بّسم الله الرّحمن الرّحيم
السيرة النبوية المطهرة
الأحداث من إسلام الطفيل
وحتى الإسراء والمعراج

قصة إسلام الطفيل بن عمرو الدوسي
قال بن إسحاق وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما يرى من قومه يبذل لهم النصيحة ويدعوهم إلى النجاة مما هم فيه وجعلت قريش حين منعه الله منهم يحذرونه الناس ومن قدم عليهم من العرب .
وكان الطفيل بن عمرو الدوسي يحدث أنه قدم مكة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بها فمشى إليه رجال من قريش وكان الطفيل رجلاً شريفا شاعراً لبيبا فقالوا له يا طفيل إنك قدمت بلادنا وهذا الرجل الذي بين اظهرنا قد اعضل بنا وقد فرق جماعتنا وشتت أمرنا وإنما قوله كالسحر يفرق بين الرجل وبين أبيه وبين الرجل وبين أخيه وبين الرجل وبين زوجته وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا فلا تكلمنه ولا تسمعن منه شيئاً.
استماعه للرسول صلى الله عليه وسلم
قال فوالله ما زالوا بي حتى اجمعت أن لا أسمع منه شيئاً ولا أكلمه حتى حشوت في أذني حين غدوت إلى المسجد كرسفا فرقا من أن يبلغني شيء من قوله وأنا لا أريد أن أسمعه قال فغدوت إلى المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي عند الكعبة قال فقمت منه قريبا فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله قال فسمعت كلاما حسنا قال فقلت في نفسي واثكل أمي والله إني لرجل لبيب شاعر ما يخفي علي الحسن من القبيح فما يمنعني أن اسمع من هذا الرجل ما يقول فإن كان الذي يأتي به حسنا قبلته وإن كان قبيحا تركته.
قال فمكثت حتى انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته فاتبعته حتى إذا دخل بيته دخلت عليه فقلت يا محمد إن قومك قد قالوا لي كذا وكذا للذي قالوا فو الله ما برحوا يخوفونني أمرك حتى سددت أذني بكرسف لئلاً أسمع قولك ثم أبى الله إلا أن يسمعني قولك فسمعته قولاً حسناً فاعرض علي أمرك قال فعرض علي رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام وتلا علي القرآن فلا والله ما سمعت قولا قط أحسن منه ولا أمراً أعدل منه قال فأسلمت وشهدت شهادة الحق وقلت يا نبي الله إن امرؤ مطاع في قومي وأنا راجع إليهم وداعيهم إلى الإسلام فادع الله أن يجعل لي آية تكون لي عونا عليهم فيما أدعوهم إليه فقال اللهم أجعل له آية.
الآية التي جعلت له
قال فخرجت إلى قومي حتى إذا كنت بثنية تطلعني على الحاضر وقع نور بين عيني مثل المصباح فقلت اللهم في غير وجهي إني أخشى أن يظنوا أنها مثله وقعت في وجهي لفراقي دينهم قال فتحول فوقع في رأس سوطي قال فجعل الحاضر يتراءون ذلك النور في سوطي كالقنديل المعلق وأنا أهبط إليهم من الثنية قال حتى جئتهم فأصبحت فيهم.
قال فلما نزلت أتاني أبي وكان شيخاً كبيراً قال فقلت إليك عني يا أبت فلست منك ولست مني قال ولم يابني قال قلت اسملت وتابعت دين محمد صلى الله عليه وسلم قال أي بني فديني دينك قال فقلت فاذهب فاغتسل وطهر ثيابك ثم تعال حتى أعلمك ما علمت قال فذهب فاغتسل وطهر ثيابه قال ثم جاء فعرضت عليه الإسلام فأسلم.
قال ثم أتتني صاحبتي فقلت إليك عني فلست منك ولست مني قالت لم بأبي أنت وأمي قال قلت قد فرق بيني وبينك الإسلام وتابعت دين محمد صلى الله عليه وسلم قالت فديني دينك قال قلت فاذهبي إلى حنا ذي الشرى- قال بن هشام ويقال حمى ذي الشرى- فتطهري منه .
قال وكان ذو الشرى صنما لدوس وكان الحمى حمى حموه له وبه وشل من ماء يهبط من جبل .
قال فقالت بأبي أنت وأمي أتخشى على الصبية من ذي الشرى شيئاً قال قلت لا أنا ضامن لذلك فذهبت فاغتسلت ثم جاءت فعرضت عليها الإسلام فأسلمت .
ثم دعوت دوسا إلى الإسلام فأبطئوا علي ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فقلت له يا نبي الله إنه قد غلبني على دوس الزنا فادع الله عليهم فقال اللهم اهد دوسا ارجع إلى قومك فادعهم وارفق بهم قال فلم أزل بأرض دوس أدعوهم إلى الإسلام حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ومضى بدر وأحد والخندق ثم قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن أسلم معي من قومي ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر حتى نزلت المدينة بسبعين أو ثمانين بيتا من دوس ثم لحقنا برسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر فأسهم لنا مع المسلمين.
ثم لم أزل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا فتح الله عليه مكة قال قلت يا رسول الله ابعثني إلى ذي الكفين صنم عمرو بن حممة حتى أحرقه.
قال بن إسحاق فخرج إليه فجعل طفيل يوقد عليه النار ويقول:
يا ذا الكفين لست من عـبادكا * ميلادنا أقدم من ميلادكا
إني حشوت النار في فؤادكا
جهاده معه صلى الله عليه وسلم وموته
قال ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان معه بالمدينة حتى قبض الله رسوله صلى الله عليه وسلم فلما ارتدت العرب خرج مع المسلمين فسار معهم حتى فرغوا من طليحة ومن أرض نجد كلها ثم سار مع المسلمين إلى اليمامة ومعه ابنه عمرو بن الطفيل فرأى رؤيا وهو متوجه إلى اليمامة فقال لأصحابه إني قد رأيت رؤيا فاعبروها لي رأيت أن رأسي حلق وأنه خرج من فمي طائر وأنه لقيتني امرأة فأدخلتني في فرجها وأرى ابني يطلبني حثيثا ثم رأيته حبس عني قالوا خيراً قال أما أنا والله فقد أولتها قالوا ماذا قال أما حلق رأسي فوضعه وأما الطائر الذي خرج من فمي فروحي وأما المرأة التي أدخلتني فرجها فالأرض تحفر لي فأغيب فيها وأما طلب ابني أياي ثم حبسه عني فإني أراه سيجهد أن يصيبه ما أصابني فقتل رحمه الله شهيداً باليمامة وجرح ابنه جراحة شديدة ثم استبل منها ثم قتل عام اليرموك في زمن عمر رضي الله عنه شهيداً.

أمر أعشى بني قيس بن ثعلبة
قال بن هشام حدثني خلاد بن قرة بن خالد السدوسي وغيره من مشايخ بكر بن وائل من أهل العلم أن أعشى بني قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الإسلام فقال يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم:
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا * وبت كما بات السليم مسهدا
وما ذاك من عشق النساء وإنما * تناسيت قبل اليوم خلة مهددا
ولكن أرى الدهر الذي هو خائن * إذا أصلحت كفاي عاد فأفسدا
كهولاً وشبانا فقدت وثروة * فلله هذا الدهر كيف ترددا
وما زلت أبغي المال مذ أنا يافع * وليداً وكهلاً حين شبت وأمردا
وأبتذل العيسى المراقيل تغتلى * مسافة ما بين النجير فصرخدا
ألا أيهذا السائلي أين يممت * فإن لها في أهل يثرب موعدا
فإن تسألي عني فيا رب سائل * حفي عن الأعشى به حيث أصعدا
أجدت برجليها النجاء وراجعت * يداها خنافا لـينا غير أحردا
وفيها إذا ما هجرت عجرفية * إذا خلت حرباء الظهيرة أصيدا
وآليت لا آوى لها من كلالة * ولا من حفى حتى تلاقي محمدا
متى ما تناخي عند باب بن هاشم * تراحي وتلقى من فواضله ندى
نبيا يرى ما لا ترون وذكره * أغار لعمري في البلاد وأنجدا
له صدقات ما تغب ونائل * وليس عـطاء اليوم مانعه غدا
أجدك لم تسمع وصاة محمد * نبى الإله حيث أوصى وأشهدا
إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى * ولا قيت بعـد الموت من قد تزودا
ندمت على أن لا تكون كمثله * فترصد للأمر الذي كان أرصدا
فإياك والميتات لا تقربنها * ولا تأخذن سهماً حديداً لتفصداً
وذا النصب المنصوب لا تنسكنه * ولا تعبد الأوثان والله فاعبدا
ولا تقربن حرة كان سرها * عليك حراما فانكحن أو تأبدا
وذا الرحم القربى فلا تقطعنه * لعاقبة ولا الأسير المقيدا
وسبح على حين العشيات والضحى * ولا تحمد الشيطان والله فاحمدا
ولا تسخراً من بائس ذي ضرارة * ولا تحسبن المال للمرء مخلدا
رجوعه لما علم بتحريم الرسول للخمر
فلما كان بمكة أو قريبا منها اعترضه بعض المشركين من قريش فسأله عن أمره فأخبره أنه جاء يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلم فقال له يا أبا بصير إنه يحرم الزنا فقال الأعشى والله إن ذلك الأمر مالي فيه من أرب فقال له يا أبا بصير فإنه يحرم الخمر فقال الأعشى أما هذه فوالله إن في النفس منها لعلالات ولكني منصرف فأتروى مها عامي هذا ثم آتيه فأسلم فانصرف فمات في عامه ذلك ولم يعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ذُل أبو جهل
قال بن إسحاق وقد كان عدو الله أبو جهل بن هشام مع عداوته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبغضه إياه وشدته عليه يذله الله له إذا رآه.
أمر الإراشي الذي باع أبا جهل إبله ومماطلة أبي جهل الإراشي
قال بن إسحاق حدثني عبد الملك بن عبد الله بن أبي سفيان الثقفي وكان واعية قال قدم رجل من إراش- قال بن هشام ويقال إراشة- بإبل له مكة فابتاعها منه أبو جهل فمطله بأثمانها فأقبل الإراشي حتى وقف على ناد من قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم في ناحية المسجد جالس فقال يا معشر قريش من رجل يؤديني على أبي الحكم بن هشام فإني رجل غريب بن سبيل وقد غلبني على حقي قال فقال له أهل ذلك المجلس اترى ذلك الرجل الجالس -لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يهزءون به لما يعلمون ما بينه وبين أبي جهل من العداوة اذهب إليه فإنه يؤديك عليه .
فأقبل الإراشي حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا عبد الله إن أبا الحكم بن هشام قد غلبني على حق لي قبله وأنا رجل غريب بن سبيل وقد سألت هؤلاء القوم عن رجل يؤديني عليه يأخذ لي حقي منه فأشاروا لي إليك فخذ لي حقي منه يرحمك الله قال انطلق إليه وقام معه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأوه قام معه قالوا لرجل ممن معهم اتبعه فانظر ماذا يصنع .
قال وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءه فضرب عليه بابه فقال من هذا قال محمد فاخرج إلي فخرج إليه وما في وجهه من رائحة قد انتقع لونه فقال أعط هذا الرجل حقه قال نعم لا تبرح حتى أعطيه الذي له قال فدخل فخرج إليه قال ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال للإراشي الحق بشأنك فأقبل الإراشي حتى وقف على ذلك المجلس فقال جزاه الله خيرا فقد والله أخذ لي حقي.
ما رواه أبو جهل عن سبب خوفه من رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال وجاء الرجل الذي بعثوا معه فقالوا ويحك ماذا رأيت قال عجبا من العجب والله ما هو إلا أن ضرب عليه بابه فخرج إليه وما معه روحه فقال له أعط هذا حقه فقال نعم لا تبرح حتى أخرج إليه حقه فدخل فخرج إليه بحقه فأعطاه إياه قال ثم لم يلبث أبو جهل أن جاء فقالوا ويلك ما لك والله ما رأينا مثل ما صنعت قط قال ويحكم والله ما هو إلا أن ضرب علي بابي وسمعت صوته فملئت رعبا ثم خرجت إليه وإن فوق رأسه لفحلاًمن الإبل ما رأيت مثل هامته ولا قصرته ولا أنيابه لفحل قط والله لو ابيت لأكلني.

أمر ركانة المطلبي ومصارعته النبي صلى الله عليه وسلم
قال بن إسحاق وحدثني أبي إسحاق بن يسار قال كان ركانه بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف أشد قريش فخلا يوماً برسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض شعاب مكة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم يا ركانة ألا تتقي الله وتقبل ما أدعوك إليه قال إني لو أعلم أن الذي تقول حق لاتبعتك فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرأيت إن صرعتك أتعلم أن ما أقول حق قال نعم قال فقم حتى أصارعك قال فقام إليه ركانه يصارعه فلما بطش به رسول الله صلى الله عليه وسلم أضجعه وهو لا يملك من نفسه شيئاً ثم قال عد يا محمد فعاد فصرعه فقال يا محمد والله إن هذا للعجب أتصرعني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعجب من ذلك إن شئت أن أريكه إن اتقيت الله واتبعت أمري قال ما هو قال أدعوا لك هذه الشجرة التي ترى فتأتيني قال أدعها فدعاها فأقبلت حتى وقفت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فقال لها ارجعي إلى مكانك قال فرجعت إلى مكانها.
قال فذهب ركانة إلى قومه فقال يا بني عبد مناف ساحروا بصاحبكم أهل الأرض فو الله ما رأيت أسحر منه قط ثم أخبرهم بالذي رأى والذي صنع.

أمر وفد النصارى الذين أسلموا
قال بن إسحاق ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة عشرون رجلاً أو قريب من ذلك من النصارى حين بلغهم خبره من الحبشة فوجدوه في المسجد فجلسوا إليه وكلموه وسألوه ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة فلما فرغوا من مسألة رسول الله صلى الله عليه وسلم عما أرادوا دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله عز وجل وتلا عليهم القرآن فلما سمعوا القرآن فاضت أعينهم من الدمع ثم استجابوا بالله وآمنوا به وصدقوه وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام في نفر من قريش فقالوا لهم خيبكم الله من ركب بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه بما قال ما نعلم ركبا أحمق منكم أو كما فقالوا فقالو لهم سلام عليكم لا نجاهلكم لنا ما نحن عليه ولكم ما أنتم عليه لم نأل أنفسنا خيراً.
ويقال إن النفر من النصارى من أهل نجران فالله أعلم أي ذلك كان فيقال - والله أعلم - فيهم نزلت هؤلاء الآيات (الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا أنا كنا من قبله مسلمين) إلى قوله ( لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين).
قال بن إسحاق وقد سألت بن شهاب الزهري عن هؤلاء الآيات فيمن أنزلن فقال لي ما أسمع من علمائنا أنهن أنزلن في النجاشي وأصحابه والآية من سورة المائدة من قوله ( ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون) إلى قوله ( فاكتبنا مع الشاهدين).

تهكم المشركين بمن من الله عليهم
قال بن إسحاق وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس في المسجد فجلس إليه المستضعفون من أصحابه خباب وعمار وأبو فكيهة يسار مولى صفوان بن أمية بن محرث وصهيب وأشباههم من المسلمين هزئت بهم قريش وقال بعضهم لبعغض هؤلاء أصحابه كما ترون أهؤلاء من الله عليهم من بيننا بالهدى والحق لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقنا هؤلاء إليه وما خصهم الله به دوننا فأنزل الله تعالى فيهم ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم).
ادعاء المشركين
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم -فيما بلغني -كثيراً ما يجلس عند المروة إلى مبيعة غلام نصراني يقال له جبر عبد لبني الحضرمي فكانوا يقولون والله ما يعلم محمداً كثيراً مما يأتي به إلا جبر النصراني غلام بنى الحضرم فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم ( ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين).
قال بن هشام يلحدون إليه يميلون إليه والإلحاد الميل عن الحق قال رؤبة بن العجاج:
إذا تبع الضحاك كل ملحد
قال بن هشام يعني الضحاك الخارجي وهذا البيت في أرجوزة له.

سبب نزول سورة الكوثر
مقالة العاص في الرسول ونزول سورة الكوثر
قال بن إسحاق وكان العاص بن وائل السهمي فيما بلغني إذا ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال دعوه فإنما هو رجل أبتر لا عقب له لو مات لا نقطع ذكره واسترحتم منه فأنزل الله في ذلك ( أنا أعطيناك الكوثر ) ما هو خير لك من الدنيا وما فيها والكوثر العظيم.
قال بن إسحاق قال لبيد بن ربيعة الكلابي:
وصاحب ملحوب فجعنا بيومه * وعند الرداع بيت آخر كوثر
يقول عظيم .
قال بن هشام وهذا البيت في قصيدة له وصاحب ملحوب عوف بن الأحوص بن جعفر بن كلاب مات بملحوب وقوله: " وعند الرداع بيت آخر كوثر ". يعني شريح بن الأحوص بن جعفر بن كلاب مات بالرداع وكوثر أراد الكثير ولفظه مشتق من لفظ الكثير قال الكميت بن زيد يمدح هشام بن عبد الملك بن مروان:
وأنت كثير يابن مروان طـيب * وكان أبوك بن العقائل كوثرا
وهذا البيت في قصيدة له وقال أمية بن أبي عائذ الهذلي يصف حمار وحش:
يحامي الحقيق إذا ما احتدمن * وحمحمن في كوثر كالجلال
يعني بالكوثر الغبار الكثير شبهه لكثرته عليه بالجلال وهذا البيت في قصيدة له .
قال بن إسحاق حدثني جعفر بن عمرو - قال بن هشام هو جعفر بن عمرو بن أمية الضمري - عن عبد الله بن مسلم أخي محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن أنس بن مالك قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل له يا رسول الله ما الكوثر الذي أعطاك الله قال نهر كما بين صنعاء إلى أيلة آنيته كعدد نجوم السماء ترده طيور لها أعناق كأعناق الإبل قال يقول عمر بن الخطاب إنها يا رسول الله لناعمة قال آكلها أنعم منها.
قال بن إسحاق وقد سمعت في هذا الحديث أو غيره أنه قال صلى الله عليه وسلم من شرب منه لا يظمأ أبداً
نزول وقالوا لولا أنزل عليه ملك
قال بن إسحاق ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه إلى الإسلام وكلمهم فأبلغ إليهم فقال له زمعة بن الأسود والنضر بن الحارث والأسود بن عبد يغوث وأبي بن خلف والعاص بن وائل لو جعل معك يا محمد ملك يحدث عنك الناس ويرى معك فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم ( وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلاً وللبسنا عليهم ما يلبسون ).
نزول ولقد استهزىء برسل من قبلك
قال بن إسحاق ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم -فيما بلغني -بالوليد بن المغيرة وأمية بن خلف وبأبي جهل بن هشام فهمزوه واستهزءوا به فغاظه ذلك فأنزل الله تعالى عليه في ذلك من أمرهم ( ولقد استهزىء برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون).


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
ذكر الإسراء والمعراج

ذكر الإسراء
قال بن هشام حدثنا زياد بن عبد الله البكائي عن محمد بن إسحاق المطلبي قال ثم أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وهو بيت المقدس من إيلياء وقد فشا الإسلام بمكة في قريش وفي القبائل كلها .
قال بن إسحاق كان من الحديث فيما بلغني عن مسراه صلى الله عليه وسلم عن عبد الله بن مسعود وأبي سعيد الخدري وعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ومعاوية بن أبي سفيان والحسن بن أبي الحسن البصري وابن شهاب الزهري وقتادة وغيرهم من أهل العلم وأم هانيء بنت أبي طالب ما اجتمع في هذا الحديث كل يحدث عنه بعض ما ذكر من أمره حين أسري به صلى الله عليه وسلم وكان في مسراه وما ذكر عنه بلاء وتمحيص وأمر من أمر الله عز وجل في قدرته وسلطانه فيه عبرة لأولي الألباب وهدى ورحمة وثبات لمن آمن وصدق وكان من أمر الله سبحانه وتعالى على يقين فأسرى به سبحانه وتعالى كيف شاء ليريه من آياته ما أراد حتى عاين ما عاين من أمره وسلطانه العظيم وقدرته التي يصنع بها ما يريد.
رواية عبد الله بن مسعود عن مسراه صلى الله عليه وسلم
فكان عبد الله بن مسعود- فيما بلغني عنه- يقول: أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبراق- وهي الدابة التي كانت تحمل عليها الأنبياء قبله تضع حافرها في منتهى طرفها- فحمل عليها ثم خرج به صاحبه يرى الآيات فيما بين السماء والأرض حتى انتهى إلى بيت المقدس فوجد فيه إبراهيم الخليل وموسى وعيسى في نفر من الأنبياء قد جمعوا له فصلى بهم ثم أتى بثلاثة آنية إناء فيه لبن وإناء فيه خمر وإناء فيه ماء قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعت قائلاً يقول حين عرضت علي إن أخذ الماء غرق وغرقت أمته وإن أخذ الخمر غوي وغوت أمته وإن أخذ اللبن هدي وهديت أمته قال فأخذت إناء اللبن فشربت منه فقال لي جبريل عليه السلام هديت وهديت أمتك يا محمد.
حديث الحسن عن مسراه صلى الله عليه وسلم
قال بن إسحاق وحدثت عن الحسن أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بينا أنا نائم في الحجر إذ جاءني جبريل فهمزني بقدمه فجلست فلم أر شيئاً فعدت إلى مضجعي فجاءني الثانية فهمزني بقدمه فجلست ولم أر شيئاً فعدت إلى مضجعي فجاءني الثالثة فهمزني بقدمه فجلست فأخذ بعضدي فقمت معه فخرج بي إلى باب المسجد فإذا دابة أبيض بين البغل والحمار في فخذيه جناحان يحفز بهما رجله يضع يده في منتهى طرفه فحملني عليه ثم خرج معي لا يفوتني ولا أفوته.
حديث قتادة عن مسراه صلى الله عليه وسلم
قال بن إسحاق وحدثت عن قتادة أنه قال حدثت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لما دنوت منه لأركبه شمس فوضع جبريل يده على معرفته ثم قال ألا تستحي يا براق مما تصنع فوالله ما ركبك عبد لله قبل محمد أكرم عليه منه قال فاستحيا حتى ارفض عرقا ثم قر حتى ركبته.
عودة إلى حديث الحسن عن مسراه صلى الله عليه وسلم
قال الحسن في حديثه فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومضى جبريل عليه السلام معه حتى انتهى به إلى بيت المقدس فوجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى في نفر من الأنبياء فأمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بهم ثم اتى بإناءين في أحدهما خمر وفي الأخر لبن قال فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إناء اللبن فشرب منه وترك إناء الخمر قال فقال له جبريل هديت للفطرة وهديت أمتك يا محمد وحرمت عليكم الخمر ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة فلما أصبح غداً على قريش فأخبرهم الخبر فقال أكثر الناس هذا والله الإمر البين والله إن العير لتطرد شهراً من مكة إلى الشام مدبرة وشهراً مقبلة أفيذهب ذلك محمد في ليلة واحدة ويرجع إلى مكة قال فارتد كثير ممن كان أسلم وذهب الناس إلى أبي بكر فقالوا له هل لك يا أبا بكر في صاحبك يزعم انه قد جاء هذه الليلة بيت المقدس وصلى فيه ورجع إلى مكة قال فقال لهم أبو بكر إنكم تكذبون عليه فقالوا بلى ها هو ذاك في المسجد يحدث به الناس فقال أبو بكر والله لئن كان قاله لقد صدق فما يعجبكم من ذلك فوالله إنه ليخبرني أن الخبر ليأتيه من الله من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدقه فهذا أبعد مما تعجبون منه ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا نبي الله أحدثت هؤلاء القوم أنك جئت بيت المقدس هذه الليلة قال نعم قال يا نبي الله فصفه لي فإني قد جئته -قال الحسن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع لي حتى نظرت إليه- فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصفه لأبي بكر ويقول أبو بكر صدقت أشهد أنك رسول الله كلما وصف له منه شيئاً قال صدقت أشهد أنك رسول الله حتى إذا انتهى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وأنت يا أبا بكر الصديق فيومئذ سماه الصديق.
قال الحسن وأنزل الله تعالى فيمن ارتد عن إسلامه لذلك ( وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيد إلا طغياناً كبيراً ).
فهذا حديث الحسن عن مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم وما دخل فيه من حديث قتادة.

وصفه صلى الله عليه وسلم إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام
قال بن إسحاق وزعم الزهرى عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف لأصحابه إبراهيم وموسى وعيسى حين رآهم في تلك الليلة فقال أما إبراهيم فلم أر رجلاً أشبه قط بصاحبكم ولا صاحبكم أشبه به منه وأما موسى فرجل آدم طويل ضرب جعد أقنى كأنه من رجال شنوءة وأما عيسى بن مريم فرجل أحمر بين القصير والطويل سبط الشعر كثير خيلان الوجه كأنه خرج من ديماس تخال رأسه يقطر ماء وليس به ما أشبه رجالكم به عروة بن مسعود الثقفي.
وصف علي لرسول الله صلى الله عليه وسلم
قال بن هشام وكانت صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكر - عمر مولى غفرة عن إبراهيم بن محمد بن علي بن أبي طالب قال كان علي بن أبي طالب رضى الله عنه إذا نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لم يكن بالطويل الممغط ولا القصير المتردد وكان ربعة من القوم ولم يكن بالجعد القطط ولا السبط كان جعدا رجلاً ولم يكن بالمطهم ولا المكلثم وكان أبيض مشرباً أدعج العينين اهدب الأشفار جليل المشاش والكتد دقيق المسربة أجرد شثن الكفين والقدمين إذا مشى تقلع كأنما يمشي في صبب وإذا التفت التفت معا بين كتفيه خاتم النبوة وهو صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين أجود الناس كفاً وأجرأ الناس صدراً وأصدق الناس لهجة وأوفى الناس ذمة وألينهم عريكة وأكرمهم عشرة من رآه بديهة هابه ومن خالطه أحبه يقول ناعته لم أر قبله ولا بعده مثله صلى الله عليه وسلم.

حديث أم هانئ عن الإسراء
قال محمد بن إسحاق وكان فيما بلغني عن أمر هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها واسمها هند في مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها كانت تقول ما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو في بيتي نائم عندي تلك الليلة في بيتي فصلى العشاء الآخرة ثم نام ونمنا فلما كان قبيل الفجر أهبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما صلى الصبح وصلينا معه قال يا أم هانىء لقد صليت معكم العشاء الآخرة كما رأيت بهذا الوادي ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه ثم صليت صلاة الغداة معكم كما ترين ثم قام ليخرج فأخذت بطرف ردائه فتكشف عن بطنه كأنه قبطية مطوية فقلت له يا نبي الله لا تحدث بهذا للناس فيكذبوك ويؤذوك قال والله لاحدثنهموه قالت فقلت لجارية لي حبشية ويحك اتبعي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تسمعي ما يقول للناس وأما يقولون له فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس أخبرهم فعجبوا وقالوا ما آية ذلك يا محمد فإنا لم نسمع بمثل هذا قط قال آية ذلك أني مررت بعير بني فلان بوادي كذا وكذا فأنفرهم حس الدابة فند لهم بعير فدللتهم عليه وأنا متوجه إلى الشام ثم أقبلت حتى إذا كنت بضجنان مررت بعير بني فلان فوجدت القوم نياما ولهم إناء فيه ماء قد غطوا عليه بشيء فكشفت غطاءه وشربت ما فيه ثم غطيت عليه كما كان وآية ذلك أن عيرهم الآن يصوب من البيضاء ثنية التنعيم يقدمها جمل أورق عليه غرارتان إحداهما سوداء والأخرى برقاء قالت فابتدر القوم الثنية فلم يلقهم أول من الجمل كما وصف لهم وسألوهم عن الإناء فأخبروهم أنهم وضعوه مملوءا ماء ثم غطوه وإنهم هبوا فوجدوه مغطى كما غطوه ولم يجدوا فيه ماء وسألوا الآخرين وهم بمكة فقالوا صدق والله لقد أنفرنا في الوادي الذي ذكر وند لنا بعير فسمعنا صوت رجل يدعونا إليه حتى أخذناه.

بّسم الله الرّحمن الرّحيم
ذكر المعراج

وقال بن إسحاق وحدثني من لا أتهم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لما فرغت مما كان في بيت المقدس أتي بالمعراج ولم أر شيئاً قط أحسن منه وهو الذي يمد إليه ميتكم عينيه إذا حضر فأصعدني صاحبي فيه حتى انتهى بي إلى باب من أبواب السماء يقال له باب الحفظة عليه ملك من الملائكة يقال له إسماعيل تحت يديه اثنا عشر ألف ملك تحت يدي كل ملك منهم اثنا عشر ألف ملك- قال يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حدث بهذا الحديث " وما يعلم جنود ربك إلا هو " فلما دخل بي قال من هذا يا جبريل قال محمد قال أوقد بعث قال نعم قال فدعا لي بخير وقاله.
ضحك مالك خازن النار للرسول صلى الله عليه وسلم
قال بن إسحاق وحدثني بعض أهل العلم عمن حدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال تلقتني الملائكة حين دخلت السماء الدنيا فلم يلقني ملك إلا ضاحكا مستبشرا يقول خيراً ويدعو به حتى لقيني ملك من الملائكة فقال مثل ما قالوا ودعا بمثل ما دعوا به إلا أنه لم يضحك ولم أر منه البشر مثل ما رأيت من غيره فقلت لجبريل يا جبريل من هذا الملك الذي قال لي كما قالت الملائكة ولم يضحك ولم أر منه من البشر مثل الذي رأيت من غيره قال فقال لي جبريل أما إنه لو ضحك إلى أحد كان قبلك أو كان ضاحكاً إلى أحد بعدك لضحك إليك ولكنه لا يضحك هذا مالك خازن النار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت لجبريل وهو من الله تعالى بالمكان الذي وصف لكم " مطاع ثم أمين " ألا تأمره أن يريني النار فقال بلى يا مالك أر محمداً النار قال فكشف عنها غطاءها فقال ففارت وارتفعت حتى ظننت لتأخذن ما أرى قال فقلت لجبريل يا جبريل مره فليردها إلى مكانها قال فأمره فقال لها أخبئ فرجعت إلى مكانها الذي خرجت منه فما شبهت رجوعها إلا وقوع الظل حتى إذا دخلت من حيث خرجت رد عليها غطاءها .
قال أبو سعيد الخدري في حديثه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لما دخلت السماء الدنيا رأيت بها رجلاً جالساً تعرض عليها أرواح بني آدم فيقول لبعضها إذا عرضت عليها خيراً ويسر به ويقول روح طيبة خرجت من جسد طيب ويقول لبعضها إذا عرضت عليه أف ويعبس بوجهه ويقول روح خبيثة خرجت من جسد خبيث قال قلت من هذا جبريل قال هذا أبوك آدم تعرض عليه أرواح ذريته فإذا مرت به روح المؤمن منهم سر بها وقال روح طيبة خرجت من جسد طيب وإذا مرت به روح الكافر منهم أفف منها وكرهها وساءه ذلك وقال روح خبيثة خرجت من جسد خبيث.
صفة أكلة أموال اليتامي ظلما
قال ثم رأيت رجالاً لهم مشافر كمشافر الإبل في أيديهم قطع من نار كالأفهار يقذفونها في أفواههم فتخرج من ادبارهم فقلت من هؤلاء يا جبريل قال هؤلاء أكله أمول اليتامي ظلماً.
صفة أكلة الربا
قال ثم رأيت رجالاً لهم بطون لم ار مثلها قط بسبيل آل فرعون يمرون عليهم كالإبل المهيومة حين يعرضون على النار يطئونهم لا يقدرون على أن يتحولوا من مكانهم ذلك قال قلت من هؤلاء يا جبريل قال هؤلاء أكلة الربا
صفة الزناة
قال ثم رأيت رجالاً بين أيديهم لحم ثمين طيب إلى جنبه لحم غث منتن يأكلون من الغث المنتن ويتركون السمين الطيب قال قلت من هؤلاء يا جبريل قال هؤلاء الذين يتركون ما أحل الله لهم من النساء ويذهبون إلى ما حرم الله عليهم منهن.
صفة النساء اللاتي يدخلن على الأزواج ما ليس منهم
قال ثم رأيت نساء معلقات بثديهن فقلت من هؤلاء يا جبريل قال هؤلاء اللاتي أدخلن على الرجال من ليس من أولادهم.
قال بن إسحاق وحدثني جعفر بن عمرو عن القاسم بن محمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اشتد غضب الله على امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فأكل حرائبهم وطلع على عوراتهم.
عود إلى حديث الخدري عن المعراج
ثم رجع إلى حديث أبي سعيد الخدري قال ثم أصعدني إلى السماء الثانية فإذا فيها ابنا الخالة عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا قال ثم أصعدني إلى السماء الثالثة فإذا فيها رجل صورته كصورة القمر ليلة البدر قال قلت من هذا يا جبريل قال هذا أخوك يوسف بن يعقوب قال ثم أصعدني إلى السماء الرابعة فإذا فيها رجل فسألته
من هو قال هذا إدريس قال يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفعناه مكاناً علياً- قال ثم أصعدني إلى السماء الخامسة فإذا فيها كهل أبيض الرأس واللحية عظيم العثنون لم أر كهلاً أجمل منه قالت قلت من هذا يا جبريل قال هذا المحبب في قومه هارون بن عمران قال ثم أصعدني إلى السماء السادسة فإذا فيها رجل آدم طويل أقنى كأنه من رجال شنوءة فقلت له من هذا يا جبريل قال هذا أخوك موسى بن عمران ثم أصعدني إلى السماء السابعة فإذا فيها كهل جالس على كرسي إلى باب البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يرجعون فيه إلى يوم القيامة لم أر رجلاً أشبه بصاحبكم ولا صاحبكم أشبه به منه قال قلت من هذا يا جبريل قال هذا أبوك إبراهيم قال ثم دخل بي الجنة فرأيت فيها جارية لعساء فسألتها لمن أنت وقد أعجبتني حين رأيتها فقالت لزيد بن حارثة فبشر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة.
قال بن إسحاق ومن حديث بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغني أن جبريل لم يصعد به إلى سماء من السموات إلا قالوا له حين يستأذن في دخولها من هذا يا جبريل فيقول محمد فيقولون أوقد بعث إليه فيقول نعم فيقولون حياه الله من أخ وصاحب حتى انتهى به إلى السماء السابعة ثم انتهي به إلى ربه ففرض عليه خمسين صلاة في كل يوم.
مشورة موسى على الرسول في شأن تخفيف الصلاة
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبلت راجعاً فلما مررت بموسى بن عمران ونعم الصاحب كان لكم سألني كم فرض عليك من الصلاة فقلت خمسين صلاة كل يوم فقال إن الصلاة ثقيلة وإن أمتك ضعيفة فارجع إلى ربك فاسأله أن يخفف عنك وعن أمتك فرجعت فسألت ربي أن يخفف عني وعن أمتي فوضع عني عشراً ثم انصرفت فمررت على موسى فقال لي مثل ذلك فرجعت فسألت ربي أن يخفف عني وعن أمتي فوضع عني عشراً ثم انصرفت فمررت على موسى فقال لي مثل ذلك فرجعت فسألت ربي فوضع عني عشراً ثم لم يزل يقول لي مثل ذلك كلما رجعت إليه قال فارجع فاسأل ربك حتى انتهيت إلى أن وضع ذلك عني إلا خمس صلوات في كل يوم وليلة ثم رجعت إلى موسى فقال لي مثل ذلك فقلت قد راجعت ربي وسألته حتى استحييت منه فما أنا بفاعل .
فمن أداهن منكم إيماناً بهن واحتساباً لهن كان له أجر خمسين صلاة مكتوبة.

كفاية الله أمرالمستهزئين
قال بن إسحاق فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر الله تعالى صابراً محتسباً مؤديا إلى قومه النصيحة على ما يلقى منهم من التكذيب والأذى وكان عظماء المستهزئين كما حدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير خمسة نفر من قومهم وكانوا ذوي أسنان وشرف في قومهم .
من بني أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب الأسود بن الطلب بن أسد أبو زمعة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني قد دعا عليه لما كان يبلغه من أذاه واستهزائه فقال اللهم اعم بصره وأثكله ولده ومن بني زهرة بن كلاب الأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة .
ومن بني مخزوم بن يقظة بن مرة الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم .
ومن بني سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب العاص بن وائل بن هشام قال بن هشام العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم ومن بني خزاعة الحارث بن الطلاطلة بن عمرو بن الحارث بن عبد عمرو بن ملكان فلما تمادوا في الشر وأكثروا برسول الله صلى الله عليه وسلم الاستهزاء أنزل الله تعالى عليه ( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين إنا كفيناك المستهزئين الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون ).
ما أصاب بالمستهزئين
قال بن إسحاق فحدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير أو غيره من العلماء أن جبريل أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يطوفون بالبيت فقام وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه فمر به الأسود بن المطلب فرمي في وجهه بورقة خضراء فعمي ومر به الأسود بن عبد يغوث فأشار إلى بطنه فاستستقى بطنه فمات منه حبنا ومر به الوليد بن المغيرة فأشار إلى أثر جرح بأسفل كعب رجله كان أصابه قبل ذلك بسنين وهو يجر سبله وذلك أنه مر برجل من خزاعة وهو يريش نبلا له فتعلق سهم من نبله بإزاراه فخدش في رجله ذلك الخدش وليس بشيء فانتقض به فقتله ومر به العاص بن وائل فأشار إلى اخمص رجله وخرج على حمار له يريد الطائف فربض به على شبارقة فدخلت في أخمص رجله شوكة فقتلته ومر به الحارث بن الطلاطلة فأشار إلى رأسه فامتخض قيحا فقتله

قصة أبي أزيهر الدوسي
قال بن إسحاق فلما حضرت الوليد الوفاة دعا بنيه وكانوا ثلاثة هشام بن الوليد والوليد بن الوليد وخالد بن الوليد فقال لهم اي بني أوصيكم بثلاث فلا تضيعوا فيهن دمي في خزاعة فلا تطلنه والله إني لأعلم أنهم منه برآء ولكني أخشى أن تسبوا به بعد اليوم ورباي في ثقيف فلا تدعوه حتى تأخذوه وعقري عند أبي أزيهر فلا يفوتنكم به. وكان أبو أزيهر قد زوجه بنتا ثم أمسكها عنه فلم يدخلها عليه حتى مات
مطالبة بني مخزوم خزاعة
فلما هلك الوليد بن المغيرة وثب بنو مخزوم على خزاعة يطلبون منهم عقل الوليد وقالوا إنما قتله سهم صاحبكم وكان لبني كعب حلف من بني عبد المطلب بن هاشم فأبت عليهم خزاعة ذلك حتى تقاولوا أشعارا وغلظ بينهم الأمر وكان الذي أصاب الوليد سهمه رجلا من بني كعب بن عمرو من خزاعة فقال عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم:
إني زعيم أن تسيروا فتهـربوا * وأن تتركوا الظهران تعوي الثعالبه
وكانت الظهران والأراك منازل بني كعب من خزاعة فأجابه الجون بن ابي الجون أخو بني كعب بن عمرو الخزاعي فقال:
والله لا نـؤتى الوليد ظلامة * ولما تروا يوما تزول كواك
ثم إن الناس ترادوا وعرفوا إنما يخشى القوم السبة فأعطتهم خزاعة بعض العقل وانصرفوا عن بعض فلما اصطلح القوم قال الجون بن أبي الجون:
وقـائلة لما اصطلحنا تعجبا * لما قد حملنا للوليد وقائل
ثم لم ينته الجون بن أبي الجون حتى افتخر بقتل الوليد وذكر أنهم أصابوه وكان ذلك باطلا فلحق بالوليد وبولده وقومه من ذلك ما حذر فقال الجون بن أبي الجون فيما قال:
ألا زعـم الـمـغـيرة أن كعبا * بمـكة منهم قدر كثير
فلا تفخر مغير أن تراها * بها يمشي المعلهج والمهير
مقتل أبي أزيهر
قال بن إسحاق ثم عدا هشام بن الوليد على أبي أزيهر وهو بسوق ذي المجاز وكانت عند ابي سفيان بن حرب عاتكة بنت أبي أزيهر وكان أبو أزيهر رجلا شريفا في قومه فقتله بعقر الوليد الذي كان عنده لوصية أبيه إياه وذلك بعد ان هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ومضى بدر وأصيب به من أصيب من أشراف قريش من المشركين فخرج يزيد بن ابي سفيان فجمع بني عبد مناف وأبو سفيان بذي المجاز فقال الناس: أخفر أبو سفيان في صهره فهو ثائر به. فلما سمع أبو سفيان بالذي صنع ابنه يزيد وكان أبو سفيان رجلاً حليماً منكراً يحب قومه حبا شديدا انحط سريعا إلى مكة وخشي أن يكون بين قريش حدث في أبي أزيهر فأتى ابنه وهو في الحديد في قومه من بني عبد مناف والمطيبين فأخذ الرمح من يده ثم ضرب به على رأسه ضربة هده منها ثم قال له قبحك الله أتريد أن تضرب قريشا بعضهم ببعض في رجل من دوس. سنؤتيهم العقل إن قبلوه وأطفأ لك الأمر.
مطالبة خالد بربا أبيه
ولما أسلم أهل الطائف كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في ربا الوليد الذي كان في ثقيف لما كان أبوه أوصاه به.
قال بن إسحاق: فذكر لي بعض أهل العلم أن هؤلاء الآيات من تحريم ما بقي من الربا بأيدي الناس نزلن في ذلك من طلب خالد الربا " يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين " إلى آخر القصة فيها.
ثورة دوس للأخذ بثأر أبي أزيهر
ولم يكن في أبي أزيهر ثأر نعلمه حتى حجز الإسلام بين الناس إلا أن ضرار بن الخطاب بن مرادس الفهري خرج في نفر من قريش إلى ارض دوس فنزلوا على امرأة يقال لها ام غيلان مولاة لدوس وكانت تمشط النساء وتجهز العرائس فأرادت دوس قتلهم بأبي أزيهر فقامت دونهم أم غيلان ونسوة معها حتى منعتهم فقال ضرارا بن الخطاب في ذلك:
جزى الله عنا أم غيلان صالحا * ونسوتها إذ هن شعث عواطل
فهن دفعـن الـمـوت بـعـد اقـترابه * وقد برزت للثائرين المقاتل
دعت دعوة دوسا فسألت شعابها * بعـز وأدتها الشراج القوابل
وعمراً جزاه الله خيرا فما ونى * وما بردت منه لدي المفاصل
فجردت سيفي ثم قمت بنصله * وعن أي نفس بعد نفسي أقاتل
قال بن هشام: حدثني أبو عبيدة أن التي قامت دون ضرار أم جميل ويقال أم غيلان قال: ويجوز أن تكون أم غيلان قامت مع أم جميل فيمن قام دونه.
فلما قام عمر بن الخطاب أتته أم جميل وهي ترى أنه أخوه فلما أنتسبت له عرف القصة فقال: إني لست بأخيه إلا في الإسلام وهو غاز وقد عرفت منتك عليه فأعطاها على أنها ابنة سبيل .
قال الرواي: قال بن هشام: وكان ضرار لحق عمر بن الخطاب يوم أحد فجعل يضربه بعرض الرمح ويقول: انج يا بن الخطاب لا أقتلك فكان عمر يعرفها له بعد إسلامه

مختصر: تهذيب سيرة ابن هشام لعبد السلام هارون