بّسم الله الرّحمن الرّحيم
السيرة النبوية المطهرة
الأحداث من حرب الفجار
الى قذف الجن بالشهب

حديثه صلى الله عليه وسلم عن عصمة الله له
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم -فيما ذكر لي- يحدث عما كان الله يحفظه به في صغره وأمر جاهليته أنه قال: لقد رأيتني في غلمان قريش ننقل حجارة لبعض ما يلعب به الغلمان كلنا قد تعرى وأخذ إزاره فجعله على رقبته يحمل عليه الحجارة فإني لأقبل معهم كذلك وأدبر إذ لكمني لاكم ما أراه لكمة وجيعة ثم قال شد عليك إزارك قال فأخذته وشددته علي ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتي وإزاري علي من بين أصحابي.

حرب الفجار
قال بن هشام فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عشرة سنة أو خمس عشرة سنة فيما حدثني أبو عبيدة النحوي عن أبي عمرو بن العلاء هاجت حرب الفجار بين قريش ومن معها من كنانة وبين قيس عيلان وكان الذي هاجها أن عروة الرحال بن عتبة بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن هوازن أجار لطيمة للنعمان بن المنذر فقال له البراض بن قيس أحد بني ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة أتجيرها على كنانة قال نعم وعلى الخلق فخرج فيها عروة الرحال وخرج البراض يطلب غفلته حتى إذا كان بتيمن ذي طلال بالعالية غفل عروة فوثب عليه البراض فقتله في الشهر الحرام فلذلك سمي الفجار وقال البراض في ذلك:
وداهية تهم الناس قبلي * شددت لها بني بكر ضلوعي
هدمت بها بيوت بني كلاب * وأرضعت الموالي بالضروع
رفعت له بذي طلال كفي * فخر يميد كالجذع الصريع
وقال لبيد بن مالك بن جعفر بن كلاب:
أبلغ إن عرضت بـن كـلاب * وعمر والخـوب لـهـا مـوالـي
وبلغ إن عـرضـت بـن نـمـير * وأخوال الـقـتـيل بـنـي هـلال
بأن الـوافـد الـرحــال أمـــســـى * مقيماً عند تيمن ذي طلال
وهذه الأبيات في أبيات له فيما ذكر بن هشام .
قال بن هشام فأتى آت قريشاً فقال إن البراض قد قتل عروة وهم في الشهر الحرام بعكاظ وهوازن لا تشعر بهم ثم بلغهم الخبر فأتبعوهم فأدركوهم قبل أن يدخلوا الحرم فاقتتلوا حتى جاء الليل ودخلوا الحرم فأمسكت عنهم هوازن ثم ألتقوا بعد هذا اليوم أياما والقوم متساندون على كل قبيل من قريش وكنانة رئيس منهم وعلى كل قبيل من قيس رئيس منهم.
رسول الله يشهد القتال وهو صغير
وشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أيامهم أخرجه أعمامه معهم وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كنت أنبل على أعمامي أي أرد عنهم نبل عدوهم إذا رموهم بها.
قال بن إسحاق هاجت حرب الفجار ورسول الله صلى الله عليه وسلم بن عشرين سنة سبب تسمية هذا اليوم بالفجار وإنما سمي يوم الفجار بما استحل هذان الحيان كنانة وقيس عيلان فيه من المحارم بينهم.
وكان قائد قريش وكنانة حرب بن أمية بن عبد شمس وكان الظفر في أول النهار لقيس على كنانة حتى إذا كان في وسط النهار كان الظفر لكنانة على قيس.
قال بن هشام وحديث الفجار أطول مما ذكرت وإنما منعني من استقصائه قطعه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
تزويجه صلى الله عليه وسلم خديجة رضي الله عنها

سنه صلى الله عليه وسلم حين زواجه
قال بن هشام فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خمساً وعشرين سنة تزوج خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب فيما حدثني غير واحد من أهل العلم عن أبي عمرو المدني.
خروجه صلى الله عليه وسلم إلى الشام في تجارة خديجة
قال بن إسحاق وكانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إياه بشيء تجلعه لهم وكانت قريش قوما تجاراً فلما بلغها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بلغها من صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه بعثت إليه فعرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشام تاجراً وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار مع غلام لها يقال له ميسرة فقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم منها وخرج في مالها ذلك وخرج معه غلامها ميسرة حتى قدم الشام . فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في ظل شجرة قريباً من صومعة راهب من الرهبان فاطلع الراهب إلى ميسرة فقال له من هذا الرجل الذي نزل تحت هذه الشجرة قال له ميسرة هذارجل من قريش من أهل الحرم فقال له الراهب ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي.
رغبة خديجة بالزواج منه
ثم باع رسول الله صلى الله عليه وسلم سلعته التي خرج بها واشترى ما أراد أن يشتري ثم أقبل قافلاً إلى مكة ومعه ميسرة فكان ميسرة -فيما يزعمون -إذا كانت الهاجرة واشتد الحر يرى ملكين يظلانه من الشمس وهو يسير على بعيره فلما قدم مكة على خديجة بمالها باعت ما جاء به فأضعف أو قريباً وحدثها ميسرة عن قول الراهب وعما كان يرى من إظلال الملكين إياه . وكانت خديجة امرأة حازمة شريفة لبيبة مع ما أراد الله بها من كرامته فلما أخبرها ميسرة مما أخبرها به بعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له فيما يزعمون يا بن عم إني قد رغبت فيك لقرابتك وسطتك في قومك وأمانتك وحسن خلقك وصدق حديثك ثم عرضت عليه نفسها وكانت خديجة يومئذ أوسط نساء قريش نسبا وأعظمهن شرفاً وأكثرهن مالاً كل قومها كان حريصاً على ذلك منها لو يقدر عليه.
نسب خديجة رضي الله عنها
وهي خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر وأمها فاطمة بنت زائدة من الأصم بن رواحة بن حجر بن عبد بن معيص بن عامر بن لؤي بن غالب بن فهر وأم فاطمة هالة بنت عبد مناف بن الحارث بن عمرو بن منقذ بن عمرو بن معيص بن عمر بن لؤي بن غالب بن فهر وأم هالة قلابة بنت سعيد بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر.
زواج الرسول صلى الله عليه وسلم من خديجة
قالت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر ذلك لأعمامه فخرج معه عمه حمزة بن عبد المطلب رحمه الله حتى دخل على خويلد بن أسد فخطبها إليه فتزوجها .
قال بن هشام وأصدقها رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرين بكرة وكانت أول امرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت رضي الله عنها.
أولاده صلى الله عليه وسلم من خديجة رضى الله عنها
قال بن إسحاق فو ولدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولده كلهم إلا إبراهيم القاسم وبه كان يكنى صلى الله عليه وسلم والطاهر والطيب وزينب ورقية وام كلثوم وفاطمة عليهم السلام .
قال بن هشام أكبر بنيه القاسم ثم الطيب ثم الطاهر وأكبر بناته رقية ثم زينب ثم أم كلثوم ثم فاطمة. قال بن إسحاق فأما القاسم والطيب والطاهر فهلكوا في الجاهلية، وأما بناته فكلهن أدركن الإسلام فأسلمن وهاجرن معه صلى الله عليه وسلم.
قال بن هشام وأما إبراهيم فأمه مارية القبطية حدثنا عبد الله بن وهب عن بن لهيعة قال ام إبراهيم مارية سرية النبي صلى الله عليه وسلم التي أهداها إليه المقوقس من حفن من كورة أنصنا.
حديث خديجة مع ورقة وصدق نبوءة ورقة فيه صلى الله عليه وسلم
قال بن إسحاق وكانت خديجة بنت خويلد قد ذكرت لورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى وكان بن عمها وكان نصرانياً قد تتبع الكتب وعلم من علم الناس ما ذكر لها غلامها ميسرة من قول الراهب وما كان يرى منه إذ كان الملكان يظلانه فقال ورقة لئن كان هذا حقاً يا خديجة إن محمداً لنبي هذه الأمة وقد عرفت أنه كائن لهذه الأمة نبي ينتظر هذا زمانه أو كما قال.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
بنيان الكعبة وحكم الرسول بين قريش

سبب هذا البنيان
قال بن إسحاق فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وثلاثين سنة اجتمعت قريش لبنيان الكعبة وكانوا يهمون بذلك ليسقفوها ويهابون هدمها وإنما كانت رضما فوق القامة فأرادوا رفعها وتسقيفها وذلك أن نفراً سرقوا كنزاً للكعبة وإنما كان يكون في بئر في جوف الكعبة وكان الذي وجد عنده الكنر دويكا مولى لبني مليح بن عمرو من خزاعة قال بن هشام فقطعت قريش يده وتزعم قريش أن الذين سرقوه وضعوه عند دويك وكان البحر قد رمى بسفينة إلى جده لرجل من تجار الروم فتحطمت فأخذوا خشبها فأعدوه لتسقيفها وكان بمكة رجل قبطي نجار فتهيأ لهم في أنفسهم بعض ما يصلحه وكانت حية تخرج من بئر الكعبة التي كان يطرح فيها ما يهدى لها كل يوم فتتشرق على جدار الكعبة وكانت مما يهابون وذلك أنه كان لا يدنو منها أحد إلا اجزألت وكشت وفتحت فاها وكانوا يهابونها فبينما هي ذات يوم تتشرق على جدار الكعبة كما كانت تصنع بعث الله إليها طائرا فاختطفها فذهب بها فقالت قريش إنا لنرجو أن يكون الله قد رضي ما أردنا عندنا عامل رفيق وعندنا خشب وقد كفانا الله الحية.
ما حدث لأبي وهب عند بناء قريش الكعبة
فلما أجمعوا أمرهم في هدمها وبنائها قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ بن عبد بن عمران بن مخزوم -قال بن هشام عائذ بن عمران بن مخزوم- فتناول من الكعبة حجراً فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه فقال يا معشر قريش لا تدخلوا في بنائها من كسبكم إلا طيباً لا يدخل فيها مهر بغي ولا بيع ربا ولا مظلمة أحد من الناس والناس ينحلون هذا الكلام الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم .
قال بن إسحاق وقد حدثني عبد الله بن أبي نجيح المكي أنه حدث عن عبد الله بن صفوان بن أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي: أنه رأى ابنا لجعدة بن هبيرة بن أبي وهب بن عمرو يطوف بالبيت فسئل عنه فقيل هذا بن لجعدة بن هبيرة فقال عبد الله بن صفوان عند ذلك جد هذا يعني أبا وهب الذي أخذ حجراً من الكعبة حين أجمعت قريش لهدمها فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه فقال عند ذلك يا معشر قريش لا تدخلوا في بنائها من كسبكم إلا طيبا لا تدخلوا فيها مهر بغي ولا بيع ربا ولا مظلمة أحد من الناس.
تجزئة الكعبة بين قرش ونصيب كل منهما
ثم إن قريشا تجزأت الكعبة فكان شق الباب لبني عبد مناف وزهرة وكان ما بين الركن الأسود والركن اليماني لبني مخزوم وقبائل من قريش انظموا إليهم وكان ظهر الكعبة لبني جمح وسهم ابني عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي وكان شق الحجر لبني عبد الدار بن قصي ولبني أسد بن عبد العزى بن قصي ولبني عدي بن كعب بن لؤي وهو الحطيم.
الوليد بن المغيرة وهدم الكعبة
ثم إن الناس هابوا هدمها وفرقوا منه فقال الوليد بن المغيرة انا أبدؤكم في هدمها فأخذ المعول ثم قام عليها وهو يقول اللهم لم ترع قال بن هشام ويقال لم نزغ -اللهم إنا لا نريد إلا الخير ثم هدم من ناحية الركنين فتربص الناس تلك الليلة وقالوا ننظر فإن أصيب لم نهدم منها شيئاً ورددناها كما كانت وإن لم يصبه شيء فقد رضي الله صنعنا فهدمنا فأصبح الوليد من ليلته غاديا على عمله فهدم وهدم الناس معه حتى إذا انتهى الهدم بهم إلى الأساس أساس إبراهيم عليه السلام أفضوا إلى حجارة خضر كأسنمه آخذ بعضها بعضا.
قال بن إسحاق فحدثني بعض من يروى الحديث أن رجلاً من قريش ممن كان يهدمها أدخل عتلة بين حجرين منها ليقلع بها أحدهما فلما تحرك الحجر تنقضت مكة بأسرها فانتهوا عن ذلك الأساس قال بن إسحاق وحدثت أن قريشاً وجدوا في الركن كتابا بالسريانية فلم يدروا ما هو حتى قرأه لهم رجل من يهود فإذا هو أنا الله ذو بكة خلقتها يوم خلقت السموات والأرض وصورت الشمس والقمر وحففتها بسبعة أملاك حنفاء لا تزول حتى يزول أخشباها مبارك لأهلها في الماء واللبن قال بن هشام أخشباها جبلاها.
قال بن إسحاق وحدثت أنهم وجدوا في المقام كتابا فيه مكة بيت الله الحرام يأتيها رزقها من ثلاثة سبل لا يحلها أول من أهلها.
قال بن إسحاق وزعم ليث بن أبي سليم أنهم وجدوا حجراً في الكعبة قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بأربعين سنة إن كان كان ما ذكر حقاً مكتوباً فيه من يزرع خيراً يحصد غبطة ومن يرزع شراً يحصد ندامة تعملون السيئات وتجزون الحسنات أجل كما لا يجتنى من الشوك العنب.
الاختلاف بين قريش في وضع الحجر
قال بن إسحاق ثم إن القبائل من قريش جمعت الحجارة لبنائها كل قبيلة تجمع على حدة ثم بنوها حتى بلغ البنيان موضع الركن فاختصموا فيه كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى حتى تحاوزوا وتحالفوا وأعدوا للقتال فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دما ثم تعاقدوا هم وبنو عدي بن كعب بن لؤي على الموت وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في تلك الجفنة فسموا لعقة الدم فمكث قريش أربع ليال أو خمسا ثم إنهم اجتمعوا فيي المسجد وتشاوروا وتناصفوا.
فزعم بعض أهل الرواية:إن أبا أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وكان عامئذ أسن قريش كلها قال يا معشر قريش اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضي بينكم فيه ففعلوا فكان أول داخل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأوه قالوا هذا الأمين رضينا هذا محمد فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر قال صلى الله عليه وسلم هلم إلي ثوباً فأتى به فأخذ الركن فوضعه فيه بيده ثم قال لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم ارفعوه جميعاً ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه هو بيده ثم بني عليه.
ارتفاع الكعبة وكسوتها
وكانت الكعبة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثماني عشرة ذراعاً وكانت تكسي القباطي ثم كسيت البرود وأول من كساها الديباج الحجاج بن يوسف.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمس وحكم الإسلام فيه

الحمس عند قريش
قال بن إسحاق وقد كانت قريش- لا أدري أقبل الفيل أم بعده- ابتدعت رأي الحمس رأيا رأوه وأداروه فقالوا نحن بنو إبراهيم وأهل الحرمة وولاة البيت وقطان مكة وساكنها فليس لأحد من العرب مثل حقنا ولا مثل منزلتنا ولا تعرف له العرب مثل ما تعرف لنا فلا تعظموا شيئاً من الحل كما تعظمون الحرم فأنكم إن فعلتم ذلك استخفت العرب بحرمتكم وقالوا قد عظموا من الحل مثل ما عظموا من الحرم فتركوا الوقوف على عرفة والإفاضة منها وهم يعرفون ويقرون أنها من المشاعر والحج ودين إبراهيم صلى الله عليه وسلم ويرون لسائر العرب أن يفيضوا منها إلا أنهم قالوا نحن أهل الحرم فليس ينبغي لنا أن نخرج من الحرمة ولا نعظم غيرها كما نعظمها نحن الحمس والحمس أهل الحرم ثم جعلوا لمن ولدوا من العرب من ساكن الحل والحرم مثل الذي لهم بولادتهم إياهم يحل لهم ما يحل لهم ويحرم عليهم ما يحرم عليهم.
القبائل التي دانت مع قريش بالحمس
وكانت كنانة وخزاعة قد دخلوا معهم في ذلك. قال بن هشام وحدثني ابو عبيد النحوى أن بني عامر بن صعصة بن معاوية بن بكر بن هوازن دخلوا معهم في ذلك وأنشدني لعمرو بن معد يكرب:
أعباس لو كانت شياراً جيادنا * بتثليث ما ناصيت بعدي الأحامسا
قال بن هشام تثليث موضع من بلادهم والشيار السمان الحسان يعني بالأحامس بني عامر بن صعصعة وبعباس عباس بن مرداس السلمي وكان أغار على بن زبيد بتثليت وهذا البيت في قصيدة لعمرو. وأنشدني للقيط بن زرارة الدارمي في يوم جبلة:
أجذم إليك إنها بنو عبس * المعشر الحلة في القوم الحمس
لأن بني عبس كانوا يوم جبلة حلفاء في بني عامر بن صعصعة.
يوم جبلة
ويوم جبلة يوم كان بين بني حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم وبين بني عامر بن صعصعة فكان الظفر فيه لبني عامر بن صعصعة على بن حنظلة وقتل يومئذ لقيط بن زرارة بن عدس وأسر حاجب بن زرارة بن عدس وانهزم عمرو بن عمرو بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم بن مالك بن حنظلة ففيه يقول جرير للفرزدق:
كأنك لم تشهد لقيطاً وحاجباً * وعمرو بن عمرو إذا دعوا يالدارم
وهذا البيت في قصدية له.
يوم ذي نجب
ثم التقوا يوم ذي نجب فكان الظفر لحنظلة على بني عامر وقتل يومئذ حسان بن معاوية الكندي وهو أبو كبشة وأسر يزيد بن الصعق الكلابي وانهزم الطفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب أبو عمر بن الطفيل ففيه يقول الفرزدق:
ومهن إذ نجى طفيل بن مالك * على قرزل رجلاً ركوض الهزائم
ونحن ضربنا هامة بن خويلد * نزيد على أم الفراخ الجواثم
وهذان البيتان في قصيدة له.
فقال جرير:
ونحن خضبنا لابن كبشة تاجه * ولاقى أمرأ في ضمة الخيل مصقعا
وهذا البيت في قصيدة له .
وحديث يوم جبلة ويوم ذي نجب أطول مما ذكرنا وإنما منعني من استقصائه ما ذكرت في حديث يوم الفجار.
ما زادته قريش في الحمس
قال بن إسحاق ثم ابتدعوا في ذلك أموراً لم تكن لهم حتى قالوا لا ينبغي للحمس أن يأتقطوا الأقط ولا يسئلوا السمن وهم حرم ولا يدخلوا بيت من شعر ولا يستظلوا إن استظلوا إلا في بيوت الأدم ما كانوا حرماً ثم رفعوا في ذلك فقالوا لا ينبغي لأهل الحل أن يأكلوا من طعام جاءوا به معهم من الحل إلى الحرم إذا جاءوا حجاجاً أو عماراً ولا يطوفون بالبيت إذا قدموا أول طوافهم إلا في ثياب الحمس فإن لم يجدوا منها شيئاً طافوا بالبيت عراة فإن تكرم منهم متكرم من رجل أو امرأة ولم يجدوا ثياب الحمس فطاف في ثيابه التي جاء بها من الحل ألقاها إذا فرغ من طوافه ثم لم ينتفع بها ولم يمسها هو ولا أحد غيره أبداً.
وكانت العرب تسمى تلك الثياب اللقى فحملوا على ذلك العرب فدانت به ووقفوا على عرفات وأفاضوا منها وطافوا بالبيت عراة أما الرجال فيطوفون عراة وأما النساء فتضع إحداهن ثيابها كلها إلا درعاً مفرجاً عليها ثم تطوف فيه فقالت امرأة من العرب وهي كذلك تطوف بالبيت:
اليوم يبدو بعضه أو كله * وما بـدا مـنـه فـلا أحـلـه
ومن طاف منهم في ثيابه التي جاء فيها من الحل ألقاها فلم ينتفع بها هو ولا غيره. فقال قائل من العرب يذكر شيئا تركه من ثيابه فلا يقربه وهو يحبه:
كفى حزنا كري عليها كأنها * لقي بين أيدي الطائفين حريم
حكم الإسلام في الطواف وإبطال عادات الحمس
فكانوا كذلك حتى بعث الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم فأنزل عليه حين أحكم له دينه وشرع له سنن حجه ( ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم) يعني قريشا والناس العرب فرفعهم في سنة الحج إلى عرفات والوقوف عليها والإفاضة منها.
وأنزل الله عليه فيما كانوا حرموا على الناس من طعامهم ولبوسهم عند البيت حين طافوا عراة وحرموا ما جاءوا به من الحل من الطعام ( يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون) .فوضع الله تعالى أمر الحمس وما كانت قريش ابتدعت منه عن الناس بالإسلام حين بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم .
قال بن إسحاق حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عثمان بن أبي سليمان بن جبير بن معطعم عن عمه نافع بن جبير عن أبيه جبير بن مطعم قال لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن ينزل عليه الوحي وإنه لواقف على بعير له بعرفات مع الناس من بين قومه حتى يدفع معهم منها توفيقا من الله له صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
الجن ومبعثه صلى الله عليه وسلم

معرفة الكهان والأحبار والرهبان بمبعثه صلى الله عليه وسلم
قال بن إسحاق وكانت الأحبار من يهود والرهبان من النصارى والكهان من العرب قد تحدثوا بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه لما تقارب من زمانه أما الأحبار من يهود والرهبان من النصارى فعما وجدوا في كتبهم من صفته وصفة زمانه وما كان من عهد أنبيائهم إليهم فيه وأما الكهان من العرب فأتتهم به الشياطين من الجن فيما تسترق من السمع إذ كانت هي لا تحجب عن ذلك بالقذف بالنجوم وكان الكاهن والكاهنة لا يزال يقع منهما ذكر بعض أموره لا تلقي العرب لذلك فيه بالاً حتى بعثه الله تعالى ووقعت تلك الأمور التي كانوا يذكرون فعرفوها.
قذف الجن بالشهب دلالة على مبعثه صلى الله عليه وسلم
فلما تقارب أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحضر مبعثه حجبت الشيطان عن السمع وحيل بينها وبين المقاعد الي كانت تقعد لا ستراق السمع فيها فرموا بالنحوم فعرفت الجن أن ذلاك لأمر حدث من أمر الله في العباد يقول الله تبارك وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم حين بعثه وهو يقص عليه خبر الجن إذ حجبوا عن السمع فعرفوا ما عرفوا وما أنكروا من ذلك حين رأوا ما رأوا ( قل أوحي إلي إنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحداً وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولداً وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا ) إلى قوله ( وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الارض أم أراد بهم ربهم رشداً ).
فلما سمعت الجن القرآن عرفت أنها إنما منعت من السمع قبل ذلك لئلا يشكل الوحي بشيء من خبر السماء فيلتبس على أهل الأرض ما جاءهم من الله فيه لوقوع الحجة وقطع الشبهة فآمنوا وصدقوا ثم ( ولوا إلى قومهم منذرين قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقاً لما بين يديه يهدي إلى الحق والى طريق مستقيم). الآية.
وكان قول الجن ( وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً) أنه كان الرجل من العرب من قريش وغيرهم إذا سافر فنزل بطن واد من الأرض ليبيت فيه قال إني أعوذ بعزيز هذا الوادي من الجن الليلة من شر ما فيه. قال بن هشام الرهق الطغيان والسفه والرهق أيضاً مصدر لقول الرجل رهقت الإثم أو العسر الذي أرهقتني رهقاً شديداً أي حملت الإثم أو العسر الذي حملني حملاً شديداً وفي كتاب الله تعالى ( فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفراً). وقوله ( ولا ترهقني من أمري عسراً).
فزع ثقيف من رمى الجن بالنجوم
قال بن إسحاق وحدثني يعقوب بن عقبتة بن المغيرة بن الأخنس أنه حدث أن أول العرب فزع للرمي بالنجوم حين رمي بها هذا الحي من ثقيف وأنهم جاءوا إلى رجل منهم يقال له عمرو بن أمية أحد بني علاج قال وكان أدهى العرب وأنكرها رأيا فقالوا له يا عمرو ألم تر ما حدث في السماء من القذف بهذه النجوم قال بلى فانظروا فإن كانت معالم النجوم التي يهتدى بها في البر والبحر وتعرف بها الأنواء من الصيف والشتاء لما يصلح الناس في معايشهم هي التي يرمى بها فهو والله طي الدنيا وهلاك هذا الخلق الذي فيها وإن كانت نجوما غيرها وهي ثابتة على حالها فهذا لأمر أراد الله به هذا الخلق فما هو?.
قال بن إسحاق وذكر محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عن عبد الله بن العباس عن نفر من الأنصار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم ماذا كنتم تقولون في هذا النجم الذي يرمى به قالوا يا نبى الله كنا نقول حين رأيناها يرمى بها مات ملك ملك ملك ولد مولود مات مولود فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس ذلك كذلك ولكن الله تبارك وتعالى كان إذا قضى في خلقه أمراً سمعه حمله العرش فسبحوا فسبح من تحتهم فسبح لتسبيحهم من تحت ذلك فلا يزال التسبيح يهبط حتى ينتهي إلى السماء الدنيا فيسبحوا ثم يقول بعضهم لبعض مم سبحتم فيقولون سبح من فوقنا فسبحنا لتسبيحهم فيقولون ألا تسالون من فوقكم من سبحوا فيقولون مثل ذلك حتى ينتهوا إلى حملة العرش فيقال لهم مم سبحتم فيقولون قضى الله في خلقه كذا وكذا للأمر الذي كان فيهبط به الخبر من سماء إلى سماء حتى ينتهي إلى السماء الدنيا فيتحدثوا به فتسترقه الشياطين بالسمع على توهم واختلاف ثم يأتوا به الكهان من أهل الأرض فيحدثوهم به فيخطئون ويصيبون فيتحدث به الكهان فيصيبون بعضا ويخطئون بعضاً ثم إن الله عز وجل حجبت الشياطين بهذه النجوم التي يقذفون بها فانقطعت الكهانة اليوم فلا كهانة.
قال بن إسحاق وحدثني عمرو بن أبي جعفر عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي لبيبة عن علي بن الحسين بن علي رضي الله عنهم بمثل حديث بن شهاب عنه.
قال بن إسحاق وحدثني بعض أهل العلم أن امرأة من بني سهم يقال لها الغيطلة كانت كاهنة في الجاهلية فلما جاءها صاحبها في ليلة من الليالي فأنقض تحتها ثم قال أدر ما أدر يوم عقر ونحر فقالت قريش حين بلغها ذلك ما يريد ثم جاءها ليلة أخرى فأنقض تحتها ثم قال شعوب ما شعوب تصرع فيه كعب لجوب فلما بلغ ذلك قريشا قالوا ماذا يريد إن هذا لأمر هو كائن فانظروا ما هو فما عرفوه حتى كانت وقعة بدر واحد بالشعب فعرفوا أنه الذي كان جاء به إلى صاحبته.
قال بن هشام الغيطلة من بني مرة بن عبد مناة بن كنانة إخوة مدلج بن مرة وهي أم الغياطل الذين ذكر أبو طالب في قوله:
لقد سفهت أحلام قوم تبدلوا * بني خلف قيضا بنا والغياطل
فقيل لولدها الغياطل وهم من بني سهم بن عمرو بن هصيص وهذا البيت في قصيدة له سأذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
ذكر الكهنة لخبر الرسول صلى الله عليه وسلم

حديث كاهن جنب يذكر خبر الرسول صلى الله عليه وسلم
قال بن إسحاق وحدثني علي بن نافع الجرشي أن جنبا بطنا من اليمن كان لهم كاهن في الجاهلية فلما ذكر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتشر في العرب قالت له جنب انظر لنا في أمر هذا الرجل واجتمعوا له في أسفل جبله فنزل عليهم حين طلعت الشمس فوقف لهم قائماً متكئاً على قوس له فرقع رأسه إلى السماء طويلاً ثم جعل ينزو ثم قال أيها الناس إن الله أكرم محمداً واصطفاه وطهر قلبه وحشاه ومكثه فيكم أيها الناس قليل ثم اشتد في جبله راجعاً من حيث جاء.

ما جرى بين عمر بن الخطاب وسواد بن قارب
قال بن إسحاق وحدثني من لا أتهم عن عبد الله بن كعب مولى عثمان بن عفان أنه حدث أن عمر بن الخطاب بينا هو جالس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل رجل من العرب داخلاً المسجد يريد عمر بن الخطاب فلما نظر إليه عمر رضي الله عنه قال إن هذا الرجل لعلى شركه ما فارقه بعد ولقد كان كاهنا في الجاهلية فسلم عليه الرجل ثم جلس فقال له عمر رضي الله عنه هل أسلمت قال نعم يا أمير المؤمنين قال له فهل كنت كاهنا في الجاهلية فقال الرجل سبحان الله يا أمر المؤمنين لقد خلت في واستقبلتني بأمر ما أراك قلته لأحد من رعيتك منذ وليت ما وليت فقال عمر اللهم غفراً قد كنا في الجاهلية على شر من هذا نعبد الأصنام ونعتنق الأوثان حتى أكرمنا الله برسوله وبالإسلام قال نعم والله يا أمير المؤمنين لقد كنت كاهنا في الجاهلية قال فأخبرني ما جاءك به صاحبك قال جاءني قبل الإسلام بشهر أو شيعة فقال الم تر إلى الجن وإبلاسها وأياسها من دينها ولحوقها بالقلاص وأحلامها. قال بن هشام هذا الكلام سجع وليس بشعر.
قال عبد الله بن كعب فقال عمر بن الخطاب عند ذلك يحدث الناس والله إني لعند وثن من أوثان الجاهلية في نفر من قريش قد ذبح له رجل من العرب عجلا فنحن ننتظر قسمه ليقسم لنا منه إذ سمعت من جوف العجل صوتاً ما سمعت صوتاً قط أنفذ منه وذلك قبيل الإسلام بشهر أو شيعة يقول يا ذريح أمر نجيح رجل يصيح يقول لا إله إلا الله .
قال بن هشام ويقال رجل يصيح بلسان فصيح يقول لا إله إلا الله وأنشدني بعض أهل العلم بالشعر:
عجبت للجن وإبلاسها * وشدها العيس بأحلاسها
تهوى إلى مكة تبغي الهدى * ما مؤمنو الجن كأنجاسها
قال بن إسحاق فهذا ما بلغنا من الكهان من العرب.

إنذار يهود برسول الله صلى الله عليه وسلم
قال بن إسحاق وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن رجال من قومه قالوا إن مما دعانا إلى الإسلام مع رحمة الله تعالى وهداه لما كنا نسمع من رجال يهود كنا أهل شرك أصحاب أوثان وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس لنا وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا إنه تقارب زمان نبي يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم فكنا كثيراً ما نسمع ذلك منهم فلما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم أجبناه حين دعانا إلى الله تعالى وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به فبادرناهم إليه فآمنا به وكفروا به ففينا وفيهم نزل هؤلاء الآيات من البقرة ( ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين).
قال بن هشام يستفتحون يستنصرون ويستفتحون أيضا يتحاكمون وفي كتاب الله تعالى ( ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ).

حديث سلمة عن اليهودي الذي أنذر بالرسول صلى الله عليه وسلم
قال بن إسحاق وحدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن محمود بن لبيد أخي بني عبد الأشهل عن سلمة بن سلامة بن وقش وكان سلمة من أصحاب بدر قال كان لنا جار من يهود في بني عبد الأشهل قال فخرج علينا يوماً من بيته حتى وقف على بني عبد الأشهل -قال سلمة وأنا يومئذ أحدث من فيه سنا علي بردة لي مضطجع فيها قتاء أهلي فذكر القيامة والبعث والحساب والميزان والجنة والنار قال فقال ذلك لقوم أهل شرك أصحاب أوثان لا يرون أن بعثا كائن بعد الموت فقالوا له ويحك يا فلان أوترى هذا كائنا أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار يجزون فيها بأعمالهم قال نعم والذي يحلف به ولود أن له بحظه من تلك النار أعظم تنور في الدار يحمونه ثم يدخلونه إياه فيطينونه عليه بأن ينجو من تلك النار غدا فقالوا له ويحك يا فلان فما آية ذلك قال نبى مبعوث من نحو هذه البلاد وأشار بيده إلى مكة واليمن فقالوا ومتى تراه قال فنظر إلي وأنا من أحدثهم سناً فقال إن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه قال سلمة فوالله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله محمد رسوله صلى الله عليه وسلم وهو حي بين أظهرنا فآمنا به وكفر به بغيا وحسداً قال فقلنا له ويحك يا فلان ألست الذي قلت لنا فيه ما قلت قال بلى ولكن ليس به.

إسلام ثعلبة وأسيد ابني سعية وأسد بن عبيد
قال بن إسحاق وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن شيخ من بني قريظة قال قال لي هل تدري عم كان إسلام ثعلبة بن سعية وأسيد بن سعية وأسد بن عبيد نفر من بن هدل إخوه من بني قريظة كانوا معهم في جاهليتهم ثم كانوا ساداتهم في الإسلام قال قلت لا قال فإن رجلاًمن يهود من أهل الشام يقال له بن الهيبان قدم علينا قبيل الإسلام بسنين فحل بين أظهرنا لا والله ما رأينا رجلا قط لا يصلي الخمس أفضل منه فأقام عندنا فكنا إذا قحط عنا المطر قلنا له أخرج يا بن الهيبان فاستسق لنا فيقول لا والله حتى تقدموا بين يدي مخرجكم صدقة فنقول له كم فيقول صاعا من تمر أو مدين من شعير قال فنخرجها ثم يخرج بنا إلى ظاهر حرتنا فيستسقي الله لنا فوالله ما يبرح مجلسه حتى تمر السحابة ونسقى قد فعل ذلك غير مرة ولا مرتن ولا ثلاث قال ثم حضرته الوفاة عندنا فلما عرف أنه ميت قال أيا معشر يهود ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع قال قلنا إنك أعلم قال فإني إنما قدمت هذه البلدة أتوكف خروج نبى قد أظل زمانه وهذه البلدة مهاجره فكنت أرجو أن يبعث فأتبعه وقد أظلكم زمانه فلا تسبقن إليه يا معشر يهود فإنه يبعث بسفك الدماء وسبي الذراري والنساء ممن خالفه فلا يمنعكم ذلك منه. فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاصر بني قريظة قال هؤلاء الفتية وكانوا شباباً أحداثا يا بني قريظة والله إنه للنبي الذي كان عهد إليكم فيه بن الهيبان قالوا ليس به قالوا بلى والله إنه لهو بصفته فنزلوا وأسلموا وأحرزوا دماءهم و أموالهم وأهليهم. قال بن إسحاق فهذا ما بلغنا عن أخبار يهود.

مختصر: تهذيب سيرة ابن هشام لعبد السلام هارون