بّسم الله الرّحمن الرّحيم
السيرة النبوية المطهرة
أصحاب الكهف والطواف والروح والجهر بالقرآن

قريش تسأل والرسول صلى الله عليه وسلم يجيب
فجاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد أخبرنا عن فتية ذهبوا في الدهر الأول قد كانت لهم قصة عجب وعن رجل كان طوافاً قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها وأخبرنا عن الروح ما هي قال: فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أخبركم بما سألتم عنه غداً " ولم يستثن فانصرفوا عنه. فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يذكرون خمس عشرة ليلة لا يحدث الله إليه في ذلك وحياً ولا يأتيه جبريل حتى أرجف أهل مكة وقالوا: وعدنا محمداً غداً واليوم خمس عشرة ليلة قد أصبحنا منها لا يخبرنا بشيء مما سألناه عنه وحتى أحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث الوحي عنه وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة ثم جاءه جبريل من الله عز وجل بسورة أصحاب الكهف فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية والرجل الطواف والروح.
ما أنزل الله في قريش حين سألوا الرسول فغاب عنه الوحي مدة
قال بن إسحاق: فذكر لي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجبريل حين جاءه لقد احتبست عني يا جبريل حتى سؤت ظناً فقال له جبريل: (وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدنا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسياً). فافتتح السورة تبارك وتعالى بحمده وذكر نبوة رسوله لما أنكروه عليه من ذلك فقال: (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب) يعنى محمداً صلى الله عليه وسلم إنك رسول مني أي تحقيق لما سألوه عنه من نبوتك. (ولم يجعل له عوجاً قيماً). أي معتدلاً لا اختلاف فيه (لينذر بأساً شديداً من لدنه). أي عاجل عقوبته في الدنيا وعذاباً أليماً في الآخرة: أي من عند ربك الذي بعث رسولا. (ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً ماكثين فيه أبداً). أي دار الخلد لا يموتون فيها، الذين صدقوك بما جئت به مما كذبك به غيرهم وعملوا بما أمرتهم به من الأعمال. (وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً). يعني قريشاً في قولهم: إنا نعبد الملائكة وهي بنات الله (ما لهم به من علم ولا لآبائهم) الذين أعظموا فراقهم وعيب دينهم، (كبرت كلمة تخرج من أفواههم) أي لقولهم إن الملائكة بنات الله. (إن يقولون إلا كذباً فلعلك باخع نفسك). يا محمد (على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً). أي لحزنه عليهم حين فاته ما كان يرجو منهم: أي لا تفعل. قال بن هشام: باخع نفسك أي مهلك نفسك،وجمعه باخعون وبخعة، وتقول العرب: قد بخعت له نصحي ونفسي أي جهدت له،
(إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً). قال بن إسحاق: أي أيهم أتبع لأمري وأعمل بطاعتي (وإنا لجاعلون ما عليها صعيداً جرزاً). أي الأرض وإن ما عليها لفان وزائل وإن المرجع إلي فأجزي كلاً بعمله فلا تأس ولا يحزنك ما تسمع وترى فيها. قال بن هشام: الصعيد: الأرض وجمعه: صعد. والصعيد أيضاً الطريق وقد جاء في الحديث: " إياكم والقعود على الصعدات " يريد الطرق والجرز: الأرض التي لا تنبت شيئاً وجمعها أجراز ويقال: سنة جرز وسنون أجراز وهي التي لا يكون فيها مطر وتكون فيها جدوبة ويبس وشدة.
ما أنزله الله في قصة أصحاب الكهف
قال بن إسحاق: ثم استقبل قصة الخبر فيما سألوه عنه من شأن الفتية، فقال: (أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً). أي قد كان من آياتي فيما وضعت على العباد من حججي ما هو أعجب من ذلك.
قال بن هشام والرقيم الكتاب الذي رقم فيه بخبرهم وجمعه رقم قال العجاج: ومستقر المصحف المرقم.
قال بن إسحاق: ثم قال تعالى (إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيىء لنا من أمرنا رشداً فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عدداً ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا ) ثم قال تعالى (نحن نقص عليك نبأهم بالحق) أي بصدق الخبر عنهم (إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا). أي لم يشركوا بي كما أشركتم بي ما ليس لكم به علم. قال بن هشام والشطط الغلو ومجاوزة الحق،
(هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين). قال بن إسحاق: أي بحجة بالغة.
(فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقاً وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه). قال بن هشام تزاور تميل وهو من الزور،
(تقرضهم ذات الشمال) تجاوزهم وتتركهم عن شمالها،
(ذلك من آيات الله) أي في الحجة على من عرف ذلك من أمورهم من أهل الكتاب ممن أمر هؤلاء بمسألتك عنهم في صدق نبوتك بتحقيق الخبر عنهم،
(من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وتحسبهم ايقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد). قال بن هشام الوصيد الباب، والوصيد أيضاً الفناء وجمعه وصائد ووصد ووصدان وأصد وأصدان.
(لو أطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ولملئت منهم رعباً). أإلى قوله تعالى (قال اللذين غلبوا على أمرهم) أهل السلطان والملك منهم، (لنتخذن عليهم مسجداً، سيقولون). يعني أحبار يهود الذين أمروهم بالمسألة عنهم، (ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب). أي لا علم لهم (ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهراً). أي لا تكابرهم (ولا تستفت فيهم منهم أحداً). فإنهم لا علم لهم بهم. (ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله وأذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشداً). أي ولا تقولن لشيء سألوك عنه كما قلت في هذا إني مخبركم غداً واستثن مشيئة الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لخير مما سألتموني عنه رشداً فإنك لا تدري ما أنا صانع في ذلك،
(ولبثوا في كهفهم ثلاث مئة سنين وازدادوا تسعاً). أي سيقولون ذلك (قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السموات والأرض أبصر به وأسمع ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحداً). أي لم يخف عليه شيء مما سألوك عنه.
وقال فيما سألوه عنه من أمر الرجل الطواف (ويسئلونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكراً إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سبباً). حتى انتهى إلى آخر قصة خبره.
O وكان من خبر ذي القرنين أنه أوتى ما لم يؤت أحد غيره فمدت له الأسباب حتى انتهى من البلاد إلى مشارق الأرض ومغاربها لا يطأ أرضاًإلا سلط على أهلها حتى انتهى من المشرق والمغرب إلى ما ليس وراءه شيء من الخلق.
قال بن إسحاق: فحدثني من يسوق الأحاديث عن الأعاجم فيما توارثوا من علمه أن ذا القرنين كان رجلا من أهل مصر اسمه مرزبان بن مرذبة اليوناني من ولد يونان بن يافث بن نوح.
قال بن هشام واسمه الإسكندر وهو الذي بني الإسكندرية فنسبت إليه.
قال بن إسحاق: وقد حدثني ثور بن يزيد عن خالد بن معدان الكلاعي وكان رجلا قد أدرك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ذي القرنين فقال ملك مسح الأرض من تحتها بالأسباب.
وقال خالد سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلاً يقول يا ذا القرنين فقال عمر اللهم غفراً أما رضيتم أن تسموا بالأنبياء حتى تسميتم بالملائكة.
قال بن إسحاق: الله أعلم اي ذلك كان أقال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أم لا ،فإن كان قاله فالحق ما قال.
O وقال تعالى فيما سألوه عنه من الروح (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً)، قال بن إسحاق: وحدثت عن بن عباس أنه قال لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قالت أحبار يهود يا محمد أرأيت قولك (وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً). إيانا تريد أم قومك، قال: " كلا " قالوا: فإنك تتلو فيما جاءك أنا قد أوتينا التوراة فيها بيان كل شيء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنها في علم الله قليل وعندكم في ذلك ما يكفيكم لو اقمتموه " قال فأنزل الله تعالى عليه فيما سألوه عنه من ذلك (ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم). أي أن التوراة في هذا من علم الله قليل.
O قال وأنزل الله تعالى عليه فيما سأله قومه لأنفسهم من تسيير الجبال وتقطيع الأرض وبعث من مضى من آبائهم من الموتى (ولوأن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى) ، (بل لله الأمر جميعاً). أي لا أصنع من ذلك إلا ما شئت.
O وأنزل عليه في قولهم خذ لنفسك ما سألوه أن يأخذ لنفسه أن يجعل له جناناً وقصوراً وكنوزاً ويبعث معه ملكاً يصدقه بما يقول ويرد عنه: (وقالوا مال لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً أنظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلاً تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك). أي من أن تمشي في الأسواق وتلتمس المعاش (جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصوراً). وأنزل عليه في ذلك من قولهم (وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيراً). أي جعلت بعضكم لبعض بلاء لتصبروا ولو شئت أن أجعل الدنيا مع رسلي فلا يخالفوا لفعلت.
O وأنزل الله عليه فيما قال عبد الله بن أبي أمية، (وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيراً أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولاً). قال بن هشام الينبوع ما نبع من الماء من الأرض وغيرها وجمعه ينابيع والكسف القطع من العذاب وواحدته كسفه مثل سدرة وسدر وهي أيضاً وحدة الكسف والقيبل يكون مقابلة ومعاينة وهو كقوله تعالى (أو يأتيهم العذاب قبلاً). أي عيانا. يعني القابلة لأنها تقابلها وتقبل ولدها، ويقال القبيل جمعه قبل وهي الجماعات وفي كتاب الله تعالى (وحشرنا عليهم كل شيء قبلاً). فقبل جمع قبيل مثل سبل جمع سبيل وسرر جمع سرير قمص جمع قميص والقبيل أيضاً في مثل من الأمثال وهو قولهم ما يعرف قبيلا من دبير أي لا يعرف ما أقبل مما أدبر، ويقال إنما أريد بهذا القبيل الفتل فما فتل إلى الذارع فهو القبيل وما فتل إلى أطراف الأصابع فهو الدبير وهو من الإقبال والإدبار الذي ذكرت ويقال فتل المغزل فإذا فتل المغزل إلى الركبة فهو القبيل وإذا فتل إلى الورك فهو الدبير والقبيل أيضاً قوم الرجل والزخرف الذهب والمزخرف المزين بالذهب،
O قال بن إسحاق: وأنزل في قولهم إنا قد بلغنا أنك إنما يعلمك رجل باليمامة يقال له الرحمن ولن نؤمن به أبداً (كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب).
O وأنزل عليه فيما قال أبو جهل بن هشام وما هم به (أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى أرأيت إن كذب وتولى ألم يعلم بأن الله يرى كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية ناصية كاذبة خاطئة فليدع ناديه سندع الزبانية كلا لا تطعه واسجد واقترب). قال بن هشام لنسفعا لنجذبن ولنأخذن والنادي المجلس الذي يجتمع فيه القوم ويقضون فيه أمورهم وفي كتاب الله تعالى (وتأتون في ناديكم المنكر). وهو الندي ، وفي كتاب الله تعالى (وأحسن ندياً). وجمعه أندية فليدع أهل ناديه. كما قال تعالى (واسئل القرية) يريد أهل القرية، ويقال النادي الجلساء الزبانية الغلاظ الشداد وهم في هذا الموضع خزنة النار والزبانية أيضاً في الدنيا أعوان الرجل الذين يخدمونه ويعينونه والواحد زبنية،
O قال بن إسحاق: وأنزل الله تعالى عليه فيما عرضوا عليه من أموالهم (قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري الا على الله وهو على كل شيء شهيد).
استكبار قريش عن الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم
فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بما عرفوا من الحق وعرفوا صدقه فيما حدث وموقع نبوته فيما جاءهم به من علم الغيوب حين سألوه عما سألوه عنه حال الحسد منهم له بينهم وبين اتباعه وتصديقه فعتوا على الله وتركوا أمره عيانا ولجوا فيما هم عليه من الكفر فقال قائلهم (لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون). أي اجعلوه لغواً وباطلاً واتخذوه هزواً لعلكم تغلبونه بذلك فإنكم إن ناظرتموه أو خاصمتموه يوما غلبكم.
فقال أبو جهل يوما يهزأ برسول الله صلى الله عليه وسلم وما جاء من الحق يا معشر قريش يزعم محمد أنما جنود الله الذين يعذبونكم في النار يحبسونكم فيها تسعة عشر وأنتم أكثر الناس عدداً وكثرة أفيعجز كل مائة رجل منكم عن رجل منهم فأنزل الله تعالى عليه في ذلك من قوله (وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا). إلى آخر القصة فلما قال ذلك بعضهم لبعض جعلوا إذا جهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن وهو يصلي يتفرقون عنه ويأبون أن يستمعوا له فكان الرجل منهم إذا أراد أن يستمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض ما يتلو من القرآن وهو يصلي استرق السمع دونهم فرقا منهم فإن رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع منه ذهب خشية أذاهم فلم يستمع وإن خفض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صوته فظن الذي يستمع أنهم لا يستمعون شيئاً من قراءته وسمع هو شيئاً دونهم أصاخ له يستمع منه.
قال بن إسحاق: حدثني داود بن الحصين مولى عمر بن عثمان ان عكرمة مولى بن عباس حدثهم أن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما حدثهم إنما أنزلت هذه الآية (ولا تجهر بصلاتك وتخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلاً) من أجل أولئك النفر يقول لا تجهر بصلاتك فيتفرقوا عنك ولا تخافت بها فلا يسمعها من يحب أن يسمعها ممن يسترق ذلك دونهم لعله يرعوي إلى بعض ما يسمع فينتفع به.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
الجهر بالقرآن
وعدوان المشركين على المستضعفين ممن أسلم

أول من جهر بالقرآن
قال بن إسحاق: وحدثني يحيى بن عروة بن الزبير عن أبيه قال كان أول من جهر بالقرآن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: اجتمع يوما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: والله ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قط فمن رجل يسمعهموه، فقال عبد الله بن مسعود: أنا، قالوا: إنا نخشاهم عليك إنما نريد رجلاً له عشيرة يمنعونه من القوم إن أرادوه، قال: دعوني فإن الله سيمنعني، قال: فغداً بن مسعود حتى أتى المقام في الضحى وقريش في أنديتها حتى قام عند المقام ثم قرأ (بسم الله الرحمن الرحيم) رافعا بها صوته (الرحمن علم القرآن) قال: ثم استقبلها يقرؤها قال فتأملوه فجلعوا يقولون: ماذا قال بن أم عبد، قال: ثم قالوا: إنه ليتلو بعض ما جاء به محمد فقاموا إليه فجعلوا يضربون في وجهه وجعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ ثم انصرف إلى أصحابه وقد أثروا في وجهه، فقالوا له: هذا الذي خشينا عليك، فقال: ما كان أعداء الله أهون علي منهم الآن ولئن شئتم لأغادينهم بمثلها غدا،ً قالوا: لا حسبك قد أسمعتهم ما يكروهون.
استماع قريش إلى قراءة النبي صلى الله عليه وسلم
قال بن إسحاق: وحدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري أنه حدث أن أبا سفيان بن حرب وأبا جهل بن هشام والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي حليف بني زهرة خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي من الليل في بيته فأخذ كل رجل منهم مجلسا يستمع فيه وكل لا يعلم بمكان صاحبه فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق فتلاوموا وقال بعضهم لبعض لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئاً ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا اول مرة ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق فقال بعضهم لبعض لا نبرح حتى نتعاهد ألا نعود على ذلك ثم تفرقوا. فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته، فقال: أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد، فقال: يا أبا ثعلبة والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها، قال الأخنس: وأنا والذي حلفت به كذلك.
قال ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيته فقال: يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد فقال: ماذا سمعت، تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف أطعموا فأطعمنا وحملوا فحلمنا وأعطوا فأعطينا حتى إذا تجاذينا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا منا نبي يأتيه الوحي من السماء فمتى ندرك مثل هذه، والله لا نؤمن به أبداً ولا نصدقه، قال: فقام عنه الأخنس وتركه.
قال بن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تلا عليهم القرأن ودعاهم إلى الله قالوا يهزءون به (قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه) لا نفقه ما تقول (وفي آذاننا وقر) لا نسمع ما تقول (ومن بيننا وبينك حجاب) قد حال بيننا وبينك (فاعمل) بم أنت عليه (إننا عاملون) بما نحن عليه إنا لا نفقه عنك شيئا فأنزل الله تعالى عليه في ذلك من قولهم (وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستوراً) إلى قوله (وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفوراً). أي كيف فهموا توحيدك ربك إن كنت جعلت على قلوبهم أكنة هو في آذانهم وقراً وبينك وبينهم حجابا بزعمهم أي إني لم أفعل ذلك (نحن أعلم بما يستعمون إليك وإذ هم نجوى إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً) أي ذلك ما تواصوا به من ترك ما بعثك به إليهم (انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلاً). أي أخطئوا المثل الذي ضربوا لك فلا يصيبون به هدى ولا يعتدل لهم فيه قول (وقالوا أءذا كنا عظاماً ورفات أئنا لمبعثون خلقاً جديداً) أي قد جئت تخبرنا أنا سنبعث بعد موتنا إذا كنا عظاما ورفاتا وذلك ما لا يكون (قل كونوا حجارة أو حديداً أو خلقاً مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي خلقكم أول مرة). أي الذي خلقكم مما تعرفون فليس خلقكم من تراب بأعز من ذلك عليه .
قال بن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد عن بن عباس رضي الله عنهما قال سألته عن قول الله تعالى (أو خلقاً مما يكبر في صدوركم) ما الذي أراد به الله، فقال: الموت.
عدوان المشركين على المستضعفين ممن أسلم بالأذى والفتنة
قال بن إسحاق: ثم إنهم عدوا على من أسلم واتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش وبرمضاء مكة إذا اشتد الحر من استضعفوا منهم يفتنونهم عن دينهم فمنهم من يفتن من شدة البلاء الذي يصيبه ومنهم من يصلب لهم ويعصمه الله منهم.
وكان بلال مولى أبي بكر رضي الله عنهما لبعض بني جمح مولداً من مولديهم وهو بلال بن رباح وكان اسم أمه حمامة وكان صادق الإسلام طاهر القلب وكان أمية بن وهب بن حذافة بن جمح يخرجه إذا حميت الظهيرة في بطحاء مكة ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ثم يقول له لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى فيقول وهو في ذلك البلاء أحد أحد.
قال بن إسحاق: وحدثني هشام بن عروة عن أبيه قال كان ورقة بن نوفل يمر به وهو يعذب بذلك وهو يقول أحد أحد فيقول أحد أحد والله يا بلال ثم يقبل على أمية بن خلف ومن يصنع ذلك به من بني جمح فيقول أحلف بالله لئن قتلتموه على هذا لأتخذنه حنانا، حتى مر به أبو بكر الصديق بن أبي قحافة رضي الله عنه يوماً وهم يصنعون ذلك به وكانت دار أبي بكر في بني جمح فقال لأمية بن خلف: ألا تتقي الله في هذا المسكين حتى متى، قال: أنت الذي أفسدته فأنقذه مما ترى، فقال أبو بكر: أفعل، عندي غلام أسود أجلد منه وأقوى على دينك أعطيكه به، قال: قد قبلت، فقال: هولك، فأعطاه أبو بكر الصديق رضي الله عنه غلامه ذلك وأخذ بلال فأعتقه.
ثم أعتق معه على الإسلام قبل أن يهاجر إلى المدينة ست رقاب بلال سابعهم عامر بن فهيرة شهد بدراً واحداً وقتل يوم بئر معونة شهيدا وأم عبيس وزنيرة وأصيب بصرها حين أعتقها فقالت قريش ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى فقالت كذبوا وبيت الله ما تضر اللات والعزى وما تنفعان فرد الله بصرها.
وأعتق الهدية وبنتها وكانتا لامرأة من بني عبد الدار فمر بهما وقد بعثتهما سيدتهما بطحين لها وهي تقول والله لا أعتقهما أبداً فقال ابو بكر رضي الله عنه حل يا أم فلان فقالت حل أنت أفسدتهما فأعتقهما قال فبكم هما قال بكذا وكذا قال وقد أخذتهما وهما حرتان أرجعا إليها طحينها قالتا أو نفرغ منه يا أبا بكر ثم نرده إليها قال وذلك إن شئتما.
ومر بجارية بني مؤمل حي من بني كعب وكانت مسلمة وعمر بن الخطاب يعذبها لتترك الإسلام وهو يومئذ مشرك وهو يضربها حتى إذا مل قال إني أعتذر إليك إني لم أتركك إلا ملالة فتقول كذلك فعل الله بك فابتاعها أبو بكر فأعتقها .
قال بن إسحاق: وحدثني محمد بن عبد المطلب بن أبي عتيق عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن بعض أهله قال: قال ابو قحافة لأبي بكر يا بني إني أراك تعتق رقاباً ضعافاً فلو أنك إذا ما فعلت أعتقت رجالاً جلداً يمنعونك ويقومون دونك فقال أبو بكر رضي الله عنه يا أبت إني إنما أريد ما أريد لله عز وجل. قال فيتحدث أنه ما نزل هؤلاء الآيات إلا فيه وفيما قال له أبوه (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى) إلى قوله تعالى (وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى).
قال بن إسحاق: وكانت بنو مخزوم يخرجون بعمار بن ياسر وبأبيه وأمه وكانوا أهل بيت إسلام إذا حميت الظهيرة يعذبونهم برمضاء مكة فيمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: فيما بلغني " صبرا آل ياسر موعدكم الجنة "، فأما أمه فقتلوها وهي تأبى إلا الإسلام .
وكان أبو جهل الفاسق الذي يغري بهم في رجال من قريش إذا سمع بالرجل قد أسلم له شرف ومنعة أنبه وأخزاه وقال تركت دين أبيك وهو خير منك لنسفهن حلمك ولنفيلن رأيك ولنضعن شرفك وإن كان تاجراً قال والله لنكسدن تجارتك ولنهلكن مالك وإن كان ضعيفاً ضربه وأغرى به. قال بن إسحاق: وحدثني حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير قال قلت لعبد الله بن عباس أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم قال نعم والله إن كانوا ليضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه حتى ما يقدر أن يستوي جالساً من شدة الضر الذي نزل به حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة حتى يقولوا له آللات والعزى إلهك من دون الله فيقول نعم حتى إن الجعل ليمر بهم فيقولون له اهذا الجعل إلهك من دون الله فيقول نعم افتداء منهم مما يبلغون من جهده.
قال بن إسحاق: وحدثني الزبير بن عكاشة أبي أحمد أنه حدث أن رجالاً من بني مخزوم مشوا إلى هشام بن الوليد حين أسلم أخوه الوليد بن الوليد وكانوا قد أجمعوا على أن يأخذوا فتية منهم كانوا قد أسلموا منهم سلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة، قال: فقالوا له وخشوا شرهم إنا قد أردنا أن نعاتب هؤلاء الفتية على هذا الدين الذي أحدثوا فإنا نأمن بذلك في غيرهم قال هذا فعليكم به فعاتبوه وإياكم ونفسه وأنشأ يقول:
ألا لا يقتلن أخي عييس * فيبقى بيننا أبداً تـلاحـي
احذروا على نفسه، فأقسم بالله لأن قتلتموه لأقتلن أشرفكم رجلاً، قال: فقالوا اللهم العنه، من يغرر بهذا الخبيث، فوالله لو أصيب في أيدينا لقتل أشرفنا رجلاً، قال: فتركوه ونزعوا عنه، قال: وكان ذلك مما دفع الله به عنهم.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
الهجرة الأولى إلى أرض الحبشة

قال بن إسحاق: فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء وما هو فيه من العافية بمكانه من الله ومن عمه أبي طالب وأنه لا يقدر أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء قال لهم لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة وفراراً إلى الله بدينهم فكانت أول هجرة كانت في الإسلام.
وكان أول من خرج من المسلمين من بني أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر، عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية معه امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بني عبد شمس بن عبد مناف أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس معه امرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو أحد بني عامر بن لؤي ولدت له بأرض الحبشة محمد بن أبي حذيفة ومن بني أسد بن عبد العزى بن قصي الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد ومن بني عبد الدار بن قصي مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار ومن بني زهرة بن كلاب عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة ومن بني مخزوم بن يقظة بن مرة أبو سلمة بن عبد السد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ومعه أمرأته أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ومن بني جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح ومن بني عدي بن كعب عامر بن ربيعة حليف آل الخطاب من عنز بن وائل معه امرأته ليلى بنت ابي حثمة بن حذافة بن غانم بن عامر بن عبد الله بن عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب ومن بني عامر بن لؤي ابو سبرة بن أبي رهم بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر ويقال بل ابو حاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر ويقال هو أول من قدمها ومن بني الحارث بن فهر سهيل بن بيضاء سهيل بن وهب بن ربيعة بن هلال بن أهيب بن ضبه بن الحارث فكان هؤلاء العشرة أول من خرج من المسلمين إلى أرض الحبشة فيما بلغني.
قال بن هشام وكان عليهم عثمان بن مظعون فيما ذكر لي بعض أهل العلم،
قال بن إسحاق: ثم خرج جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وتتابع المسلمون حتى اجتمعوا بأرض الحبشة فكانوا بها منهم من خرج بأهله معه ومنهم من خرج بنفسه لا أهل له معه. فكان جميع من لحق بأرض الحبشة وهاجر إليها من المسلمين سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم معهم صغاراً وولدوا بها ثلاثة وثمانين رجلاً إن كان عمار بن ياسر فيهم وهو يشك فيه.
إرسال قريش إلى الحبشة في طلب المهاجرين إليها
قال بن إسحاق فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمنوا واطمأنوا بأرض الحبشة وأنهم قد أصابوا بها دارا وقرارا ائتمروا بينهم أن يبعثوا فيهم منهم رجلين من قريش جلدين إلى النجاشي فيردهم عليهم ليفتنوهم في دينهم ويخرجوهم من دارهم التي اطمأنوا بها وأمنوا فيها فبعثوا عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص بن وائل وجمعوا لهما هدايا للنجاشي ولبطارقته ثم بعثوهما إليه فيهم.
فقال أبو طالب حين رأى ذلك من رأيهم وما بعثوهما فيه أبياتا للنجاشي يحضه على حسن جوارهم والدفع عنهم:
ألاليت شعري كيف في النأي جعفر * وعمرو وأعداء العدو الأقارب
وهل نالت أفعال النجاشي جعفراً * وأصحابه أو عاق ذلك شاغب
تعلم أبيت اللعن أنك ماجد * كريم فلا يشقى لديك المجانب
تعلم بأن الله زادك بسطة * وأسباب خير كلها بك لازب
وأنك فيض ذو سجال غزيرة * ينال الأعادي نفعها والأقارب
حديث أم سلمة عن رسولي قريش مع للنجاشي
قال بن إسحاق حدثني محمد بن مسلم الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي عن أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت:
لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي أمنا على ديننا وعبدنا الله تعالى لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين منهم جلدين وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستظرف من متاع مكة وكان من أعجب ما يأتيه منها الآدم فجمعوا له أدما كثيرا ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا له هدية ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص وأمروهما بأمرهم وقالوا لهما أدفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلما النجاشي فيهم ثم قدما إلى النجاشي هداياه ثم سلاه أن يسلمهم إليكما قبل أن يكلمهم قالت فخرجا حتى قدما على النجاشي ونحن عنده بخير دار عند خير جار فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي وقالا لكل بطريق منهم أنه قد ضوى إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلو في دينكم وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردهم إليهم فإذا كلمنا الملك فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم فإن قومهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم فقالوا لهما نعم ثم إنهما قدما هداياهما إلى النجاشي فقبلها منهما ثم كلماه فقالا له أيها الملك إنه قد ضوى إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك وجاءوا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم لتردهم إليهم فهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه قالت ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع كلامهم النجاشي قال فقالت بطارقته حوله صدقاً أيها الملك قومهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم فأسلمهم إليهما فليرداهم إلى بلادهم وقومهم قالت فغضب النجاشي ثم قال لاها الله إذن لا أسلمهم إليهما ولا يكاد قوم جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذان في أمرهم فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني.
قالت: ثم أرسل إلى اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم فلما جاءهم رسوله اجتمعوا قال بعضهم لبعض ما تقولون للرجل إذا جئتموه قالوا نقول والله ما علمنا وما أمرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم كائنا في ذلك ما هو كائن فلما جاءوا وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله سألهم فقال لهم ما هذا الدين الذي قد فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا به في ديني ولا في دين أحد من هذه الملل قالت فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب رضوان الله عليه فقال له:
أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأت الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف فكنا على ذلك حتى بعت الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام قالت فعدد عليه أمور الإسلام - فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به من الله فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئا وحرمنا ما حرم علينا وأحللنا ما أحل لنا فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى وأن نستحل من الخبائث فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك قالت فقال له النجاشي هل معك مما جاء به عن الله من شيء قالت فقال له جعفر نعم فقال له النجاشي فاقرأه علي قالت فقرأ عليه صدرا من كهيعص قالت فبكى والله النجاشي حتى أخضلت لحيته وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم ثم قال لهم النجاشي إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة انطلقا فلا والله لا أسلمهم إليكما ولا يكادون.
قالت: فلما خرجا من عنده قال عمرو بن العاص والله لآتينه غداً عنهم بما استأصل به خضراءهم قال فقال له عبد الله بن أبي ربعية وكان أتقى الرجلين فينا لاتفعل فإن لهم أرحاماً وإن كانوا قد خالفونا قال والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد قال ثم غداً عليه من الغد فقال: أيها الملك إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولا عظيماً فأرسل إليهم فسلهم عما يقولون فيه،
قالت: فأرسل إليهم ليسألهم عنه. قالت ولم ينزل بنا مثلها قط فاجتمع القوم ثم قال بعضهم لبعض ماذا تقولون في عيسى بن مريم إذا سألكم عنه قالوا نقول والله ما قال الله وما جاءنا به نبينا كائنا في ذلك ما هو كائن،
قالت: فلما دخلوا عليه قال لهم ماذا تقولون في عيسى بن مريم، قالت: فقال جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاءنا به نبينا صلى الله عليه وسلم هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذارء البتول، قال: فضرب النجاشي بيده إلى الأرض فأخذ منها عوداً ثم قال: والله ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العود،
قالت: فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال فقال وإن نخرتم والله اذهبوا فأنتم شيوم بأرضي - والشيوم الآمنون - من سبكم غرم ثم قال من سبكم غرم ثم قال من سبكم غرم ما أحب أن لي دبراً من ذهب وأني آذيت رجلا منكم -
قال بن هشام ويقال دبراً من ذهب ويقال فأنتم سيوم والدبر بلسان الحبشة الجبل - ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لي بها فو الله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي فآخذ الرشوة فيه وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه قالت فخرجا من عنده مقبوحين مردوداً عليهما ما جاءا به وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار.
قالت: فو الله إنا لعلي ذلك إذا نزل به رجل من الحبشة ينازعه في ملكه، قالت: فو الله ما علمتنا حزنا جزنا قط كان أشد علينا من حزن حزناه عند ذلك تخوفاً أن يظهر ذلك الرجل على النجاشي فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف منه، قالت: وسار إليه النجاشي وبينهما عرض النيل، قالت: فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى وآله وسلم من رجل يخرج حتى يحضر وقيعة القوم ثم يأتنا بالخبر، قالت: فقال الزبير بن العوام أنا قالوا فأنت وكان من أحدث القوم سناً. قالت: فنفخوا له قربة فجعلها في صدره ثم سبح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التي بها ملتقى القوم ثم انطلق حتى حضرهم، قالت: فدعونا الله تعالى للنجاشي بالظهور على عدوه والتمكين له في بلاده . قالت: فو الله إنا لعلى ذلك متوقعون لما هو كائن إذ طلع الزبير وهو يسعى فلمع بثوبه وهو يقول ألا أبشروا فقد ظفر النجاشي وأهلك الله عدوه ومكن له في بلاده، قالت: فو الله ما علمتنا فرحنا فرحة قط مثلها، قالت: ورجع النجاشي وقد أهلك الله عدوه ومكن له في بلاده واستوسق عليه أمر الحبشة فكنا عنده في خير منزل حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة.

بّسم الله الرّحمن الرّحيم
قصة تملك النجاشي على الحبشة

قتل أبي النجاشي وتولية عمه
قال بن إسحاق قال الزهري فحدثت عروة بن الزبير حديث أبي بكر بن عبد الرحمن عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فقال هل تدري ما قوله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي فآخذ الرشوة فيه وما أطاع الناس في فأطيع الناس فيه قال قلت لا قال فإن عائشة أم المؤمنين حدثتني أن أباه كان ملك قومه ولم يكن له ولد إلا النجاشي وكان للنجاشي عم له من صلبه اثنا عشر رجلاً وكانوا أهل بيت مملكة الحبشة فقالت الحبشة بينها لو أنا قتلنا أبا النجاشي وملكنا أخاه فإنه لا ولد له غير هذا الغلام وإن لأخيه من صلبه اثني عشر رجلاً فتوارثوا ملكه من بعده بقيت الحبشة بعده دهراً فغدوا على أبي النجاشي فقتلوه وملكوا أخاه فمكثوا على ذلك حينا.
ونشأ النجاشي مع عمه وكان لبيبا حازماً من الرجال فغلب على أمر عمه ونزل منه بكل منزل فلما رأت الحبشة مكانه منه قالت بينها والله لقد غلب هذا الفتى على أمر عمه وإنا لنتخوف أن يملكه علينا وإن ملكه علينا ليقتلنا أجمعين لقد عرف أنا نحن قتلنا أباه فمشوا إلى عمه فقالوا إما أن تقتل هذا الفتى وإما أن تخرجه من بين أظهرنا فإنا قد خفناه على أنفسنا قال ويلكم قتلت أباه بالأمس وأقتله اليوم بل أخرجه من بلادكم قالت فخرجوا به إلى السوق فباعوه من رجل من التجار بست مئة درهم فقذفه في سفينة فانطلق به حتى إذا كان العشي من ذلك اليوم هاجت سحابة من سحائب الخريف فخرج عمه يستمطر تحتها فأصابته صاعقة فقتلته قالت ففزعت الحبشة إلى ولده فإذا هو محمق ليس في ولده خير فمرج على الحبشة أمرهم.
فلما ضاق عليهم ما هم فيه من ذلك قال بعضهم لبعض تعلموا والله أن ملككم الذي لا يقيم أمركم غيره للذي بعتم غدوة فإن كان لكم بأمر الحبشة حاجة فأدركوه الآن قالت فخرجوا في طلبه وطلب الرجل الذي باعوه منه حتى أدركوه فأخذوه منه ثم جاءوا به فعقدوا عليه التاج وأقعدوه على سرير الملك فملكوه.
فجاءهم التاجر الذي كانوا باعوه منه فقال إما أن تعطوني مالي وإما أن أكلمه في ذلك قالوا لا نعطيك شيئاً قال إذن والله أكلمه قالوا فدونك وإياه قالت فجاءه فجلس بين يديه فقال أيها الملك ابتعت غلاما من قوم بالسوق بست مئة درهم فأسلموا إلي غلامي غلامي وأخذوا دراهمي حتى إذا سرت بغلام أدركوني فأخذوا غلامي ومنعوني دراهمي قالت فقال لهم النجاشي لتعطنه دراهمه أو ليضعن غلامه يده في يده فليذهبن به حيث شاء قالوا بل نعطيه دراهمه قالت فلذلك يقول ما أخذ الله مني رشوة حين رد علي ملكي فآخذ الرشوة فيه وما أطاع الناس في فأطيع الناس فيه قالت وكان ذلك اول ما خبر من صلابته في دينه وعدله في حكمه.
قال بن إسحاق وحدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت لما مات النجاشي كان يتحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور.
خروج الحبشة على النجاشي
قال بن إسحاق وحدثني جعفر بن محمد عن أبيه قال اجتمعت الحبشة فقالوا للنجاشي إنك قد فارقت ديننا وخرجوا عليه فأرسل إلى جعفر وأصحابه فهيأ لهم سفناً وقال اركبوا فيها وكونوا كما أنتم فإذا هزمت فامضوا حتى تلحقوا بحيث شئتم وإن ظفرت فاثبتوا،
ثم عمد إلى كتاب فكتب فيه هو يشهد ان لا إله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله ويشهد أن عيسى بن مريم عبده ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم ثم جعله في قبائه عند المنكب الأيمن وخرج إلى الحبشة وصفوا له،
فقال: يا معشر الحبشة ألست أحق الناس بكم،
قالوا: بلى،
قال: فكيف رأيتم سيرتي فيكم،
قالوا: خير سيرة،
قال: فما لكم،
قالوا: فارقت ديننا وزعمت أن عيسى عبد،
قال: فما تقولون أنتم في عيسى،
قالوا: نقول هو بن الله،
فقال النجاشي ووضع يده على صدره على قبائه هو يشهد ان عيسى بن مريم لم يزد على هذا شيئاً وإنما يعني ما كتب فرضوا وانصرفوا عنه. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فلما مات النجاشي صلى عليه واسغفر له.

مختصر: تهذيب سيرة ابن هشام لعبد السلام هارون