنا عشر فرسخاً وإلى طرابلس كذلك ويقال إن من حلب حتى القسطنطينية مائتي فرسخ.
    وفي الحادي عشر من رجب سنة يناير خرجنا من حلب وعلى مسافة ثلاثة فراسخ منها قرية تسمى جند قنسرين وفي اليوم التالي سرنا ستة فراسخ وبلغنا مدينة سرمين التي لا سور لها وبعد مسيرة ستة فراسخ أخرى بلغنا معرة النعمإن وهي مدينة عامرة ولها سور مبني وقد رأيت على بابها عمودا من الحجر عليه كتابة غير عربية فسألت ما هذا فقيل إنه طلسم العقرب حتى لا يكون في هذه المدينة عقرب أبداً ولا يأتي إليها وإذا أحضر من الخارج وأطلق بها فإنه يهرب ولا يدخلها وقد قست هذا العمود فكإن ارتفاعه عشر أذرع ورأيت أسواق معرة النعمإن وافرة العمرإن وقد بني مسجد الجمعة على مرتفع وسط المدينة بحيث يصعدون إليه من أي جانب يريدون وذلك على ثلاث عشرة درجة وزراعة السكإن كلها قمح وهو كثير وفيها شجر وفير من التين والزيتون والفستق والعنب ومياه المدينة من المطر والآبار.
    وكإن بهذه المدينة رجل أعمى اسمه أبو العلاء المعري وهو حاكمها كان واسع الثراء عنده كثير من العبيد كان أهل البلد خدم له .
    أما هو فقد تزهد فلبس الكلتم واعتكف في البيت كان قوته نصف من من خبز الشعير لا يأكل غيره وقد سمعت إن باب سرايه مفتوح دائما وإن نوابه وملازميه يدبرون أمر المدينة ولا يرجعون إليه إلا في الأمور الهامة وهو لا يمنع نعمته أحدا يصوم الدهر ويقوم الليل ولا يشغل نفسه مطلقاً بأمر دنيوي وقد سما المعري في الشعر والأدب إلى حد إن أفاضل الشام والمغرب والعراق يقرون بأنه لم يكن من يدانيه في هذا العصر ولا يكون وقد وضع كتاباً سماه الفضول والغايات ذكر به كلمات مرموزة وأمثالا في لفظ فصيح عجيب بحيث لا يقف الناس إلا على قليل منه ولا يفهمه إلا من يقرأه عليه وقد اتهموه بأنك وضعت هذا الكتاب معارضة للقرإن يجلس حوله دائما أكثر من مائتي رجل يحضرون من الأطراف يقرءون عليه الأدب والشعر وسمعت إن له أكثر من مائة ألف بيت شعر سأله رجل لم تعط الناس ما أفاء الله تبارك و تعالى عليك من وافر النعم ولا تقوت نفسك فأجاب إني لا أملك أكثر مما يقيم أودي كان هذا الرجل حيا وأنا هناك .


    سفر نامه
    تأليف : ناصر خسرو
    منتدى توتة وحدوتة - البوابة


      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس يناير 24, 2019 2:30 am