بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
عقلاء المجانين للنيسابوري
ضروب المجانين والمجنونً بلا حقيقة

فليت الذى تحير الناس فيه
قال محمد بن عبد الرحمن الكوفي كان لنا جار يقال له فليت وكان معتوهاً. وكانت له خالة وهي عجوز كبيرة قد أدركت عجائز الحي. فكنت أتحدث عندها وكان لها عقل ودين ، فكنت عندها ذات يوم، إذ دخل فليت فقلت له: يا فليت أيسرك أنك أمير المؤمنين ، فقال: لا ، فقلت: ولم ، قال: يثقل ظهري، ويكبر همي، وتنسيني النعم ذكر ربي. قلت: وفي الأرض عاقل لا يتمنى إنه خليفة ، قال: وفي الأرض عاقل يتمنى أنه خليفة.
قال محمد بن ثابت لقيت فليتاً فقلت له: ما تشتهي ، قال: عصيدة ، فجئته بها وأدخلته بعض المساجد فأكل حتى أتى على آخرها فظننت إن به جوعاً فقلت: أتحتاج الزيادة ، فقال: لا يا أخي هذا زادي إلى عشرة أيام.
قال عمرو العسكري رأيت فليتاً يوماً والصبيان يرمونه بالحجارة وهو يقول ( ولمن صبر وغفر ان ذلك لمن عزم الأمور ).
قال ومر بي يوماً فقال لي كم بقي من الشهر ، فقلت ثلاثة أيام. قال واويلاه ، انقضى الشهر ولم أتزود فيه لمعادي.

أبو سعيد الضبعي
قال سعيد بن عامر مر بي أبو سعيد الضبعي ذات يوم فقلت له ألا تجلس عندي ساعة ، قال بلى متزيناً بمجالستك فجلس ، فقلت: يا أبا سعيد ما أفضل الكلام ، قال: شهادة أن لا إله إلا الله وان محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلت وأي الأعمال أفضل ، قال إقام الصلاة. وإيتاء الزكاة، وصوم شهر رمضان، والحج إلى بيت الله الحرام، وبر الوالدين. قلت فأي الرجال أحب إليك ، قال أحسنهم خلقاً. قلت فأي النساء أحب إليك ، قال المتحببة النقية وإن كانت قبيحة.
قال بكار بن علي قلت لأبي سعيد يوماً كيف أصبحت ، قال أصبحت مؤمناً بالله لا أقول بقول القدرية ولا المرجئة ولا بقول الجهمية ولا الرافضة فأما القدرية فتزعم أن العبد لو لقي الله بمثل حبة خردل من المعاصي مصراً عليها كان في نار جهنم مخلداً. وأما المرجئة فتقول من لقي الله بشهادة لا إله إلا الله فهو في الجنة وإن زنى وإن سرق. وقالت الجهمية علم الله مخلوق فكفرت بالخالق. وقالت الرافضة بعث جبريل عليه السلام إلى علي فغلط فجاء إلى محمد. فكفرت بالله وجحدت محمداً صلى الله عليه وسلم. قلت فما تقول أنت ، قال: أقول خلق الله الخلق كما يشاء لا كما يشاؤون فمن عذبه منهم عذبه غير ظالم. ومن رحمه فرحمته وسعت كل شيء عز وجل أن يقال له لم وكيف فقد قال تعالى في كتابه العزيز (لا يُسأل عما يفعل وهم يُسالون). ثم قال يا ابن عامر هل أنكرت شيئاً ، قلت لا.
قال سعيد بن عامر كان بالبصرة وال يقال له محمد بن سليمان وكان كلما صعد المنبر أمر بالعدل والاحسان. فاجتمع قوم من نساك البصرة فقالوا أما ترون ما نحن فيه من هذا الظالم الجائر وما يأمر به. فأجمعوا ان ليس له إلا أبا سعيد الضبعي. فلما كان يوم الجمعة احتوشوا أبا سعيد وهو لا يتكلم حتى يحرك فلما تكلم محمد بن سليمان حركوه. وقالوا يا أبا سعيد، محمد يتكلم على المنبر يأمر بالعدل والاحسان. فقال يا محمد بن سليمان إن الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العزيز (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا يفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون). يا محمد بن سليمان ما بينك وبين ان نتمنى أنك لم تخلق إلا أن يدخل ملك الموت بيتك. قال فخنقت محمد بن سليمان العبرة ولم يقدر على الكلام. فقام أخوه جعفر بن سليمان إلى جانب المنبر فتكلم عنه. قال فأحبته النساك من حين خنقته العبرة. فقالوا مؤمن مذنب.
قال سعيد بن عامر: كان لجعفر بن سليمان جارية اسمها الخيزران وكان مفتوناً بها وشهر ذلك بالبصرة. فركب يوماً في جماعة من الموالي يريد الجمعة فمر بأبي سعيد الضبعي فلما حاذاه قيل لأبي سعيد هذا جعفر. فرفع رأسه وقال يا جعفر تحب خيزران قال نعم. فقال أبو سعيد:
نبئتها عشقت حشاً فقلت لها * لا يعشق الحش إلا كل كناس
قال فضرب جعفر وجه دابته ومضى حياءً من الناس.
وله حكايات اكتفينا منها بهذا القدر.

مختصر: عقلاء المجانين للحسن بن حبيب النيسابوري