بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
عقلاء المجانين للنيسابوري
المجنونً بلا حقيقة

أبو المبارك ميمون الحكيم
لما رمى الحجاج بيت الله بالعذرة وقتل ابن الزبير، أقبل رجل عليه عباءة قد شدها إلى عنقه، فطاف بالبيت سبعاً، ثم صعد إلى الحجر، فتكلم بصوت جهوري فأسمع الناس وقال:
أيها الناس: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني نبأته باسمي، أنا ميمون أبو المبارك المجنون، فاسمعوا ما أقول لكم. فإني متكلم ناطق، غير هائب ولا خائف، بل أقول بلسان صواب، ولا أخاف العقاب، بل أرجو الثواب من رب الأرباب، ذي المن والإفضال. إياه قصدت، وما عنده طلبت. ثم حمد الله فأحسن، ومجد فأكثر. ثم دعى دعوات وأعرب. فقال:
اللهم ، لك سجدت الجباه ولك خضعت الأعناق، ولك ذلة الأرباب. وأنت خالق السموات والأرض بلا تعب ولا مشورة لذوي الألباب. لم يعجزك ما أردت ولا يفتك ما طلبت، ولم يخف عليك شيء لبعده، ولا زدت في معرفة شيء لقربه. تعلم خفيات الضمائر كما تعلم كل شيء بين. أما السموات فلك مذعنة، وأما الأرضون فلك مطيعة، وأما الأفلاك فلك مسبحة. وأما الملائكة ففي عبادتك مجتهدة، وأما النبيون فلرسالتك مبلغة، وأما السحاب فبرحمتك مهطلة. والنار من خوفك تزفر وتفرق، والجنة مزينة بالحور والقصور. فيا من العدل قضاؤه ويا من الشكر رضاؤه، ويا من يتحلى في الجنة لأوليائه قد تكلمت بلسان ينطق بحمدك، وبقلب يخشع لهيبتك، وجوارح أذعنت لعظمتك. فأسألك يا من قصده العباد من كل البلاد، رجاء الثواب وخوف العقاب. أسألك مسألة طالب قد رجا الإجابة، وأيقن بقضاء الحاجة. ان تهلك الحجاج المتوثب على بيتك برمي العذرة. والقاتل لأصحاب نبيك صلى الله عليه وسلم المطهر من كل ريبة.
اللهم ، إذا ذكرت عبادك بالرحمة، فاذكره بأشد غضب واكمل عطب، انك أنت المستجيب للدعاء.
اللهم ، هذا البيت بيتك، وهذا الحرم حرمك، وهذا حجر إسماعيل نبيك. اللهم ! أنت ذو الجلال والإكرام.
ثم أتى منىً والناس أجمع ما كانوا. فصلى صلاة الفجر ثم قام قائماً على قدميه ثم قال:
أيها الناس ، أليس إلى الله قصدتم وما عنده طلبتم ، فإذا سألتموه فابتهلوا. وإذا دعوتموه فاخضعوا. والحجاج فالعنوا فإنه نجس الولادة.
اللهم ، فلا تنجه من سخطك واحرمه رحمتك التي وسعت كل شيء. إنك ذو الجلال والإكرام.
فاجتمع الناس إليه وقالوا له: أيها الرجل: من أين أنت، قال من بلاد الله. قالوا فأين تأوي ، قال إلى أرض الله. قالوا: فما قصتك وقصة الحجاج ، أظلمك بشيء ، قال نعم. قالوا: ماذا ، قال: قصد بيت ربي فنجسه، وقتل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وأهان. فوجبت اللعنة عليه، واستوجب منا العداوة. ولم أعرف موضعاً أجل من هذه الثنية. موضع ولد فيه محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه. فأحببت أن أُتعب نفسي من أجله وبالدعاء عليه.
ثم مر يسحب كساءه، وقد تبين فيه أثر الجوع، فاتبعه رجل من التجار فقال: السلام عليك يا أبا المبارك ، قال: وعليك السلام يا وافد الله ، قال: لي إليك حاجة. قال: وما هي ، قال: تأتي منزلي فتأكل كسرة خبز وتشرب شربة من سويق. قال: على شرط. قال: وما شرطك ، قال: ألا تكون ظالماً ولا عوناً لظالم. فما عملك ، قال: تاجر. قال: أفما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يحشر التجار فجاراً إلا من اتقى وبر وصدق ". قال: فإني لا أمدح عند البيع ولا أذم عند الشرى. قال: منك يا أخي طاب القرى.
فأتى إلى رحله فأكل رغيفاً وملحاً ولم يزد عليه بشيء. ثم قال: يا أخي ، أوصني. قال: خف الله خوف حذر، وارجه رجاء متملق، وعليك بأكل الحلال، وبذل النوال لأهل الأقلال، وادخل الجنة بسلام. قال: فأعجبني ما سمعت من قوله.
فلما انقضى الموسم أقبل أصحاب الحجاج إلى الحجاج وأخبروه بخبر ميمون وقالوا: ما منعنا من أخذه إلا العامة وجلبتهم. والغوغاء وضجتهم. فدعا الحجاج بقائد من قواده من خاصة أصحابه. وقال: سر في البلاد واطلب هذا الرجل، ولك الجباء والجائزة.
فأتعبوا أبدانهم وأحفوا دوابهم في طلب ميمون. وهو من أهل الكوفة ومسكنه بها. فدخل القائد الكوفة. فإذا هو جالس على مزبلة والصبيان حوله وهو يقول لهم، إنه لم تجر عليكم الأقلام، ولم تكتب عليكم الآثام، فانظروا أن لا تطيعوا إبليس عدوكم فإنه عدو أبيكم آدم عليه السلام من قبل وهو الذي أعانه بعد القضاء على الخروج من الجنة. وعليكم بأخلاق الصالحين والاقتداء بالمؤمنين، منهم الصديق ذو الحق المبين، ثم عمر الفاروق لم يكن عنده حق الله يزول، ثم عثمان ذو النورين. ثم علي الرضى سال السيف في المنافقين الأردياء. فإذا فعلتم ذلك كنتم مع الأولياء. ولم يزل يعظهم. فلما فرغ قالوا له: هل لك في طعام طيب تأكله وثوب لين تلبسه ، فقال: كذبتم ما لهذا قصدتم ولا لهذا أردتم. إنما تريدون أن يحملوني أصحاب الحجاج إلى الحجاج وإنما جئتم في طلبي فلا تقيدوني ولا تغلوني فإني لكم سامع مطيع.
فأحسنوا رفقته والمشي به فلما اشرف على بلد واسط قال له القائد إذا دخلت على الأمير فسلم عليه. قال: فإذا لم أُسلم عليه ، قال: يقتلك. قال: فإن أنا سلمت عليه وساءلني فصدقته الجواب. أيقتلني ، قال: نعم. قال: فما كنت بالذي أُسلم على رجل عاص قتل أولياء الله ووالى أعداء الله. فهو بغيض للهز،
ثم دخل القائد فأخبره بخبره ففرح الحجاج وقال: علي به، فأُتي به. فوقف بين يديه صامتاً لم يتكلم وعليه عباءة قد شدها إلى عنقه. فاستحقره الحجاج لما رأى من نحالة جسمه وسوء حاله فأنشأ يقول:
إياك أن تزدري الرجال وما * يدريك ما ذا يجنه الصدف
نفس الجواد العتيق باقية * فيه وإن من جسمه العجف
فالحر حرّ وإن ألمّ به * الضر ففـيه الـحـياء والأنـف
فلما سمع الحجاج مقالته وشعره علم أنه حكيم. فقال: من أنت ، ومن أين أنت،
قال: عبد الله وابن عبيدة.
قال: فما منعك من السلام،
قال: ما كنت بالذي أُسلم ولو سلمت خفت أن لا ترد علي.
قال: ما اسمك ،
قال: أما اليوم فميمون. وما أدري ما اسمي عند ربي إذا دعيت. بالسعادة أُدعى أم بالشقاوة أُنادى ، فإن قيل سعد فلان فما أحتاج إلى اسمي، وإن قيل شقي فلان فلا حظ لي عند ربي.
قال: يا ميمون ، إني سائلك عن مسائل فانظر أن يكون الجواب صواباً.
فقال: يا حجاج إنما لساني بضعة من بدني. فإن أطلق مولاي الصواب نطق به اللسان. وما أنا وأمر لا أطيقه ولا أفعل إلا بحركة ولا حركة إلا بمعين.
قال: ويحك وما اللسان ،
قال: هو الذي يترجم عن الإنسان.
قال: وإنسان أنت ،
قال: نعم.
قال: ومن أين علمت أنك إنسان ،
قال: لأني أفهم وأعقل وأطيع وأعصي، وآكل بيدي وأشرب تجرعاً وأتغوط خالياً. وليس هذا إلا فعل الانسان. وقد قال الله عز وجل: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأُنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا). فعرفت ما يضر مما ينفع.
قال: فما خلقك ،
قال: من ماء من عوج من بين لحم ودم. فهو في وقت إزعاجه دم أحمر. وفي وقت نزوله ماء أبيض. فإذا استقر في مستقر قراره صير معه مضغة مخلفة وغير ثم صير منه لحماً وعظماً ودماً وعروقاً وجلداً. فغشي العظم بالجلد. وشبك بالعروق والعصب. وغشى بالجلد وليس في بدن عرق ساكن إلا وتحته ضارب. ولا ضارب إلا وتحته ساكن. فإذا سكن الضارب قلق البدن. وإذا ضرب الساكن اضطرب، فمن قام بحقها استوجب من الله الثواب. ومن لم يقم بحقها استوجب من الله الزوال. فلا يخرج أحد من بطن أمه حتى يكتب أجله ورزقه وعمله وشقي أو سعيد.
قال: فما تعمل إذا كان قد فرغ من أمرك،
قال: أعمل لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إعملوا فكل ميسر لما خلق له ". ولما خلق الله عز وجل آدم عليه السلام ضرب يده على صلبه. فاستخرج ذريته فأراهم إياه. ثم قبض قبضة اليمين فقال هذه إلى الجنة ولا أُبالي. ثم قبض القبضة الأُخرى وقال هذه إلى النار ولا أُبالي. ثم أنزل الله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم في ذلك قرآناً وقال (وأما ان كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين. وأما إن كان من المكذبين الضالين). يعني أصحاب القبضة الأُخرى. (فنزل من حميم وتصلية جحيم) فتقدر أن تنكر هذا ،
فقال الحجاج: ويحك يا ميمون تحسن مثل هذا وأنت تدعى مجنوناً.
فقال: يا حجاج ، إن أهل البطالة إذا نظروا لأهل محبة الله سموهم مجانين، وقد سبق القول منهم، لو رأيتموهم لقلتم مجانين، ولو رأوكم لقالوا: لا تضمنون بيوم الحساب، وأنت يا حجاج ، لو كنت تؤمن بالله واليوم الآخر بكلية قلبك، لشغلك عن أكل الطيب، ولبس اللين، ولكنه استقذرك، فطردك، ولو أرادك لاستعملك. إن لله عباداً مطهرين مطيعين، بالعبادة مشتغلين، وهم ثلاثة أصناف:
فقوماً عبدوه شوقاً إليه، فقلوبهم لا تشتغل بغيره، لأن قلوبهم قد ألفت، وسقاهم ربهم بكأس الوداد شربةً فقاموا شوقاً، فلا تحط رحالهم إلا في قرب الله. فهم خاصته في أرضه.
وقوماً عبدوه خوفاً من النار، لما سمعوا قوله تعالى: (قووا أنفسكم وأهليكم ناراً) فحذروا وبادروا واجتهدوا خوفاً من النار من تحتهم ومن فوقهم وعن أيمانهم، وعن شمائلهم. فالأفاعي تلسعهم، والعقارب تلذعهم، كلما استغاثوا جدد لهم العذاب، وهو عدل من الرحمن. فنجاهم الله منها.
وقوماً عبدوه طمعاً في الجنة دار أوليائه، محل أصفيائه. لما سمعوا قوله تعالى (سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار) فصبروا على الألم، حتى استوجبوا الرضى، والعفو عما مضى، فقلوبهم تحن إلى جوار الله سبحانه، ليسكنهم في قصور من فضة، وخيام مزينة، ومجالس متخذة، والحور أزواجهم، والطير يظلهم، والملائكة تخدمهم.
فقال الحجاج: يا ميمون ، وصفت الجنة ولم تصف أزواجها، فهل لك أن أُريك شيئاً يذهل عقلك، ويلجلج لسانك ، ثم نادى الحجاج يا أملس ، فخرجت جارية معتدلة القامة، في حسن تام، عليها قباء رقيق وهي تمشي وتخطر، ولها ذوائب قد جللت أكتافها. فلما نظر إليها ميمون قال: ويحك يا حجاج ، ما تصنع بهذه الجارية ولها أجل مسمى، وأيام محصاة ، ثم اخرج من كمه رغيفاً يابساً، فقال: يا حجاج ، انظر إلى هذا الرغيف ويبوسته، إن أطعمته جائعاً ملهوفاً رجوت الله أن يزجني جارية كأن الشمس تطلع من بين عينيها، وكأن الغنج يجري في حركاتها فأُطرب، وتكلمني فأُنعم، وأرجو أن أكون قد استوجبتها في هذا الوقت لقولي الحق، وتركي الهوى.
قال الحجاج: يا ميمون امدحني فأُحسن جائزتك.
قال: يا حجاج ، والله ما أعرف فيك خيراً فأقوله. وإن قلت ما أعرف فيك ذممتك، ولكن ما أذم الناس، لأن في نفسي ما شغلني عن عيب غيري.
قال الحجاج: قد أمرت لك بأربعة آلاف درهم.
قال: المال فرده إلى الموضع الذي سرق منه، ولا تكن لصاً جواداً تجود به على من ان ذمك لا يضرك، وإن مدحك لا ينفعك. خلي سبيلي أسأل الله، بقوت يغني عن نوالك ونوال أضرابك.
فخلى الحجاج سبيله فمضى مسلماً. ثم قال لابن طاهر:
لنا حاجة والعذر فيها مقدّم * خفيف معلاها مضاعفة الأجر
فإن تقضها والحمد لله وحده * وإن كانت الأخرى ففي أوسع القدر
بلى إنه الرحمن معط ومانع * وللحرّ أسباب إلى قدر يجري

مختصر: عقلاء المجانين للحسن بن حبيب النيسابوري