بّسم الله الرّحمن الرّحيم
السيرة النبوية المطهرة
مباداة رسول الله قومه وما كان منهم
وانتشار ذكره صلى الله عليه وسلم

أمر الله له بمباداة قومه
قال بن إسحاق ثم دخل الناس في الإسلام أرسالاً من الرجال والنساء حتى فشا ذكر الإسلام بمكة وتحدث به ثم إن الله عز وجل أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يصدع بما جاءه منه وأن يبادي الناس بأمره وأن يدعو إليه وكان بين ما أخفى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره واستتر به إلى أن أمره الله تعالى بإظهار دينه ثلاث سنين فيما بلغني من مبعثه ثم قال الله تعالى له ( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ) وقال تعالى ( وأنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين وقل إني أنا النذير المبين ).
خروج الرسول بأصحابه
قال بن إسحاق وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلوا ذهبوا في الشعاب فاستخفوا بصلاتهم من قومهم فبينا سعد بن أبي وقاص في نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعاب من شعاب مكة إذ ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلون فناكروهم وعابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم فضرب سعد بن أبي وقاص يؤمئذ رجلاً من المشركين بلحي بعير فشجه فكان أول دم هريق في الإسلام.
قال بن إسحاق فلما بادى رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه بالإسلام وصدع به كما أمره الله لم يبعد منه قومه ولم يردوا عليه - فيما بلغني - حتى ذكر آلهتهم وعابها فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه وأجمعوا خلافه وعداوته إلا من عصم الله تعالى منهم بالإسلام وهم قليل مستخفون وحدب علي رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه أبو طالب ومنعه وقام دونه ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر الله مظهراً لأمره لا يرده عنه شيء فلما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعتبهم من شيء أنكروه عليه من فراقهم وعيب آلهتهم ورأوا أن عمه أبا طالب قد حدب عليه وقام دونه فلم يسلمه لهم مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب عتبة وشيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس وأبو سفيان بن حرب بن أمية. قال بن هشام واسم أبي سفيان صخر. قال بن إسحاق وأبو البختيري اسمه العاص بن هشام . قال بن إسحاق والأسود بن المطلب بن أسد وأبو جهل واسمه عمرو وكان يكنى أبا الحكم -بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم والوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرةابن كعب بن لؤي ومنيه ابنا الحجاج بن عامر بن حذيفة بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي والعاص بن وائل. قال بن إسحاق فقالوا يا ابا طالب إن بن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل آباءنا فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه فنكفيكه فقال لهم أبو طالب قولاً رفيقاً وردهم رداً جميلاً فانصرفوا عنه.

استمرار رسول الله في دعوته
ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ماهو عليه يظهر دين الله ويدعو إليه ثم شرى الأمر بينه وبينهم حتى تباعد الرجال وتضاغنوا وأكثرت قريش ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بينها فتذامروا فيه وحض بعضهم بعضاً عليه. ثم إنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى فقالوا له ياأبا طالب إن لك سناً وشرفاً ومنزلة فينا وإنا قد استنهيناك من بن أخيك فلم تنهه عنا وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آباءنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين أوو كما قالوا له ثم انصرفوا عنه فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم ولم يطب نفسا بإسلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم ولا خذلانه .
قال بن إسحاق وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حدث أن قريشاً حين قالوا لأبي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له يا بن أخي إن قومك قد جاءوني فقالوا لي كذا وكذا الذي كانوا قالوا له فأبق علي وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق قال فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد بدا لعمه فيه بداء أنه خاذله ومسلمة وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني و القمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته قال ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى ثم قام فلما ولى ناداه أبو طالب فقال أقبل يا بن أخي قال فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اذهب يا بن أخي فقل ما أحببت فوالله لا اسلمك لشيء أبداً.
قال بن إسحاق ثم إن قريشاً حين عرفوا أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله صلى الله عليه وسلم وإسلامه وإجماعه لفراقهم في ذلك وعداوتهم مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة فقالوا له فيما بلغني- يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد أنهد فتى في قريش وأجمله فخذه فلك عقله ونصره واتخذه ولدا فهو لك وأسلم إلينا بن أخيك هذا الذي قد خالف دينك ودين آبائك وفرق جماعة قومك وسفه أحلامهم فنقتله فإنما هو رجل برجل فقال والله لبئس ما تسومونني أتعطونني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه هذا والله ما لا يكون أبداً قال فقال المطعم بن عيد بن نوفل بن عبد مناف بن قصي الله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك وجهدوا على التخلص مما تكرهه فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئاً فقال أبو طالب للمطعم والله ما أنصفوني ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم علي فاصنع ما بدا لك أو كما قال قال فحقب الأمر وحميت الحرب وتنابذ القوم وبادى بعضهم بعضاً.
فقال أبو طالب عند ذلك يُعرض بالمطعم بن عدي ويعم من خذله من بني عبد مناف ومن عاداه من قبائل قريش ويذكر ما سألوه وما تباعد من أمرهم ـ الأبيات الثلاث الأولى ـ:
ألا قل لعمرو والوليد ومطعم * ألا ليت حظي من حياطـتكم بكر
من الخور حبحاب كثير رغاؤه * يرش على الساقين من بوله قطر
تخلف خلف الورد ليس بلاحق * إذا ما علا الفيفاء قيل له وبر
قال بن إسحاق ثم إن قريشا تذامرواً بينهم على من في القبائل من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين أسلموا معه فوثبت كل قبيلة على من فيهم من المسلمين يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم ومنع الله رسوله صلى الله عليه وسلم منهم بعمه أبي طالب وقد قام أبو طالب حين رأى قريشا يصنعون ما يصنعون في بني هاشم وبني المطلب فدعاهم إلى ما هو عليه من منع رسول الله صلى الله عليه وسلم والقيام دونه فاجتمعوا إليه وقاموا معه وأجابوه إلى ما دعاهم إليه إلا ما كان من أبي لهب عدو الله الملعون.
فلما رأى أبو طالب من قومه ما سره في جهدهم معه وحدبهم عليه جعل يمدحهم ويذكر قديمهم ويذكر فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم ومكانه منهم ليشد لهم رأيهم وليحدبوا معه على أمره فقال:
إذا اجتمعت يوماً قريش لمفخر * فعبد مناف سرها وصميمها
وإن حصلت أشراف عبد منافها * ففي هاشم أشرافها وقـديمها
وإن فخرت يوماً فإن محمداً * هو المصطفى من سرها وكريمها
تداعت قريش غثها وسمينها * علينا فلم تظفر وطاشت حلومها
وكنا قديماً لا نقر ظلامة * إذا ما ثنوا صعر الخدود نقيمها
ونحمى حماها كل يوم كريهة * ونضرب عن أحجارها من يرومها
بنا انتعش العود الذواء وإنما * بأكنافنا تندى وتنمى أرومها
تحير الوليد بن المغيرة فيما يصف به القرآن
ثم إن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من فريش وكان ذا سن فيهم وقد حضر الموسم فقال لهم يا معشر قريش إنه قد حضر هذا الموسم وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا فأجتمعوا فيه رأيا واحدا ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضاً ويرد قولكم بعضه بعضاً قالوا فأنت يا أبا عبد شمس فقل وأقم لنا رأيا نقول به قال بل أنتم فقولوا اسمع قالوا نقول كاهن قال لا والله ما هو بكاهن لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه قالوا فنقول مجنون قال ما هو بمجنون لقد رأينا الجنون وعرفنا فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته قالوا فنقول شاعر قال ما هو بشاعر لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقرضه ومقبوضه ومبسوطة فما هو بالشعر قالوا فنقول ساحر قال ما هو بساحر لقد رأينا السحار وسحرهم فما هو بنفثهم ولا عقدهم قالوا فما نقول يا أبا عبد شمس قال والله ن لقوله لحلاوة وإن أصله لعذق وإن فرعه لجناة- قال بن هشام ويقال لغدق وما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلا عرف أنه باطل وإن أقرب القوم فيه لأن تقولوا ساحر جاء بقول هو سحر يفرق به بين المرء وابنه وبين المرء وأخيه وبين المرء وزوجته وبين المرء وعشيرته فتفرقوا عنه بذلك فجعلوا يجلسون بسبل الناس حين قدموا الموسم ولا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه وذكروا لهم أمره فأنزل الله تعالى في الوليد بن المغيرة في ذلك من قوله ( ذرن ومن خلقت وحيداً وجلعت له مالاً ممدواً وبنين شهوداً ومهدت له تمهيداً ثم يطمع أن أزيد كلا إنه كان لآياتنا عنيداً ) أي خصيما . قال بن هشام عنيد معاند مخالف، ( سأرهقه صعوداً إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر ثم نظر ثم عبس وبسر ) . قال بن هشام بسر كره وجهه، (ثم أدبر واستكبر فقال إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر ).
قال بن إسحاق وأنزل الله تعالى في رسوله صلى الله عليه وسلم وفيما جاء به من الله تعالى وفي النفر الذين كانوا معه يصنفون القول في رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيما جاء به من الله تعالى ( كما أنزلنا على المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين فوربك لتسئلنهم أجمعين عما كانوا يعملون ). قال بن هشام واحدة العضين عضة يقول عضوه فرقوه،
قال بن إسحاق فجعل أوئك النفر يقولون ذلك في رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن لقوا من الناس وصدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فانتشر ذكره في بلاد العرب كلها .
فلما خشي أبو طالب دهماء العرب أن يركبوه مع قومه قال قصيدته التى تعوذ فيها بحرم مكة وبمكانه منها وتودد فيها أشراف قومه وهو على ذلك يخبرهم وغيرهم في ذلك من شعره أنه غير مسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تاركه لشيء ابدا حتى يهلك دونه،

شعر أبي طالب
فلما خشي أبو طالب دهماء العرب أن يركبوه مع قومه قال قصيدته التى تعوذ فيها بحرم مكة وبمكانه منها وتودد فيها أشراف قومه وهو على ذلك يخبرهم وغيرهم في ذلك من شعره أنه غير مسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تاركه لشيء ابدا حتى يهلك دونه فقال:
ولما رأيت القوم لا ود فيهم * وقد قطعوا كل العرى والوسائل
وقد صارحونا بالعداوة والأذى * وقد طاوعوا أمر العدو المزايل
وقد حالفوا قوما علينا أظنه * يعضون غـيظا خلفنا بالأنامل
صبرت لهم نفسي بسمراء سمحة * وأبيض عضب من تراث المقاول
وأحصرت عند البيت رهطي وإخوتي * وأمسكت من أثوابه بالوصائ
قياما معا مستقبلين رتاجه * لدي حيث يقضي حلفه كل نافل
الى ان قال:
كذبتم وبيت الله نترك مكة * ونظعن إلا أمركم في بلابل
كذبتم وبيت الله نبزي محمدا * ولما نطاعن دونه ونناضل
ونسلمه حتى نصرع حوله * نذهل عن أبنائنا والحلائل
وينهض قوم في الحديد إليكم * نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل
وحتى ترى ذا الضغن يركب ردعه * من الطعن فعلى الأنكب المتحامل
وإما لعمر الله إن جد ما أرى * لتلتبسن أسيافنا بالأماثل
بكفى فتى مثل الشهاب سميدع * أخي ثقة حامي الحقيقة باسل
شهورا وأياما وحولا مجرما * علينا وتأتي حجة بعد قابل
وما ترك قوم لا أبا لك سيدا * يحوط الذمار غير ذرب مواكل
وأبيض يستقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للأرامل
واختتمها بقوله:
لقد علموا أن ابننا لا مكذب * لدينا ولا يعنى بقول الأباطل
فأصبح فينا أحمد في أرومة * تقصر عنه سورة المتطاول
حدبت بنفسي دونه وحميته * ودافعت عنه بالذرا والكلاكل
فأيده رب العباد بنصره * وأظهر ديناً حقه غير باطل
رجال كرام غير ميل نماهم * إلى الخير آباه كرام المحاصل
فإن تك كعب من لؤي صقيبة * فلا بد يوماً مرة من تزايل
ولقد دعا صلى الله عليه وسلم للناس حين أقحطوا فنزل المطر وود لو أن أبا طالب حي فرأى ذلك:
قال بن هشام: وحدثني من أثق به، قال: أقحط أهل المدينة فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكوا ذلك إليه فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فاستسقى فما لبث أن جاء من المطر ما أتاه أهل الضواحي يشكون منه الغرق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم حوالينا ولا علينا فانجاب السحاب عن المدينة فصار حوليها كلأكليل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو أدرك أبو طالب هذا اليوم لسره " ، فقال له بعض أصحابه: كأنك يا رسول الله أردت قوله:
وأبيض يستقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للأرامل
قال: " أجل ".


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
انتشار ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم
وما لقيه من قومه واسلام حمزة

انتشار ذكر الرسول في القبائل ولا سيما الأوس والخزرج
فلما انتشر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في العرب وبلغ البلدان ذكر بالمدينة ولم يكن حي من العرب أعلم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ذكر وقبل أن يذكر من هذا الحي من الأوس والخزرج وذلك لما كانوا يسمعون من أحبار اليهود وكانوا لهم حلفاء ومعهم في بلادهم فلما وقع ذكره بالمدينة وتحدثوا بما بين قريش فيه من الاختلاف قال أبو قيس بن الأسلت وكان يحب قريشاً وكان لهم صهراً كانت عنده أرنب بنت أسد بن عبد العزى بن قصي وكان يقيم عندهم السنين بامرأته قصيدة يعظم فيها الحرمة وينهى قريشاً فيها عن الحرب ويأمرهم بالكف بعضهم عن بعض ويذكر فضلهم وأحلامهم ويأمرهم بالكف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويذكرهم بلاء الله عندهم ودفعه عنهم الفيل وكيده عنهم فقال:
يا راكباً إما عرضت فبلغن * مغلغلة عني لؤي بن غالب
رسول امرئ قد راعه ذات بينكم * على النأي محزون بذلك ناصب
وقد كان عندي للهموم معرس * فلم أقض منها حاجتي ومآربي
الى الى قال:
فلما أتاكم نصر ذي العرش ردهم * جنود المليك بين ساف وحاصب
فولوا سراعاً هاربين ولم يؤب * إلى أهله ملحبش غير عصائب
فإن تهلكوا نهلك وتهلك مواسم * يعاش بها قول امرئ غير كاذب

حرب داحس
قال بن هشام: حدثني أبو عبيدة النحوي أن داحساً فرس كان لقيس بن زهير بن جذيمة بن رواحة بن ربيعة بن الحارث بن مازن بن قطية بن عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان أجراه مع فرس لحذيفة بن بدر بن عمرو بن زيد بن جؤية بن لوذان بن ثعلبة بن عدي بن فزارة بن ذيبان بن بغيض بن ريث بن غطفان يقال لها: الغبراء فدس حذيفة قوماً وأمرهم أن يضربوا وجه داحس إن رأوه قد جاء سابقاً فجاء داحس سابقاً فضربوا وجهه وجاءت الغبراء فلما جاء فارس داحس أخبر قيساً الخبر فوثب أخوه مالك بن زهير فلطم وجه الغبراء فقام حمل بن بدر فلطم مالكاً ثم إن أبا الجنيدب العبسي لقي عوف بن حذيفة فقتله ثم لقي رجل من بني فزارة مالكاً فقتله فقال حمل بن بدر أخو حذيفة بن بدر:
قتلنا بعوف مالكاً وهو ثأرنا * فإن تطلبوا منا سوى الحق تندموا
وهذا البيت في أبيات له وقال الربيع بن زياد العبسي:
أفبعد مقتل مالك بن زهير * ترجو النساء عواقب الأطهار
وهذا البيت في قصيدة له.
فوقعت الحرب بين عبس وفزارة فقتل حذيفة بن بدر وأخوه حمل بن بدر فقال قيس بن زهير بن جذيمة يرثي حذيفة وجزع عليه:
كم فارس يدعى وليس بفارس * وعلى الهباءة فارس ذو مصدق
فابكوا حذيفة لن ترثوا مثله * حتى تبيد قبائل لم تخلق
وهذان البيتان في أبيات له وقال قيس بن زهير:
على أن الفتى حمل بن بدر * بغى والظلم مرتعه وخيم
وهذا البيت في أبيات له وقال الحارث بن زهير أخو قيس بن زهير:
تركت على الهباءة غير فخر * حذيفة عنده قـصد العوالي
وهذا البيت في أبيات له.
قال بن هشام: ويقال أرسل قيس داحساً والغبراء وأرسل حذيفة الخطار والحنفاء والأول أصح الحديثين. وهو حديث طويل منعني من استقصائه قطعه حديث سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ما لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفهاء قريش
قال بن إسحاق: ثم إن قريش اشتد أمرهم للشقاء الذي أصابهم في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أسلم معه منهم فأغروا برسول الله صلى الله عليه وسلم سفهاءهم فكذبوه وآذوه ورموه بالشعر والسحر والكهانة والجنون ورسول الله صلى الله عليه وسلم مظهر لأمر الله لا يستخفي به مباد لهم بما يكرهون من عيب دينهم واعتزال أوثانهم وفراقه إياهم على كفرهم.
قال بن إسحاق: حدثني يحيى بن عروة بن الزبير عن أبيه عروة بن الزبير عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قلت له: ما أكثر ما رأيت قريشاً أصابوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كانوا يظهرون من عداوته قال: حضرتهم وقد واجتمع أشرافهم يوماً في الحجر فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من أمر هذا الرجل قط سفه أحلامنا وشتم آباءنا وعاب ديننا وفرق جماعتنا وسن آلهتنا لقد صبرنا منه على أمر عظيم أو كما قالوا: فبينا هم في ذلك إذ طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل يمشي حتى استلم الركن ثم مر بهم طائفاً البيت فلما مر بهم غمزوه ببعض القول قال: فعرفت ذلك في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ثم مضى فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها فعرفت ذلك في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثم مر الثالثة فغمزوه بمثلها فوقف ثم قال: أتسمعون يا معشر قريش أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح. قال: فأخذت القوم كلمته حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع حتى إن أشدهم فيه وصاة قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول حتى إنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم فوالله ما كنت جهولاً قال فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم عنه حتى إذا باداكم بما تكرهون تركتموه فبينما هم في ذلك طلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فوثبوا إليه وثبة رجل واحد وأحاطوا به يقولون: أنت الذي تقول كذا وكذا لما كان يقول من عيب آلهتهم ودينهم فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم: أنا الذي أقول ذلك قال: فلقد رأيت رجلاً منهم أخذ بجمع ردائه. قال: فقام أبو بكر رضي الله عنه دونه وهو يبكي ويقول: أتقلتون رجلاً أن يقول ربي الله ثم انصرفوا عنه فإن ذلك لأشد ما رأيت قريشاً نالوا منه قط.
قال بن هشام: حدثني بعض أهل العلم: أشد ما لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش أنه خرج يوماً فلم يلقه أحد من الناس إلا كذبه وآذاه لا حر ولا عبد فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزله فتدثر من شدة ما أصابه فأنزل الله تعالى عليه: (يا أيها المدثر قم فأنذر).
قال بن إسحاق وحدثني بعض آل أم كلثوم بنت أبي بكر أنها قالت: رجع أبو بكر يومئذ وقد صدعوا فرق رأسه مما جبذوه بلحيته وكان رجلاً كثير الشعر.

إسلام حمزة رضي الله عنه
قال بن إسحاق حدثني رجل من أسلم كان واعية: أن أبا جهل مر برسول الله صلى الله عليه وسلم عند الصفا فآذاه وشتمه ونال منه بعض ما يكره من العيب لدينه والتضعيف لأمره فلم يكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومولاة لعبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة في مسكن لها تسمع ذلك ثم انصرف عنه فعمد إلى ناد من قريش عند الكعبة فجلس معهم فلم يلبث حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه أن أقبل متوشحاً قوسه راجعاً من قنص يرميه ويخرج له وكان إذا رجع من قنصه لم يصل إلى أهله حتى يطوف بالكعبة وكان إذا فعل ذلك لم يمر على ناد من قريش إلا وقف وسلم وتحدث معهم وكان أعز فتى في قريش وأشد شكيمة فلما مر بالمولاة وقد رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته قالت له: يا أبا عمارة ولو رأيت ما لقي بن أخيك محمد آنفاً من أبي الحكم بن هشام، وجده هاهنا جالساً فآذاه وسبه وبلغ منه ما يكره ثم انصرف عنه ولم يكلمه محمد.
فاحتمل حمزة الغضب لما أراد الله به من كرامته فخرج يسعى ولم يقف على أحد معداً لأبي جهل إذا لقيه أن يوقع به فلما دخل المسجد نظر إليه جالساً في القوم فأقبل نحوه حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها فشجه شجة منكرة ثم قال: أتشتمه وأنا على دينه أقول ما يقول فرد ذلك علي إن استطعت. فقامت رجال من بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل فقال أبو جهل دعوا أبا عمارة فإني والله قد سببت بن أخيه سباً قبيحاً وتم حمزة رضي الله عنه على إسلامه وعلى ما تابع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عز وامتنع وأن حمزة سيمنعه فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه.

ما دار بين عتبة بن ربيعة ورسول صلى الله عليه وسلم
قال بن إسحاق: وحدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي قال: حدثت أن عتبة بن ربيعة وكان سيداً قال يوماً وهو جالس في نادي قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أموراً لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا وذلك حين اسلم حمزة ورأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيدون ويكثرون فقالوا: بلى يا أبا الوليد قم إليه فكلمه فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا بن أخي إنك منا حيث قد علمت من السلطة في العشيرة والمكان في النسب وإنك أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم وعبت به آلهتهم ودينهم وكفرت به من مضى من آبائهم فاسمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها قال: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قل يا أبا الوليد أسمع " ، قال: يا بن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً وإن كنت تريد به شرفاً سودناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك. وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه أو كما قال له حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع منه قال: " أقد فرغت يا أبا الوليد "، قال: نعم قال: " فاسمع مني "، قال: أفعل فقال (بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون بشيراً ونذيراً فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه). ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها يقرؤها عليه فلما سمعها منه عتبة أنصت لها وألقى يديه خلف ظهره معتمداً عليهما يسمع منه ثم انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة منها فسجد ثم قال: " قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك ".
فقام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد، قال: ورائي أني قد سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قط والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس به، قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأي فيه فاصنعوا ما بدا لكم.

حديث رؤساء قريش مع الرسول صلى الله عليه وسلم
قال بن إسحاق: حدثني بعض أهل العلم عن سعيد بن جبير وعن عكرمة مولى بن عباس عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال:
اجتمع عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو سفيان بن حرب والنضر بن الحارث بن كلدة أخو بني عبد الدار وأبو البختري بن هشام والأسود بن المطلب بن أسد وزمعة بن الأسود والوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية والعاص بن وائل ونبيه ومنبه ابنا الحجاج السهميان وأمية بن خلف أو من اجتمع منهم. قال اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة ثم قال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه فبعثوا إليه إن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك فأتهم فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعاً وهو يظن أن قد بدا لهم فيما كلمهم فيه بداء وكان عليهم حريصاً يحب رشدهم ويعز عليه عنتهم حتى جلس إليهم فقالوا له يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنكلمك وإنا والله ما نعلم رجلاً من العرب أدخل على قومه مثل ما أدخلت على قومك لقد شتمت الآباء وعبت الدين وشتمت الآلهة وسفهت الأحلام وفرقت الجماعة فما بقي أمر قبيح إلا جئته فيما بيننا وبينك أو كما قالوا له فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً وإن كنت إنما تطلب به الشرف فينا فنحن نسودك علينا وإن كنت تريد ملكاً ملكناك علينا وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً تراه قد غلب عليك وكانوا يسمعون التابع من الجن رئياً فربما كان ذلك بذلنا لك أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه أو نعذر فيك فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بي ما تقولون ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم ولكن الله بعثني إليكم رسولاً وأنزل علي كتاباً وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً فبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم أو كما قال صلى الله عليه وسلم قالوا يا محمد فإن كنت غير قابل منا شيئاً مما عرضناه عليك فإنك قد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق بلداً ولا أقل ماء ولا أشد عيشاً منا فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به فليسير عنا هذا الجبال التي قد ضيقت علينا وليبسط لنا بلادنا وليفجر لنا فيها أنهاراً كأنهار الشام والعراق وليبعث لنا من مضى من آبائنا وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب فإن كان شيخ صدق فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل فإن صدقوك وصنعت ما سألناك صدقناك وعرفنا به منزلتك من الله وأنه بعثك رسولاً كما تقول. فقال له صلوات الله وسلامه عليه ما بهذا بعثت إليكم من الله إنما جئتكم من الله بما بعثني به وقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه علي أصبر لأمر الله تعالى حتى يحكم الله بيني وبينكم قالوا: فإذا لم تفعل هذا لنا فخذ لنفسك سل ربك بأن يبعث معك ملكاً يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك وسله فليجعل لك جناناً وقصوراً وكنوزاً من ذهب وفضة يغنيك بها عما نراك تبتغي فإنك تقوم بالأسواق كما نقوم وتلتمس المعاش كما تلتمسه حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولاً كما تزعم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أنا بفاعل وما أنا بالذي يسأل ربه هذا وما بعثت إليكم بهذا ولكن الله بعثني بشيراً ونذيراً أو كما قال فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم قالوا: فأسقط السماء علينا كسفاً كما زعمت أن ربك إن شاء فعل فإنا لا نؤمن لك إلا أن تفعل قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك إلى الله إن شاء أن يفعله بكم فعل قالوا: يا محمد أفما علم ربك أنا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه ونطلب منك ما نطلب فيتقدم فيعلمك ما تراجعنا به ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا إذ لم نقبل منك ما جئتنا به إنه قد بلغنا أنك إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له الرحمن وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبداً فقد أعذرنا إليك يا محمد وإنا والله لا نتركك وما بلغت منا حتى نهلكك أو تهلكنا وقال قائلهم: نحن نعبد الملائكة وهي بنات الله وقال قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلاً.
فلما قالوا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم قام عنهم وقام معه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وهو بن عمته فهو لعاتكة بنت عبد المطلب فقال له: يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم ثم سألوك لأنفسهم أموراً ليعرفوا بها منزلتك من الله كما تقول ويصدقوك ويتبعوك فلم تفعل ثم سألوك أن تأخذ لنفسك ما يعرفون به فضلك عليهم ومنزلتك من الله فلم تفعل ثم سألوك أن تعجل لهم بعض ما تخوفهم به من العذاب فلم تفعل أو كما قال له فوالله لا أومن بك أبداً حتى تتخذ إلى السماء سلماً ثم ترقى فيه وأنا أنظر إليك حتى تأتيها ثم تأتي معك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول وأيم الله لو فعلت ذلك ما ظننت أني أصدقك ثم انصرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حزيناً آسفاً لما فاته مما كان يطمع به من قومه حين دعوه ولما رأى من مباعدتهم إياه.

ما توعد به أبو جهل رسول الله صلى الله عليه وسلم
فلما قام عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو جهل يا معشر قريش إن محمداً قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا وشتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وشتم آلهتنا وإني أعاهد الله لأجلسن له غداً بحجر ما أطيق حمله أو كما قال فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه فأسلموني عند ذلك أو امنعوني فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم قالوا: والله لا نسلمك لشيء أبداً فامض لما تريد.
فلما أصبح أبو جهل أخذ حجراً كما وصف ثم جلس لرسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظره وغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان يغدو وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة وقبلته إلى الشام فكان إذا صلى صلى بين الركن اليماني والحجر الأسود. وجعل الكعبة بينه وبين الشام فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وقد غدت قريش فجلسوا في أنديتهم ينتظرون ما أبو جهل فاعل فلما سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم احتمل أبو جهل الحجر ثم أقبل نحوه حتى إذا دنا منه رجع منهزماً منتقعاً لونه مرعوباً قد يبست يداه على حجره حتى قذف الحجر من يده وقامت إليه رجال قريش فقالوا له ما لك يا أبا الحكم قال: قمت إليه لأفعل به ما قلت لكم البارحة فلما دنوت منه عرض لي دونه فحل من الإبل لا والله ما رأيت مثل هامته ولا مثل قصرته ولا أنيابه لفحل قط فهم بي أن يأكلني.
قال بن إسحاق: فذكر لي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ذلك جبريل عليه السلام لو دنا لأخذه.
فلما قال لهم ذلك أبو جهل قام النصر بن الحارث بن كلده بن علقمة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي. فقال: يا معشر قريش إنه والله قد نزل بكم أمر ما أتيتم له بحيلة بعد قد كان محمد فيكم غلاماً حدثاً أرضاكم فيكم وأصدقكم حديثاً وأعظمكم أمانة حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب وجاءكم بما جاءكم به قلتم ساحر لا والله ما هو بساحر لقد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم وقلتم كاهن لا والله ما هو بكاهن قد رأينا الكهنة وتخالجهم وسمعنا سجعهم وقلتم شاعر لا والله ما هو بشاعر قد رأينا الشعر وسمعنا أصنافه كلها هزجه ورجزه وقلتم مجنون لا والله ما هو بمجنون لقد رأينا الجنون فما هو بخنقه ولا وسوسته ولا تخليطه يا معشر قريش فانظروا في شأنكم فإنه والله لقد نزل بكم أمر عظيم.
وكان النضر بن الحارث من شياطين قريش وممن كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وينصب له العداوة وكان قد قدم الحيرة وتعلم بها أحاديث ملوك الفرس وأحاديث رستم واسبنديار فكان إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلساً فذكر فيه بالله وحذر قومه ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقمة الله خلفه في مجلسه إذا قام ثم قال: أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثاً منه فهلم إلي فأنا أحدثكم أحسن من حديثه ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم واسبنديار ثم يقول: بماذا محمد أحسن حديثاً مني.
قال بن هشام: وهو الذي قال فيما بلغني: سأنزل مثل ما أنزل الله.
قال بن إسحاق: وكان بن عباس رضي الله عنهما يقول فيما بلغني: نزل فيه ثمان آيات من القرآن قول الله عز وجل (إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين). وكل ما ذكر فيه من الأساطير من القرآن.
فلما قال لهم ذلك النضر بن الحارث بعثوه وبعثوا معه عقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة وقالوا: لهما سلاهم عن محمد وصفا لهم صفته وأخبراهم بقوله فإنهم أهل الكتاب الأول وعندهم علم ليس عندنا من علم الأنبياء فخرجا حتى قدما المدينة فسألا أحبار يهود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصفا لهم أمره وأخبراهم ببعض قوله وقالا لهم: إنكم أهل التوراة وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا فقالت لهما أحبار يهود سلوه عن ثلاث نأمركم بهن فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل وإن لم يفعل فالرجل متقول فروا فيه رأيكم سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان أمرهم فإنه قد كان لهم حديث عجب وسلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه وسلوه ما هي فإذا أخبركم بذلك فاتبعوه فإنه نبي وإن لم يفعل فهو رجل متقول فاصنعوا في أمره ما بدا لكم. فأقبل النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي حتى قدما مكة على قريش فقالا: يا معشر قريش قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد قد أخبرنا أحبار يهود أن نسأله عن أشياء أمرونا بها فإن أخبركم عنها فهو نبي وإن لم يفعل فالرجل متقول فروا فيه رأيكم.

مختصر: تهذيب سيرة ابن هشام لعبد السلام هارون