مغادرة مصر مع ركب كسوة الكعبة

    شاطر
    avatar
    صبايا
    Admin

    عدد المساهمات : 1211
    تاريخ التسجيل : 31/10/2014

    مغادرة مصر مع ركب كسوة الكعبة

    مُساهمة من طرف صبايا في الأحد يناير 06, 2019 3:23 pm


    بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
    سفر نامة

    تأليف : ناصر خسرو

    ● [ مغادرة مصر مع ركب كسوة الكعبة ] ●

    وصف مدينة مصر
    شيدت مصر على ربوة وجانبها الشرقي جبلي يتكون من جبال حجرية غير عالية كالتلال وفي طرف المدينة جامع ابن طولون وهو مشيد على ربوة وله جداران محكمان ولم أر أعظم منهما غير جدار آمد وميافارقين وقد بناه أمير من أمراء العباسين كان حاكماً على مصر وفي أيام الحاكم بأمر الله جد هذا السلطان المستنصر باعه أحفاد ابن طولون بثلاثين ألف دينار مغربي وبعد مدة شرعوا في هدم المئذنة بحجة أنها لم تبع فأرسل لهم الحاكم قائلا بقد بعتموني هذا المسجد فكيف تهدمونه فأجابوا نحن لم نبع المئذنة فأعطاهم خمسة آلاف دينار ثمنا لها كان السلطان يصلي في هذا المسجد طوال شهر رمضان وأيام الجمع من بقية الشهور.
    ومدينة مصر مشيدة على ربوة خشية فيضان الماء عليها وهذه الربوة كانت مغطاة في وقت ما بأحجار كبيرة جدا فكسرت وسويت ويقال إن للأماكن التي لم تسو عقبة وتبدو مصر كأنها جبل حين ينظر إليها من بعيد.
    وبمصر بيوت مكونة من أربع عشرة طبقة وبيوت من سبع طبقات وسمعت من ثقات إن شخصاً غرس حديقة على سطح بيت من سبعة أدوار وحمل إليها عجلاً رباه فيها حتى كبر ونصب فيها ساقية كان هذا الثور يديرها ويرفع الماء إلى الحديقة من البئر وزرع على هذا السطح شجر النارنج والترنج والموز وغيرهما وقد أثمرت كلها كما زرع فيها الورد والريحان وأنواع الزهور الأخرى.
    وسمعت من تاجر ثقة إن بمصر دوراً كثيرة فيها حجرات للاستغلال أي للإيجار ومساحتها ثلاثون ذراعاً في ثلاثين وتسع ثلاثمائة وخمسين شخصاً وهناك أسواق وشوارع تضاء فيها القناديل دائما لأن الضوء لا يصل إلى أرضها ويسير فيها الناس.
    وفي مصر سبعة جوامع غير جوامع القاهرة والمدينتان متصلتان وفيهما معا خمسة عشر جامعاً مسجد جمعة وذلك لتلقى خطبة الجمعة والصلاة في كل حي منهما وفي وسط سوق مصر جامع يسمى باب الجوامع شيده عمرو بن العاص أيام إمارته على مصر من قبل عمر بن الخطاب وهذا المسجد قائم على أربعمائة عمود في الرخام والجدار الذي عليه المحراب مغطى كله بألواح الرخام الأبيض التي كتب القرآن عليها بخط جميل ويحيط بالمسجد من جهاته الأربع الأسواق وعليها تفتح أبوابه ويقيم بهذا المسجد المدرسون والمقرئون وهو مكان اجتماع سكان المدينة الكبيرة ولا يقل من من فيه في أي وقت عن خمسة آلاف من طلاب العلم والغرباء والكتاب الذين يحررون الصكوك والعقود وغيرها وقد اشترى الحاكم بأمر الله هذا المسجد من أبناء عمرو بن العاص وكانوا قد ذهبوا إليه وقالوا نحن فقراء معوزون وقد بنى جدنا هذا المسجد فإذا إذن السلطان نهدمه ونبيع أحجاره ولبناته فاشتراه الحاكم بمائة آلف دينار وأشهد على ذلك كل أهل مصر ثم أدخل عليه عمارات كثيرة عظيمة منها ثريا فضية لها ستة عشر جانباً كل جانب منها ذراع ونصف فصارت دائرتها أربعاً وعشرين ذراعاً.
    ويوقدون في ليالي المواسم أكثر من سبعماية قنديل ويقال إن وزن هذه الثريا خمسة وعشرون قنطارا فضة كل قنطار مائة رطل وكل رطل أربعة وأربعون ومائة درهم ويقال إنه حين تم صنعها لم يتسع لها باب من أبواب المسجد لكبرها فخلعوا بابا وأدخلوها منه ثم أعادوا الباب مكانه ويفرش هذا المسجد بعشر طبقات من الحصير الجميل الملون بعضها فوق بعض ويضاء كل ليلة بأكثر من مائة قنديل. وفي هذا المسجد مجلس قاضي القضاة.
    وعلى الجانب الشمالي للمسجد سوق يسمى سوق القناديل لا يعرف سوق مثله في أي بلد وفيه كل ما في العالم من طرائف ورأيت هناك الأدوات التي تصنع من الذبل كالأوعية والأمشاط ومقابض السكاكين وغيرها ورأيت كذلك معلمين مهرة ينحتون بلوراً غاية في الجمال وهم يحضرونه من المغرب وقيل انه ظهر حديثا عند بحر القلزم بلور ألطف وأكثر شفافية من بلور المغرب ورأيت أنياب الفيل أحضرت من زنجبار كان وزن كثير منها يزيد على مائتي من كما أحضر جلد البقر من الحبشة يشبه جلد النمر ويعملون منه النعال وقد جلبوا من الحبشة طائراً أليفاً كبيراً به نقط بيضاء وعلى رأسه تاج مثل الطاووس. وتنتج مصر عسلاً وسكراً كثيراً.
    وفي اليوم الثالث من شهر دي القديم ديسمبر يناير من السنة الفارسية ست عشرة وأربعمائة رأيت في يوم واحد هذه الفواكه والرياحين الورد الأحمر والنيلوفر والنرجس والترنج والنارنج والليمون والمركب والتفاح والياسمين والريحان الملكي والسفرجل والرمان والكمثري والبطيخ والعطر والموز والزيتون والبليج الإهليلج والرطب والعنب وقصب السكر والباذنجان والقرع واللفت والكرنب والفول الأخضر والخيار والقثاء والبصل والثوم والجزر والبنجر.
    وكل من يفكر كيف تجتمع هذه الأشياء التي بعضها خريفي وبعضها ربيعي وبعضها صيفي وبعضها شتوي لا يصدق هذا ولكن ليس لي قصد فيما ذكرت ولم أكتب إلا ما رأيت وأما ما سمعته ثم كتبته فليست عهدته على فولاية مصر عظيمة الاتساع بها كل أنواع الجو من البارد والحار وتجلب كل الحاجيات لمدينة مصر من جميع البلاد ويباع بعضها في الأسواق.
    ويصنعون بمصر الفخار من كل نوع وهو لطيف وشفاف بحيث إذا وضعت يدك عليه من الخارج ظهرت من الداخل وتصنع منه الكؤوس والأقداح والأطباق وغيرها وهم يلونونها بحيث تشبه البوقلمون فتظهر مختلف في كل جهة تكون بها ويصنعون بمصر قوارير كالزبرجد في الصفاء والرقة ويبيعونها بالوزن .
    وسمعت من بزاز ثقة إن وزن الدرهم الواحد من الخيط يشترى بثلاثة دنانير مغربية وهي تساوي ثلاثة دنانير ونصف نيسابورية وقد سألت في نيسابور بكم يشترون أجود الخيط فقالوا إن الخيط الذي لا نظير له يشترى الدرهم منه بخمسة دراهم.
    ومدينة مصر ممتدة على شاطئ النيل الذي بنيت عليه القصور والمناظر الكثيرة بحيث إذا احتاجوا إلى الماء رفعوه بالحبال من النيل أما ماء المدينة فيحضره السقاءون من النيل أيضاً يحمله بعضهم على الإبل وبعضهم على كتفه ورأيت قدورا من النحاس الدمشقي كل واحد منها يسع ثلاثين منا وكانت من الطلاوة بحيث تظنها من ذهب وقد حكوا لي إن امرأة تملك خمسة آلاف قدر وأنها تؤجر الواحد منها بدرهم في الشهر وينبغي إن يردها المستأجر سليمة.
    وأمام مصر جزيرة وسط النيل كان عليها مدينة في وقت ما والجزيرة غربي المدينة وبها مسجد جمعة وحدائق وهي صخرة وسط النهر تقسمه قسمين كل منهما في اتساع جيحون ولكن أكثر هدوءا وبطأ في جريانه وثبت بين الجزيرة والمدينة جسر من ست وثلاثين سفينة.
    ويقع جزء من مدينة مصر على جانب النيل الآخر ويسمونه الجيزلا وبها مسجد لصلاة الجمعة ولكن ليس لها جسر ولذا يعبر الناس بالزوار أو بالمعابر وهي كثيرة في مصر أكثر مما في بغداد أو البصرة .
    وتجار مصر يصدقون في كل ما يبيعونه وإذا كذب أحدهم على مشتر فإنه يوضع على جمل ويعطى جرساً بيده ويطوف به في المدينة وهو يدق الجرس وينادي قائلا قد كذبت وها أنا أعاقب وكل من يقول الكذب فجزاؤه العقاب .
    ويعطي التجار في مصر من بقالين وعطارين وبائعي خردوات الأوعية اللازمة لما يبيعون من زجاج أو خزف أو ورق حتى لا يحتاج المشتري إن يحمل معه وعاء.
    ويستخرجون من بذور الفجل واللفت زيتا للمصابيح يسمونه الزيت الحار والسمسم هناك قليل وزيته عزيز وزيت الزيتون رخيص والفستق أغلى من اللوز ولا تزيد العشرة أمنان من اللوز المقشور على دينار واحد.
    ويركب أهل السوق وأصحاب الدكاكين الحمر المسرجة في ذهابهم وإيابهم من البيوت إلى السوق وفي كل حي على رأس الشوارع حمر كثيرة عليها برادع مزينة يركبها من يريد نظير أجر زهيد وقيل إنه يوجد خمسون ألف بهيمة مسرجة تزين كل يوم وتكرى ولا يركب الخيل إلا الجند العسكر فلا يركبها التجار أو القرويون أو أصحاب الحرف والعلماء ورأيت كثيراً من الحمر البلق كالخيل بل أجمل. كان أهل مدينة مصر في غنى عظيم حين كنت هناك.
    وفي سنة تسع وثلاثين وأربعمائة ولد للسلطان ولد فأمر الناس بإقامة الأفراح فزينت المدينة والأسواق زينة لو وصفتها لما اعتقد بعض الناس صحة ما أقول ولما صدقوني فقد كانت دكاكين البزازين والصرافين وغيرهم مملوءة بالذهب والجواهر والنقد والأمتعة المختلفة والملابس المذهبة والمقصبة بحيث لا يوجد فيها متسع لمن يريد إن يجلس.
    وكان الناس جميعاً يثقون ب السلطان فلا يخشون الجواسيس ولا الغمازين معتمدين على إن السلطان لا يظلم أحد ولا يطمع في مال أحد ورأيت أموالا يملكها بعض المصرين لو ذكرتها أو وصفتها لما صدقني الناس في فارس فإني لا أستطيع إن أحدد أموالهم أو أحصرها أما الأمن الذي رأيته هناك فإني لم أره في بلد من قبل وقد رأيت هناك نصرانيا من سراة مصر قيل إن سفنه وأمواله وأملاكه لا يمكن إن تعد وحدث في سنه ما إن كان النيل ناقصاً وكانت الغلة عزيزة فأرسل الوزير إلى هذا النصراني وقال ليست السنة رخاء و السلطان مشفق على الرعية فأعط ما استطعت من الغلة إما نقداً وإما قرضا قال النصراني أسعد الله السلطان والوزير إن لدي من الغلة ما يمكنني من إطعام أهل مصر الخبز ست سنوات ولا شك إن سكان مصر في ذلك الوقت كانوا كثرين فإن سكان نيسابور خمسهم مع الإسراف في التقدير وكل من يستطيع الحكم يدرك كم ينبغي إن يكون لهذا الثري لتبلغ غلته هذا المقدار وأي سلام كانت فيه الرعية وأي عدل كان للسلطان بحيث تكون أحوال الناس على هذا الوضع وأموالهم بهذا القدر لم يكن السلطان يظلم أو يجور على أحد ولا كان أحد من الرعية يخفي أو ينكر شيئاً مما يملك.
    ورأيت هناك خانا يسمى دار الوزير لا يباع فيه سوى القصب وفي الدور الأسفل منه يجلسن الخياطون وفي الأعلى الرفاءون وسألت القيم عن أجرة هذا الخان الكبير فقال كانت سنة عشرين ألف دينار مغربي ولكن جانبا منه قد تخرب وهو يعمر الآن فيحصل منه كل شهر ألف دينار يعني إثني عشر ألف دينار في السنة وقيل إن في هذه المدينة مائتي خان أكبر منه أو مثله.
    وصف مائدة السلطان
    يقيم السلطان مأدبة في كل من العيدين ويأذن بالاستقبال في قصره للخواص والعوام وتنصب مائدة الخواص في حضرته ومائدة العوام في سرايات أخرى وقد سمعت كثيراً عن هذه المآدب فرغبت في رؤيتها رأي العين فذهبت عند أحد كتاب السلطان وكنت قد صاحبته فتوطدت الصداقة بيننا وقلت له رأيت مجالس ملوك وسلاطين العجم مثل السلطان محمود الغزنوي وابنه السلطان مسعود وقد كانا ملكين عظيمين ذوي نعمة وجلال وأريد إن أرى مجالس أمير المؤمنين فنقل رغبتي إلى الموكل بالستار المسمى صاحب الستر وقد تفضل هذا فسمح لي بالذهاب في آخر رمضان سنة أربعين وأربعمائة 7مارس كان المجلس قد أعد لليوم الثاني وهو يوم العيد حيث يحضر السلطان بعد الصلاة فيجلس في صدر المائدة.
    حين دخلت من باب السراي رأيت عمارات وصفف وإيوانات إن أصفها يطل الكتاب كان هناك اثنا عشر جناحاً أبنيتها مربعة وكلها متصلة بعضها ببعض وكلما دخلت جناحا منها وجدته أحسن من سابقه ومساحة كل واحد منها مائة ذراع في مائة عدا واحداً منها كانت مساحته ستين ذراعاً في ستين كان بهذا الأخير تخت يشغل عرضه بتمامه وعلوه أربع أذرع وهو مغطى بالذهب من جهاته الثلاث وعليه صور المصطاد والميدان وغيرهما كما إن عليه كتابة جميلة وكل ما في هذا الحرم من الفرش والطرح من الديباج الرومي والبوقلمون نسجت على قدر كل موضع تشغله وحول التخت درابزين من الذهب المشبك يفوق حد الوصف ومن خلف التخت بجانب الحائط درجات من الفضة وبلغ هذا التخت من العظمة أني لو قصرت هذا الكتاب كله على وصفه ما استوفيت الكلام وما كفى.
    وقيل إن راتب السكر في ذلك اليوم الذي تنصب فيه مائدة السلطان خمسون ألف من وقد رأيت على المائدة شجرة أعدت للزينة تشبه شجرة الترنج كل غصونها وأوراقها وثمارها مصنوعة من السكر وعليها ألف صورة وتمثال مصنوعة كلها من السكر أيضاً.
    ومطبخ السلطان خارج القصر ويعمل فيه دائما خمسون غلاماً ويصل القصر بالمطبخ طريق تحت الأرض وجرت العادة في مصر إن يحمل إلى دار الشراب السلطانية شرابخانة كل يوم أربعة عشر حملاً من الثلج كان لمعظم الأمراء والخواص راتب من هذا الثلج ويصرف منه لمن يطلبه من مرضى المدينة وكذلك كل من يطلب من أهلها مشروبا أو دواء من الحرم السلطاني فإنه يعطاه كما إن هناك زيوتا أخرى كزيت البلسان وغيره كان للناس كافة إن يطلبوها فلا تمنع عنهم.
    سيرة سلطان مصر
    بلغ أمن المصريين واطمئنانهم إلى حد إن البزازين وتجار الجواهر والصيارفة لا يغلقون أبواب دكاكينهم بل يسدلون عليها الستائر ولم يكن أحد يجرؤ على مد يده إلى شيء منها يحكى أنه كان بمصر يهودي وافر الثراء يتجر بالجواهر كان مقرباً من السلطان الذي كان يعتمد عليه في شراء ما يريد من الجواهر الكريمة وذات يوم اعتدى عليه الجنود وقتلوه فلما ارتكبوا هذا الجرم خشوا بطش السلطان فركب عشرون ألف فارس منهم وخرجوا إلى الميدان وهكذا خرج الجيش إلى الصحراء وخاف أهل المدينة مغبة هذه المظاهرة إذ ظل الجيش في الصحراء حتى منتصف النهار فخرج إليهم خادم القصر ووقف بباب السراي وقال إن السلطان يسأل إذا كنتم مطيعين أم لا فصاحوا صيحة واحدة نحن عبيد مطيعون ولكننا أذنبنا فقال الخادم يأمركم السلطان بأن تعودوا فعادوا في الحال.
    واسم هذا اليهودي المقتول أبو سعيد كان له ابن وأخ وقيل إنه لا يعرف مدى غناه إلا الله فقد كان على سقف داره ثلاثمائة جرة من الفضة زرع في كل منها شجرة كأنها حديقة وكلها أشجار مثمرة وقد كتب أخوه لما ملكه من الفزع رسالة للسلطان يقول فيها إني أقدم للخزانة مائتي ألف دينار مغربي حالا فأمرالسلطان بعرض الرسالة على الناس وتمزيقها على الملأ وقال كونوا آمنين وعودوا إلى بيوتكم فليس لأحد شإن بكم ولسنا بحاجة لمال أحد واستمالهم إليه.
    وكان لكل مسجد في جميع المدن والقرى التي نزلت بها من الشام إلى القيروان نفقات يقدمها وكيل السلطان من زيت السرج والحصير والبوريا وسجاجيد الصلاة ورواتب القوام والفراشين والمؤذنين وغيرهم وكتب والي الشام في بعض السنين إلى السلطان بان الزيت قليل ثم استأذن في إن يصرف للمساجد الزيت الحار المستخرج من بذور الفجل واللفت فأجيب إنك مأمور لا وزير وليس من الجائز إن تغير أو تبدل في شيء يتعلق ببيت الله.
    ويتقاضى قاضي القضاة ألفي دينار مغربي في الشهر ومرتب كل قاض على قدر مرتبته ذلك حتى لا يطمع القضاة في أموال الناس أو يظلمونهم والعادة في مصر إن يقرأ مرسوم السلطان في المساجد في منتصف رجب وهو: يا معشر المسلمين حل موسم الحج وسيجهز ركب السلطان كالمعتاد وسيكون معه الجنود والخيل والجمال والزاد وينادى بذلك في شهر رمضان أيضاً ويبدأ الناس في السفر ابتداء من أول ذي القعدة وينزلون في موضع معين ثم يسيرون في منتصف هذا الشهر ويبلغ خرج الجيش الذي يرافق السلطان ألف دينار مغربي في اليوم هذا عدا عشرين ديناراً مرتبة لكل رجل فيه ويبلغون مكة في خمسة وعشرين يوماً ويمكثون بها عشرة أيام ثم يعودون إلى مصر في خمسة وعشرين يوما ونفقاتهم في الشهرين ستون ألف دينار مغربي عدا التعهدات والصلات والمشاهرات وثمن الجمال التي تنفق في الطريق .
    وقد قرى على الناس سنة تسع وثلاثين وأربعمائة المرسوم التالي من سجل السلطان: يقول أمير المؤمنين أنه ليس من الخير إن يسافر الحجاج للحجاز هذا العام فإن به قحطاً وضيقاً وقد هلك به خلق كثيرون وأني أقول هذا شفقة بالمسلمين فلم يسافر الحجاج كان السلطان يرسل الكسوة للكعبة كالمعتاد لأنه يرسلها مرتين كل سنة فلما سافرت الكسوة مع وفد السلطان عن طريق القلزم سافرت معهم فخرجت من مصر أول ذي القعدة وبلغت القلزم في الثامن منه ومن هناك أقلعت السفينة فبلغنا بعد خمسة عشر يوماً مدينة تسمى الجار في الثاني والعشرين من ذي القعدة وقمنا من هناك فبلغنا مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أربعة أيام.
    مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم
    المدينة بلد على حافة الصحراء أرضها رطبة وملحة يجري بها ماء قليل وهي كثيرة النخل والقبلة هناك ناحية الجنوب ومسجد الرسول عليه الصلاة والسلام قدر المسجد الحرام ومقامه عليه الصلاة والسلام بجانب المنبر يسار المصلين وهو متوجهون ناحية القبلة فحين يذكر الخطيب وهو فوق المنبر النبي عليه السلام ويصلي عليه يلتفت ناحية اليمين ويشير إلى المقام الشريف وهذا المقام مخمس ترتفع حوائطه من بين أعمدة المسجد ويحيط به خمسة أعمدة كان في آخره حظيرة أحيطت بسياج حتى لا يدخلها أحد وأسدل على الجزء المكشوف منها شبكة حتى لا تدخلها الطيور وبين قبر الرسول والمنبر مسافة من الرخام تشبه الساحة وتسمى الروضة ويقال إنها روضة من رياض الجنة كما قال رسول الله عليه الصلاة والسلام ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة ويقول الشيعة إن هناك قبر فاطمة الزهراء عليها السلام وللمسجد باب واحد وخارج المدينة ناحية الجنوب صحراء بها مقبرة فيها قبر أمير المؤمنين حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه يسمونها قبور الشهداء .
    وقد أقمنا يومين بالمدينة ثم غادرناها لضيق الوقت فسرنا شرقاً وعلى منزلين منها جبل ومضيق يشبه الوادي يسمى الجحفة وهناك ميقات حجاج المغرب والشام ومصر والميقات هو الموضع الذي يحرم منه الحجاج ويقال إن الحجاج نزلوا هناك في سنة ما وكانوا كثيرين فنزل عليهم السيل فجأة فأهلكهم لذلك سمي هذا المكان الحجفة وبين مكة والمدينة مائة فرسخ من الصخر قطعناها في ثمانية أيام.
    وقد بلغنا مكة في يوم الأحد السادس من ذي الحجة ونزلنا عند باب الصفا كان بمكة قحط فكانت الأربعة أمنان من الخبز بدينار نيسابوري وقد هاجر منها المجاورون ولم يفد عليها حاج من أي بلد وقد أدينا فريضة الحج لله الحق سبحانه و تعالى يوم الأربعاء في عرفات ولبثنا بمكة يومين قد خرج من الحجاز خلق كثير مما أصابهم من الجوع والفقر وتفرقوا في البلاد.
    ولا أذكر مناسك الحج ووصف مكة الإن سأذكر ذلك عند ذكر آخر نوبة للحج حين بقيت ستة أشهر بمكة مجاوراً وسأشرح ما رأيت.


    سفر نامه
    تأليف : ناصر خسرو
    منتدى توتة وحدوتة - البوابة


      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس يناير 24, 2019 2:14 am