بّسم الله الرّحمن الرّحيم
السيرة النبوية المطهرة
إسلام عمر وما لقي رسول الله من قومه

إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه
قال بن إسحاق ولما قدم عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة على قريش ولم يدركوا ما طلبوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وردهما النجاشي بما يكرهون وأسلم عمر بن الخطاب وكان رجلاً ذا شكيمة لا يرام ما وراء ظهره امتنع به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبحمزة حتى عازوا قريشاً وكان عبد الله بن مسعود يقول ما كنا نقدر على أن نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر فلما أسلم قاتل قريشاً حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه وإن كان إسلام عمر بعد خروج من خرج من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحبشة.
قال البكائي قال حدثني مسعر بن كدام عن سعد بن إبراهيم قال قال عبد الله بن مسعود إن إسلام عمر كان فتحا وإن هجرته كانت نصراً وإن إمارته كانت رحمة ولقد كنا ما نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر فلما أسلم قاتل قريشا حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه.
حديث أم عبد الله عن إسلام عمر
قال بن إسحاق حدثني عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عباس بن أبي ربيعة عن عبد العزيز بن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أمه أم عبد الله بنت أبي حثمة قالت: والله إنا لنترحل إلى أرض الحبشة وقد ذهب عامر في بعض حاجاتنا إذ أقبل عمر بن الخطاب حتى وقف علي وهو على شركه- قالت وكنا نلقى منه البلاء أذى لنا وشدة علينا- قالت فقال إنه للانطلاق يا أم عبد الله قالت فقلت نعم والله لنخرجن في أرض الله آذيتمونا وقهرتمونا حتى يجعل الله مخرجا قالت فقال صحبكم الله ورأيت له رقة لم اكن أراها ثم انصرف وقد أحزنه- فيما أرى- خروجنا. قالت فجاء عامر بحاجته تلك فقلت له يا أبا عبد الله لو رأيت عمر آنفاً ورقته وحزنه علينا قال أطمعت في إسلامه قالت قلت نعم قال فلا يسلم الذي رأيت حتى يسلم حمار الخطاب قالت يأسا منه لما كان يرى من غلظته وقسوته عن الإسلام.
حديث آخر عن إسلام عمر
قال بن إسحاق وكان اسلام عمر فيما بلغني أن أخته فاطمة بنت الخطاب وكانت عند سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وكانت قد أسلمت وأسلم بعلها سعيد بن زيد وهما مستخفيان بإسلامهما من عمر وكان نعيم بن عبد الله النحام من مكة رجل من قومه من بني عدي بن كعب قد أسلم وكان أيضاً يستخفي بإسلامه فرقاً من قومه وكان خباب بن الأرت يختلف إلى فاطمة بنت الخطاب يقرئها القرآن فخرج عمر يوماً متوشحاً سيفه يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورهطا من أصحابه قد ذكروا له أنهم قد اجتمعوا في بيت عند الصفا وهم قريب من أربعين ما بين رجال ونساء ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه حمزة بن عبد المطلب وأبو بكر بن أبي قحافة الصديق وعلي بن أبي طالب في رجال من المسلمين رضي الله عنهم ممن كان أقام من رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ولم يخرج فيمن خرج إلى أرض الحبشة فلقيه نعيم بن عبد الله فقال له أين تريد يا عمر فقال أريد محمداً هذا الصابئ والذي فرق أمر قريش وسفه أحلامها وعاب دينها وسب آلهتها فأقتله فقال له نعيم والله لقد غرتك نفسك من نفسك يا عمر أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمداً أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم قال وأي أهل بيتي قال ختنك وابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو وأختك فاطمة بنت الخطاب فقد والله أسلما وتابعا محمداً على دينه فعليك بهما قال فرجع عمر عامداً إلىأخته وختنه وعندهما خباب بن الأرت معه صحيفة فيها طه يقرئهما إياها فلما سمعوا حس عمر تغيب خباب في مخدع لهم أو في بعض البيت وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة فجعلتها تحت فخذها وقد سمع عمر حين دنا إلى البيت قراءة خباب عليهما فلما دخل قال ما هذه الهينمة التي سمعت قالا له ما سمعت شيئاً قال بلى والله لقد أخبرت أنكما تابعتما محمداً على دينه وبطش بختنه سعيد بن زيد فقامت إليه أخته فاطمة بنت الخطاب لتكفه عن زوجها فضربها فشجها فلما فعل ذلك قالت له أخته وختنه نعم لقد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله فاصنع ما بدا لك فلما رأى عمر ما بأخته من الدم ندم على ما صنع فارعوى وقال لأخته أعطيني هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرءون آنفا أنظر ما هذا الذي جاء به محمد وكان عمر كاتبا فلما قال ذلك قالت له أخته إنا نخشاك عليها قال لا تخافي وحلف لها بآلهته ليردنها إذا قرأها إليها فلما قال ذلك طمعت في إسلامه فقالت له يا أخي إنك نجس على شركك وإنه لا يمسها إلا الطاهر فقام عمر فاغتسل فأعطته الصحيفة وفيها طه فقرأها فلما قرأ منها صدراً قال ما أحسن هذا الكلام وأكرمه فلما سمع ذلك خباب خرج إليه فقال له يا عمر والله إني لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه فإني سمعته أمس وهو يقول اللهم أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطاب فالله الله يا عمر فقال له عند ذلك عمر فدلني يا خباب على محمد حتى آتيه فأسلم فقال له خباب هو في بيت عند الصفا معه فيه نفر من أصحابه فأخذ عمر سيفه فتوشحه ثم عمد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فضرب عليهم الباب فلما سمعوا صوته قام رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر من خلل الباب فرآه متوشحا السيف فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فزع فقال يا رسول الله هذا عمر بن الخطاب متوشحا السيف فقال حمزة بن عبد المطلب فأذن لهى فإن كان جاء يريد خيراً بذلناه له وإن كان جاء يريد شراً قتلناه بسيفه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أئذن له فأذن له الرجل ونهض إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لقيه في الحجرة فأخذ حجزته أو بمجمع ردائه ثم جبذه به جبذة شديدة وقال ما جاء بك يا بن الخطاب فو الله ما أرى أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة فقال عمر يا رسول الله جئتك لأومن بالله وبرسوله وبما جاء من عند الله قال فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبيرة عرف أهل البيت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عمر قد أسلم.
فتفرق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكانهم وقد عزوا في أنفسهم حين أسلم عمر مع إسلام حمزة وعرفوا أنهما سيمنعان رسول الله صلى الله عليه وسلم وينتصفون بهما من عدوهم فهذا حديث الرواة من أهل المدينة عن إسلام عمر بن الخطاب حين أسلم.
رواية عطاء ومجاهد عن إسلام عمر
قال بن إسحاق وحدثني عبد الله بن أبي نجيح المكي عن أصحابه عطاء ومجاهد أو عمن روى ذلك أن إسلام عمر فيما تحدثوا به عنه أنه كان يقول كنت للإسلام مباعداً وكنت صاحب خمر في الجاهلية أحبها وأسر بها وكان لنا مجلس يجتمع فيه رجال من قريش بالحزورة عند دور آل عمر بن عبد بن عمران المخزومي قال فخرجت ليلة أريد جلسائي أولئك في مجلسهم ذلك قال فجئتهم فلم أجد فيه منهم أحداً فقلت لو أني جئت فلانا الخمار وكان بمكة يبيع الخمر لعلي أجد عنده خمراً فأشرب منها قال فخرجت فجئته فلم أجده قال فقلت فلو أني جئت الكعبة فطفت بها سبعاً أو سبعين قال فجئت المسجد أريد أن أطوف بالكعبة فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي وكان إذا صلى استقبل الشام وجعل الكعبة بينه وبين الشام وكان مصلاه بين الركنين الركن الأسود والركن اليماني قال فقلت حين أتيته والله لو أني استمعت لمحمد الليلة حتى أسمع ما يقول فقلت لئن دنوت منه أستمع منه لأروعنه فجئت من قبل الحجر فدخلت تحت ثيابها فجعلت أمشي رويداً ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي يقرأ القرآن حتى قمت في قبلته مستقبله ما بيني وبينه إلا ثياب الكعبة قال فلما سمعت القرآن رق له قلبي فبكيت ودخلني الإسلام فلم أزل قائماً في مكاني ذلك حتى قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته ثم انصرف وكان إذا انصرف خرج على دار بن أبي حسين وكانت طريقه حتى يجزع المسعى ثم يسلك بين دار عباس بن عبد المطلب وبين دار بن أزهر بن عبد عوف الزهري ثم على دار الأخنس بن شريق حتى يدخل بيته وكان مسكنه صلى الله عليه وسلم في الدار الرقطاء التي كانت بيدي معاوية بن أبي سفيان قال عمر رضي الله عنه فتبعته حتى إذا دخل بين دار عباس ودار بن أزهر أدركته فلما سمع رسول اله صلى الله عليه وسلم حسي عرفني فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أني إنما تبعته لأوذيه فنهمني ثم قال ما جاء بك يا بن الخطاب هذه الساعة قال قلت لأومن بالله وبرسلوه وبما جاء به من عند الله قال فحمد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال قد هداك الله يا عمر ثم مسح صدري ودعا لي بالثبات ثم انصرفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته.
قال بن إسحاق والله أعلم أي ذلك كان.
قال بن إسحاق وحدثني نافع مولى عبد الله بن عمر عن بن عمر قال لما أسلم أبي عمر قال أي قريش أنقل للحديث فقيل له جميل بن معمر الجمحي قال فغدا عليه قال عبد الله بن عمر فغدوت أتبع أثره وأنظر ما يفعل وأنا غلام أعقل كل ما رأيت حتى جاءه فقال له أعلمت يا جميل أني قد أسلمت ودخلت في دين محمد قال فو الله ما راجعه حتى قام يجر رداءه واتبعه عمر واتبعت أبي حتى إذا قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته يا معشر قريش وهم في أنديتهم حول الكعبة ألا إن عمر بن الخطاب قد صبا قال يقول عمر من خلفه كذب ولكني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمداًعبده ورسوله وثاروا إليه فما برح يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على رءوسهم قال وطلح فقعد وقاموا على رأسه وهو يقول أفعلوا ما بدا لكم فأحلف بالله أن لو قد كنا ثلاثمائة رجل لقد تركناها لكم أوتركتموها لنا قال فبينما هم على ذلك إذا أقبل شيخ من قريش عليه حلة حبرة وقميص موشى حتى وقف عليهم فقال ما شأنكم? قالوا صبا عمر فقال فمه رجل اختار لنفسه أمراً فماذا تريدون أترون بني عدي بن كعب يسلمون لكم صاحبكم هكذا خلوا عن الرجل قال فو الله لكأنما كانوا ثوبا كشط عنه قال فقلت لأبي بعد أن هاجر إلى المدينة يا أبت من الرجل الذي زجر القوم عنك بمكة يوم أسلمت وهم يقاتلونك فقال ذاك أي بني العاص بن وائل السهمي.
قال بن هشام وحدثني بعض أهل العلم أنه قال يا أبت من الرجل الذي زجر القوم عنك بمكة يوم أسلمت وهم يقاتلونك جزاه الله خيراً قال يا ابني ذلك العاص بن وائل لا جزاه الله خيراً.
قال بن إسحاق وحدثني عبد الرحمن بن الحارث عن بعض آل عمر أو بعض أهله قال قال عمر لما أسلمت تلك الليلة تذكرت أي أهل مكة أشد لرسول الله صلى الله عليه وسلم عداوة حتى آتيه فأخبره أني قد أسلمت قال قلت -أبو جهل وكان عمر لحنتمة بنت هشام بن المغيرة- قال فأقبلت حين أصبحت حتى ضربت عليه بابه قال فخرج إلي أبو جهل فقال مرحباً وأهلاً بابن أختي ما جاء بك قلت جئت لأخبرك أني قد آمنت بالله وبرسوله ومحمد وصدقت بما جاء به قال فضرب الباب في وجهي وقال قبحك الله وقبح ما جئت به.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
ما لقي الرسول صلى الله عليه وسلم من قومه

خبر الصحيفة
قال بن إسحاق فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نزلوا بلداً أصابوا به أمنا وقراراً وأن النجاشي قد منع من لجأ إليه منهم وأن عمر قد أسلم فكان هو وحمزة بن عبد المطلب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وجعل الإسلام يفشوا في القبائل اجتمعوا وائتمروا بينهم أن يكتبوا كتاباً يتعاقدون فيه على بني المطلب على أن لا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم ولا يبيعوهم شيئاً ولا يبتاعوا منهم فلما اجتمعوا لذلك كتبوه في صحيفة ثم تعاهدوا وتواثقوا على ذلك ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدا على انفسهم وكان كاتب الصحيفة منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي - قال بن هشام ويقال النضر بن الحارث - فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فشل بعض أصابعه.
قال بن إسحاق فلما فعلت ذلك قريش انحازت بنو هاشم بنو المطلب إلى أبي طالب بن عبد المطلب فدخلوا معه في شعبه واجتمعوا إليه وخرج من بني هاشم أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب إلى قريش فظاهرهم.
تهكم أبي لهب بالرسول وما نزل فيه
قال بن إسحاق وحدثني حسين بن عبد الله أن أبا لهب لقي هند بنت عتبة بن ربيعة حين فارق قومه وظاهر عليهم قريشا فقال يا بنت عتبة هل نصرت اللات والعزى وفارقت من فارقهما وظاهر عليهما قالت نعم فجزاك الله خيرا يا أبا عتبة.
قال بن إسحاق وحدثت أنه كان يقول بعض ما يقول يعدني محمد أشياء لا أراها يزعم أنها كائنة بعد الموت فماذا وضع في يدي بعد ذلك ثم ينفخ في يديه ويقول تبا لكما ما أرى فيكما شيئاً مما يقول محمد فأنزل الله تعالى فيه ( تبت يدا أبي لهب وتب ).
قال بن هشام وتبت خسرت والتباب الخسران قال حبيب بن خدرة الخارجي أحد بني هلال بن عامر بن صعصعة
يا طيب إنا في معشر ذهبت * مسعاتهم فـي التبار والتبب
وهذا البيت في قصيدة له.
فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثا حتى جهدوا لا يصل إليهم شيء إلا سراً مستخفياً به من أراد صلتهم من قريش.
تعرض أبو جهل لحكيم بن حزام
وقد كان أبو جهل بن هشام- فيما يذكرون -لقي حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد معه غلام يحمل قمحا يريد به عمته خديجة بنت خويلد وهي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه في الشعب فتعلق به وقال أتذهب الطعام إلى بني هاشم والله لا تبرح أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة فجاءه أبو البختري بن هشام بن الحارث بن أسد فقال مالك وله فقال يحمل الطعام إلى بني هاشم فقال له أبو البختري طعام كان لعمته عنده بعثت إليه فيه أفتمنعه أن يأتيها بطعامها خل سبيل الرجل فأبى أبو جهل حتى نال أحدهما من صاحبه فأخذ له أبو البختري لحي بعير فضربه به فشجه ووطئه وطأ شديداً وحمزة بن عبد المطلب قريب يرى ذلك وهم يكرهون أن يبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيشمتوا بهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك يدعو قومه ليلاً ونهاراً سراً وجهاراً منادياً بأمر الله لا يتقي فيه أحداً من الناس.
ما أنزل من القرآن في أبي لهب
فجعلت قريش حين منعه الله منها وقام عمه وقومه من بني هاشم وبن المطلب دونه وحالوا بينهم وبين ما أراداو من البطش به يهمزونه ويستهزئون به ويخاصمونه وجعل القرآن ينزل في قريش بأحداثهم وفيمن نصب لعداوته منهم ومنهم من سمى لنا ومنهم من نزل فيه القرآن في عامة من ذكر الله من الكفار فكان ممن سمي لنا من قريش ممن نزل فيه القرآن عمه أبو لهب بن عبد المطلب وامرأته أم جميل بنت حرب بن أمية حمالة الحطب وإنما سماها الله تعلى حمالة الحطب لأنها كانت - فيما بلغني - تحمل الشوك فتطرحه على طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث تمر فأنزل الله تعالى فيهما: ( تبت يدا أبي لهب وتب ماأغنى عنه ماله وما كسب سيصلى ناراً ذات لهب وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد ).
قال بن هشام الجيد العنق قال أعشى بني قيس بن ثعلبة"
يوم تبدي لنا قتيلة عن جيد * أسيل تزينه الأطواق
وهذا البيت في قصيدة له وجمعه أجياد والمسد شجر يدق كما يدق الكتاب فتفتل منه حبال قال النابغة الذبياني واسمه زياد بن عمرو بن معاوية:
مقذوفة بدخيس النحـض بازلها * له صريف صريف القعو بالمسد
وهذا البيت في قصيدة له. وواحدته: مسدة.
أم جميل ورد الله كيدها عن الرسول صلى الله عليه وسلم
قال بن إسحاق فذكر لي أن أم جميل حمالة الحطب حين سمعت ما نزل فيها وفي زوجها من القرآن أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد عند الكعبة ومعه أبو بكر الصديق وفي يدها فهر من حجارة فلما وقفت عليهما أخذ الله ببصرها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ترى إلا أبا بكر فقالت يا أبا بكر أين صاحبك فقد بلغني أنه يهجوني والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه أما والله إني لشاعرة ثم قالت:
مذمما عصينا * وأمـــره أبـــينـــا
ودينـه قـلـينــا
ثم انصرفت فقال أبو بكر: يا رسول الله أما تراها رأتك، فقال: ما رأتني لقد أخذ الله ببصرها عني.
قال بن هشام: قولها ودينه قلينا عن غير بن إسحاق .
قال بن إسحاق: وكانت قريش إنما تسمي رسول الله صلى الله عليه وسلم مذمما ثم يسبونه فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ألا تعجبون لما صرف الله عني أذى قريش يسبون مذمما وأنا محمد.
ذكرى ما كان يؤذي به أمية بن خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم
وأمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح كان إذا رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم همزة ولمزة فأنزل الله تعالى فيه: ( ويل لك همزة لمزة الذي جمع مالاً وعدده يحسب أن ماله أخلده كلا لينبذن في الحطمة وما أدراك ما الحطمة نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة إنها عليهم مؤصدة في عمد ممددة ).
قال بن هشام: الهمزة الذي يشتم الرجل علانية ويكسر عينيه عليه ويغمز به قال حسان بن ثابت:
همزتك فاختضعت لذل نفس * بقافية تأجج كالشواظ
وهذا البيت في قصيدة له وجمعه همزات واللمزة: الذي يعيب الناس سراً ويؤذيهم قال رؤبة بن العجاج:
في ظل عصري باطلي ولمزي
وهذا البيت في أرجوزة له وجمعه لمزات.
ما كان يؤذي به العاص الرسول صلى الله عليه وسلم وما نزل فيه
قال بن إسحاق: والعاص بن وائل السهمي كان خباب بن الأرت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قينا بمكة يعمل السيوف وكان قد باع من العاص بن وائل سيوفاً عملها له حتى كان له مال فجاءه يتقاضاه فقال له يا خباب أليس يزعم محمد صاحبكم هذا الذي أنت على دينه أن في الجنة ما ابتغى أهلها من ذهب أو فضة أو ثياب أو خدم قال خباب بلى قال فأنظرني إلى يوم القيامة يا خباب حتى أرجع إلى تلك الدار فأقضيك هناك حقك فو الله لا تكون أنت وأصحابك يا خباب آثر عند الله مني ولا أعظم حظاً في ذلك فأنزل الله تعالى فيه: ( أفرأيت الذي كفر بأياتنا وقال لأوتين مالا وولدا أطلع الغيب ). إلى قوله تعالى: ( ونرثه ما يقول ويأتينا فرداً ).
إيذاء أبي جهل رسول الله صلى الله عليه وسلم
ولقى أبو جهل بن هشام رسول الله صلى الله عليه وسلم -فيما بلغني فقال -له والله يا محمد لتتركن سب آلهتنا أو لنسبن إلهك الذي تعبد فأنزل الله تعالى فيه: ( ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم ). فذكر لي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كف عن سب آلهتهم وجعل يدعوهم إلى الله.
ما كان يؤذي النضر رسول الله صلى الله عليه وسلم
والنضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي كان إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلساً فدعا فيه إلى الله تعالى وتلا فيه القرآن وحذرفيه قريشا ما أصاب الأمم الخالية خلفه في مجلسه إذا قام فحدثهم عن رستم السنديد وعن أسفنديار وملوك فارس ثم يقول والله ما محمد بأحسن حديثا مني وما حديثه إلا أساطير الأولين أكتتبها كما اكتتبتها فأنزل الله فيه: ( وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً قل أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض إنه كان غفوراً رحيماً ). ونزل فيه ( إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين ). ونزل فيه ( ويل لكل أفاك أثيم يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبراً كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم ).
قال بن هشام الأفاك الكذاب وفي كتاب الله تعالى: ( ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون ).
وقال رؤبة:
ما لامرىء أفك قولا إفكا
وها البيت في أرجوزة له.
قال بن إسحاق: وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً- فيما بلغني -مع الوليد بن المغيرة في المسجد فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهم في المجلس وفي المجلس غير واحد من رجال قريش فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض له النضر بن الحارث فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أفحمه ثم تلا عليه وعليهم ( إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون ).
قال بن هشام حصب جهنم كل ما أوقدت به قال أبو ذؤيب الهذلي واسمه خويلد بن خالد:
فأطفىء ولا توقد ولا تك محضأ * لنار العـداة أن تطير شكاتها
وهذا البيت في أبيات له ويروى ولا تك محضأ قال الشاعر:
حضأت له ناري فأبصر ضوءها * وما كان لولا حضأة النار يهتـدي
قال بن إسحاق: ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل عبد الله بن الزبعري السهمي حتى جلس فقال الوليد بن المغيرة لعبد الله بن الزبعري والله ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب آنفا وما قعد وقد زعم محمد أنا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم فقال عبد الله بن الزبعري أما والله لو وجدته لخصمته فسلوا محمداً أكل ما يعبد من دون الله في جهنم مع من عبده فنحن نعبد الملائكة واليهود تعبد عزيراً والنصارى تعبد عيسى بن مريم عليهما السلام فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول عبد الله بن الزبعرى ورأوا أنه قد احتج وخاصم فذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم من قول بن الزبعرى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده إنهم إنما يعبدون الشياطين ومن أمرتهم بعبادته فأنزل الله تعالى عليه في ذلك ( إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون ) أي عيسى بن مريم وعزيراً ومن عبدوا من الأحبار والرهبان الذي مضوا على طاعة الله فاتخذهم من يعبدهم من أهل الضلالة أربابا من دون الله .
ونزل فيما يذكرون أنهم يعبدون الملائكة وأنها بنات الله ( وقالوا اتخذ الرحمن ولداً سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ) إلى قوله ( ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك تجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين ).
ونزل فيما ذكروا من أمر عيسى بن مريم أنه يعبد من دون الله وعجب الوليد ومن حضره من حجته وخصومته ( ولما ضرب بن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون ) أي يصدون عن أمرك بذلك من قولهم ثم ذكر عيسى بن مريم فقال ( إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعون هذا صراط مستقيم ). أي ما وضعت على يديه من الآيات من إحياء الموتى وإبراء الأسقام فكفى به دليلاً على علم الساعة يقول ( فلا تمترن بها واتبعون هذا صراط مستقيم ).
الأخنس بن شريق وما أنزل الله فيه
قال بن إسحاق: والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي حليف بني زهرة وكان من أشراف القوم وممن يستمع منه فكان يصيب من رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرد عليه فأنزل الله تعالى ( ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم ) إلى قوله تعالى ( زنيم ) ولم يقل زنيم لعيب في نسبه لأن الله لا يعيب أحداً بنسب ولكنه حقق بذلك نعته ليعرف والزنيم العديد للقوم وقد قال الخطيم التميمي في الجاهلية:
زنيم تداعاه الرجال زيادة * كما زيد في عرض الأديم الأكارع
الوليد بن المغيرة قال أينزل على محمد وأترك وأنا كبير قريش وسيدها ويترك أبو مسعود عمرو بن عمير الثقفي سيد ثقيف ونحن عظيما القريتين فأنزل الله تعالى فيه فيما بلغني ( وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتن عظيم ) إلى قوله تعالى ( مما يجمعون ).
أبي بن خلف وعقبة بن أبي معيط وما أنزل فيهما
وأبي بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح وعقبة بن أبي معيط وكانا متصافيين حسنا ما بينهما فكان عقبة قد جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع منه فبلغ ذلك أبياً فأتى عقبة فقال له ألم يبلغني أنك جالست محمداً وسمعت منه قال وجهي من وجهك حرام أن أكلمك- واستغلظ من اليمين -إن أنت جلست إليه أو سمعت منه أو لم تأته فتتفل في وجهه ففعل ذلك عدو الله عقبة بن أبي معيط لعنه الله فأنزل الله تعالى فيهما ( ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً ). إلى قوله تعالى ( للإنسان خذولاً ).
ومشى أبي بن خلف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعظم بال قد أرفت فقال يا محمد أنت تزعم أن الله يبعث هذا بعد ما أرم ثم فته بيده ثم نفخه في الريح نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم أنا أقول ذلك يبعثه الله وإياك بعدما تكونان هكذا ثم يدخلك الله النار فأنزل الله تعالى فيه ( وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيى العظام وهي رميم قال يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون ).
سبب نزول سورة الكافرون
واعترض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يطوف بالكعبة - فيما بلغني - الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى والوليد بن المغيرة وأمية بن خلف والعاص بن وائل السهمي وكانوا ذوي أسنان في قومهم فقالوا يا محمد هلم فلنعبد ما تعبد وتعبد ما نعبد فنشترك نحن وأنت في الأمر فإن كان الذي تعبد خيراً مما نعبد كنا قد أخذنا بحظنا منه وإن كان ما نعبد خيراً مما تعبد كنت قد أخذت بحظك منه فأنزل الله تعالى فيهما ( قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين ). أي إن كنتم لا تعبدون الله إلا أن أعبد ما تعبدون فلا حاجة لي بذلك منكم لكم دينكم جميعاً ولي دين.
أبو جهل وما نزل فيه
وأبو جهل بن هشام لما ذكر الله عز وجل شجرة الزقوم تخويفا بها لهم قال يا معشر قريش هل تدرون ما شجرة الزقوم التي يخوفكم بها محمد، قالوا لا قال عجوة يثرب بالزبد والله لئن استمكنا منها لنتزقمنها تزقما فأنزل الله تعالى فيه ( إن شجرة الزقوم طعام الأثيم كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم ). أي ليس كما يقول.
قال بن هشام المهل كل شيء أذبته من نحاس أو رصاص أو ما أشبه ذلك فيما أخبرني أبو عبيدة .
وبلغنا عن الحسن البصري أنه قال كان عبد الله بن مسعود واليا لعمر بن الخطاب على بيت مال الكوفة وأنه أمر يوماً بفضة فأذيبت فجعلت تلون ألوانا فقال هل بالباب من أحد قالوا نعم قال فأدخلوهم فأدخلوا فقال إن أدنى ماأنتم راءون شبها بالمهل لهذا وقال الشاعر:
يسقيه ربي حميم المهـل يجـرعـه * يشوي الوجوه فهو في بطنه صهر
ويقال إن المهل صديد الجسد.
بلغنا أن ابا بكر الصديق رضي الله عنه لما حضر أمر بثوبين لبيسين يغسلان فيكفن فيهما فقالت عائشة قد أغناك الله يا أبت عنهما فاشترِ كفنا فقال إنما هي ساعة حتى يصير إلى المهل قال الشاعر
شاب بالماء منه مهلاً كريها * ثم عل المتون بعد النهال
قال بن إسحاق فأنزل الله تعالى فيه ( والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيراً ).
ابن أم مكتوم ونزول سورة عبس
ووقف الوليد بن المغيرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلمه وقد طمع في إسلامه فبينا هو في ذلك إذ مر به بن أم مكتوم الأعمى فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل يستقرئه القرآن فشق ذلك منه على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أضجره وذلك أنه شغله عما كان فيه من أمر الوليد وما طمع فيه من إسلامه فلما أكثر عليه انصرف عنه عابساً وتركه فأنزل الله تعالى عليه فيه ( عبس وتولى أن جاءه الأعمى ) إلى قوله تعالى ( في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة ) إي إنما بعثتك بشيراً ونذيراً لم أخص بك أحدا فلا تمنعه ممن أبتغاه ولا تتصدين به لمن لا يريده .
ذكر من عاد من أرض الحبشة
بلغ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين خرجوا إلى أرض الحبشة إسلام أهل مكة فأقبلوا لما بلغهم من ذلك حتى إذا دنوا من مكة بلغهم أن ما كانوا تحدثوا به من إسلام أهل مكة كان باطلاً فلم يدخل منهم أحد إلا بجوار أو مستخفياً.
فكان ممن قدم عليه مكة منهم فأقام بها حتى هاجر إلى المدينة فشهد معه بدراً ومن حبس عنه حتى فاته بدر وغيره ومن مات بمكة، وكان جميع من قدم عليه مكة من أصحابه من أرض الحبشة ثلاثة وثلاثون رجلاً.

بّسم الله الرّحمن الرّحيم
رد الجوار

قصة عثمان بن مظعون في رد جوار الوليد
قال بن إسحاق فأما عثمان بن مظعون فإن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف حدثني عمن حدثه عن عثمان قال لما رأى عثمان بن مظعون ما فيه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من البلاء وهو يغدو ويروح في أمان من الوليد بن المغيرة قال والله إن غدوي ورواحي آمنا بجوار رجل من أهل الشرك وأصحابي وأهل ديني يلقون من البلاء والأذى في الله ما لا يصيبني لنقص كبير في نفسي فمشى إلى الوليد بن المغيرة فقال له يا أبا عبد شمس وفت ذمتك قد رددت إليك جوارك فقال له يا بن أخي لعله آذاك أحد من قومي قال لا ولكني أرضى بجوار الله ولا أريد أن اأستجير بغيره قال فانطلق إلى المسجد فأردد علي جواري علانية كما أجرتك علانية قال فانطلقا فخرجا حتى أتيا المسجد فقال الوليد هذا عثمان قد جاء يرد علي جواري قال صدق قد وجدته وفياً كريم الجوار ولكني قد أحببت أن لا استجير بغير الله فقد رددت عليه جواره ثم انصرف عثمان ولبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب في مجلس من قريش ينشدهم فجلس معهم عثمان فقال لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل قال عثمان: صدقت، قال لبيد: وكل نعيم لا محالة زائل، قال عثمان: كذبت نعيم الجنة لا يزول، قال لبيد بن ربعية: يا معشر قريش والله ما كان يؤذي جليسكم فمتى حدث هذا فيكم فقال رجل من القوم إن هذا سفيه في سفهاء معه قد فارقوا ديننا فلا تجدن في نفسك من قوله فرد عليه عثمان حتى شري أمرهما فقام إليه ذلك الرجل فلطم عينه فخضرها والوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ من عثمان فقال أما والله يابن أخي كانت عينك عما أصابها لغنية لقد كنت في ذمة منيعة قال يقول عثمان بل والله إن عيني الصحيحة لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في الله وإني لفي جوار من هو أعز منك وأقدر يا أبا عبد شمس فقال له الوليد هلم يا بن أخي إن شئت فعد إلى جوارك فقال لا.
قصة أبو سلمة في جواره
قال بن إسحاق: وأما أبو سلمة بن عبد الأسد فحدثني أبي إسحاق بن يسار عن سلمة بن عبد الله بن عمر بن أبي سلمة أنه حدثه أن أبا سلمة لما استجار بأبي طالب مشي إليه رجل من بني مخزوم فقالوا يا أبا طالب لقد منعت منا بن أخيك محمداً فمالك ولصاحبنا تمنعه منا قال إنه استجار بي وهو بن أختي وإن أنا لم أمنع بن أختي لم أمنع بن أخي فقام أبو لهب فقال يا معشر قريش والله لقد أكثرتم على هذا الشيخ ما تزالون توثبون عليه في جواره من بين قومه والله لتنتهن عنه أو لنقومن معه في كل ما قام فيه حتى يبلغ ما أراد قال فقالوا بل ننصرف عما تكره يا أبا عتبة وكان لهم وليا وناصراً على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبقوا على ذلك فطمع فيه أبو طالب حين سمعه يقول ما يقول ورجا أن يقوم معه في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومما قاله أبو طالب يحرض أبا لهب على نصرته ونصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم:
وإن أمرأ أبو عتيبة عمه * لفـي روضة مـا إن يسام المظالما
أقول له وأين منه نصيحتي * با أبا معتب ثبت سوادك قائما
دخول أبي بكر في جوار بن الدغنة رد جواره عليه
قال بن إسحاق وقد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه كما حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنهما حين ضاقت عليه مكة وأصابه فيها الأذى ورأى من تظاهر قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما رأى استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة فأذن له فخرج أبو بكر مهاجراً حتى إذا سار من مكة يوما أو يومين لقيه بن الدغنة أخو بني عبد مناة بن كنانة وهو يومئذ سيد الأحابيش.
الأحابيش
قال بن إسحاق والأحابيش بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة والهون بن خزيمة بن مدركة وبنو المصطلق من خزاعة .
قال بن هشام تحالفوا جميعا فسموا الأحابيش لأنهم تحالفوا بواد يقال له الأحبش بأسفل مكة للحلف. ويقال بن الدغينة.
قال بن إسحاق حدثني الزهري عن عروة عن الزبير عن عائشة رضي الله عنها قال قالت بن الدغنة أين يا أبا بكر قال أخرجني قومي وآذوني وضيقوا علي قال ولم فو الله إنك لتزين العشيرة وتعين على النوائب وتفعل المعروف وتكسب المعدوم ارجع فأنت في جوارى فرجع معه حتى إذا دخل مكة قام بن الدغنة فقال يا معشر قريش إني قد أجرت بن أبي قحافة فلا يعرضن له أحد إلا بخير قالت فكفوا عنه.
قالت وكان لأبي بكر مسجد عند باب داره في بني جمح فكان يصلي فيه وكان رجلاً رقيقا إذا قرأ القرآن استبكى قالت فيقف عليه الصبيان والعبيد والنساء يعجبون لما يرون من هيئته قالت فمشى رجال من قريش إلى بن الدغنة فقالوا يا بن الدغنة إنك تجير هذا الرجل ليؤذينا إنه رجل إذا صلى وقرأ ما جاء به محمد يرق ويبكي وكانت له هيئة ونحو فنحن نتخوف على صبياننا ونسائنا وضعفتنا أن يفتنهم فأته فمره أن يدخل بيته فليصنع فيه ما شاء قالت فمشى بن الدغنة ليه فقال له يا أبا بكر إني لم أجرك لتؤذي قومك إنهم قد كرهوا مكانك الذي أنت فيه وتأذوا بذلك منك فادخل بيتك فاصنع فيه ما أحببت قال: أو أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله قال فاردد علي جواري قال قد رددته عليك قالت فقام بن الدغنة فقال يا معشر قريش إن بن أبي قحافة قد رد علي جواري فشأنكم بصاحبكم.
قال بن إسحاق وحدثني عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه القاسم بن محمد قال لقيه سفيه من سفهاء قريش وهو عامد إلى الكعبة فحثا على رأسه ترابا قال فمر بأبي بكر الوليد بن المغيرة او العاص بن وائل قال فقال أبو بكر ألا ترى إلى ما يصنع هذا السفيه قال أنت فعلت ذلك بنفسك قال وهو يقول أي رب ما أحلمك أي رب ما أحلمك أي رب ما أحلمك.

بّسم الله الرّحمن الرّحيم
حديث نقض الصحيفة

بلاء هشام بن عمرو في نقض الصحيفة
قال بن إسحاق وبنو هاشم وبنو المطلب في منزلهم الذي تعاقدت فيه قريش عليهم في الصحيفة التي كتبوها ثم إنه قام في نقض تلك الصحيفة التي تكاتبت فيها قريش على بني هاشم وبني المطلب نفر من قريش ولم يبل فيها أحد أحسن من بلاء هشام بن عمرو بن ربيعة بن الحارث بن حبيب بن نصر بن جذيمة بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي وذلك أنه كان بن أخي نضلى بن هاشم بن عبد مناف لأمه فكان هشام لبني هاشم واصلا وكان ذا شرف في قومه فكان فيما بلغني يأتي بالبعير وبنو هاشم وبنو المطلب في الشعب ليلا قد أوقره طعاما حتى إذا أقبل به فم الشعب خلع خطامه من رأسه ثم ضرب على جنبه فيدخل الشعب عليهم ثم يأتي به قد أوقره بزا أو برا فيفعل به مثل ذلك.
قال بن إسحاق ثم إنه مشى إلى زهير بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب فقال يا زهير أقد رضيت أن تأكل الطعام وتلبس الثياب وتنكح النساء وأخوالك حيث قد علمت لا يباعون ولا يبتاع منهم ولا ينكحون ولا ينكح إليهم أما إني أحلف بالله أن لو كانوا أخوال أبي الحكم بن هشام ثم دعوته إلى مثل ما داعاك إليه منهم ما أجابك إليه أبدا قال ويحك يا هشام فماذا أصنع إنما أنا رجل واحد والله لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها حتى أنقضها قال قد وجدت رجلاً قال فمن هو قال أنا قال له زهير أبغنا رجلاً ثالثاً.
فذهب إلى المطعم بن عدي فقال له يا مطعم أقد رضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف وأنت شاهد على ذلك موافق لقريش فيه أما والله لئن أمكنتموهم من هذه لتجدنهم إليها منكم سراعاً قال ويحك فماذا أصنع إنما أنا رجل واحد قال قد وجدت ثانيا قال من هو قال أنا فقال أبغنا ثالثاً قال قد فعلت قال من هو قال زهير بن أبي أمية قال أبغنا رابعاً .
فذهب إلى البخترى بن هشام فقال له نحواً مما قال للمطعم بن عدي فقال وهل من أحد يعين على هذا قال نعم قال من هو قال زهير بن أبي أمية والمطعم بن عدي وأنا معك قال أبغنا خامساً .
فذهب إلى زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد فكلمه وذكر له قرابتهم وحقهم فقال له وهل على هذا الأمر الذي تدعوني إليه من أحد قال نعم ثم سمى له القوم.
فاتعدوا خطم الحجون ليلاً بأعلى مكة فاجتمعوا هنالك فأجمعوا أمرهم وتعاقدوا على القيام في الصحيفة حتى ينقضوها وقال زهير أنا أبدؤكم فأكون أول من يتكلم فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم وغدا زهير بن أبي أمية عليه حله فطاف بالبيت سبعاً ثم أقبل على الناس فقال يا أهل مكة أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى لا يباع ولا يبتاع منهم والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة.
أبو جهل وكان في ناحية المسجد كذبت والله ولا تشق قال زمعة بن الأسود أنت والله أكذب ما رضينا كتابها حيث كتبت قال أبو البختري صدق زمعة لا نرضى ما كتب فيها ولا نقر به قال المطعم بن عدي صدقتما وكذب من قال غير ذلك نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها قال هشام بن عمرو نحواً من ذلك فقال أبو جهل هذا أمر قضي بليل تشوور فيه بغير هذا المكان قال وأبو طالب جالس في ناحية المسجد فقام المطعم إلى الصحيفة ليشقها فوجد الأرضة قد أكلتها إلا باسمك اللهم.
كاتب الصحيفة وشل يده
وكان كاتب الصحيفة منصور بن عكرمة فشلت يده فيما يزعمون .
أخباره رسول الله بأكل الأرضة الصحيفة
قال بن هشام وذكر بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي طالب يا عم إن ربي الله قد سلط الأرضة على صحيفة قريش فلم تدع فيها اسما هو لله إلا أثبتته فيها ونفت منه الظلم والقطيعة والبهتان فقال أربك اخبرك بهذا قال نعم قال فو الله ما يدخل عليك أحد ثم خرج إلى قريش فقال يا معشر قريش إن بن أخي أخبرني بكذا وكذا فهلم صحيفتكم فإن كان كما قال بن أخي فانتهوا عن قطيعتنا وانزلوا عما فيها وإن يكن كاذبا دفعت إليكم بن أخي فقال القوم رضينا فتعاقدوا على ذلك ثم نظروا فإذا هي كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فزادهم ذلك شراً فعند ذلك صنع الرهط من قريش في نقض الصحيفة ما صنعوا.
قال بن إسحاق فلما مزقت الصحيفة وبطل ما فيها قال أبو طالب فيما كان من أمر أولئك النفر الذين قاموا في نقضها يمدحهم ومما قاله:
ألا هل أتى بحرينا صنع ربنا * على نأيهم والله بالناس أرود
فيخبرهم أن الصحيفة مزقت * وأن كل ما لم يرضه الله مفسد
تراوحها إفك وسحر مجمع * ولم يلف سحر آخر الدهر يصعـد
شعر حسان في رثاء المطعم وذكر نقضه الصحيفة
ومما قاله حسان بن ثابت يبكي المطعم بن عدي حين مات ويذكر قيامه في نقض الصحيفة:
أيا عين فابكـي سيد القوم واسفحي * بدمع وإن أنزفته فاسكبي الـدما
وبكي عـظيم المشعـرين كليهما * على الناس معروفا له ما تكلما
فلو كان مجد يخلد الدهر واحداً * من الناس أبقى مجده اليوم مطعما
قال بن هشام قوله كليهما عن غير بن إسحاق.
قال بن هشام وأما قوله أجرت رسول الله منهم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انصرف عن أهل الطائف ولم يجيبوه إلى ما دعاهم إليه من تصديقه ونصرته صار إلى حراء ثم بعث إلى الأخنس بن شريق ليجيره فقال أنا حليف والحليف لا يجير فبعث إلى سهيل بن عمرو فقال إن بني عامر لا تجير على بني كعب فبعث إلى المطعم بن عدي فأجابه إلى ذلك ثم تسلح المطعم وأهل بيته وخرجوا حتى أتوا المسجد ثم بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أدخل فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت وصلى عنده ثم انصرف إلى منزله فذلك الذي يعنى حسان بن ثابت.
مدح حسان لهشام بن عمرو لقيامه في نقض الصحيفة
قال بن إسحاق وقال حسان بن ثابت الأنصاري أيضا يمدح هشام بن عمرو لقيامه في الصحيفة:
هل يوفين بنو أمية ذمة * عقداً كما أوفى جـوار هـشـام
من معشر لا يغدرون بجارهم * للحارث بن حبيب بن سخام
وإذا بنو حسل أجاروا ذمة * أوفوا وأدوا جارهم بسلام
وكان هشام أحد سُحام . قال بن هشام ويقال سخام.

مختصر: تهذيب سيرة ابن هشام لعبد السلام هارون