بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
عقلاء المجانين للنيسابوري
حكماء من الاعراب

جساس الموسوس
قال الأصمعي: قال عمي: دخلت بعض أحياء العرب فرأيت شيخاً موسوساً يهذي، وقد اجتمع إليه الناس. فقلت من هذا ، فقالوا جساس الموسوس لا يزال ينام ليله ونهاره، وربما ينتبه فزعاً مرعوباً فيجلس ساعةً، ثم يصيح ويهيم على وجهه، ثم يعود إلى نومه. فبت ليلةً هناك، وهو على الحال الذي وصفوه، فلما أصبحنا أتيته. فقلت: ما اسمك يا شيخ ، أنت أنوم من فهد. مالك تنام دهرك ، فقال: النوم لا تبعة علي فيه، وفي مجالستك ومجالسة أضرابك تبعات. قلت: وأي تبعة عليك في مجالستي ، قال: اشتغل بك عمن أنشأني، ثم أنشأ يقول:
لقد أغنيت عن هذا السؤال * وعما أنت فيه من المقال
فإن كنت الغداة تريد قولاً * فما فيه رضى مولى الموالي
ثم عدا هائماً على وجهه في تلك الرمال قائلاً: ما أكثر فضول أهل الحضر.

أوفى البدوي
قال المدايني: كان بمكة مجنون يقال له أوفى البدوي من مجانين الاعراب وكان يصلي الليل كله، فإذا أحس بالصبح رمى بطرفه إلى السماء وأنشأ يقول:
ربّ مكحول بمحلول الأرق * قلبه وقف بنيران الحرق
فكره في الله في أوقاته * وبه يفتح فـــاه ان نـــطـــق

مجنون من بني سعد
قال الأصمعي: بينما أنا قاعد عند محمد بن سليمان الهاشمي والي البصرة إذ دخل عليه رجل فقال: أصلح الله الأمير إن بالمربد أعرابياً مجنوناً من بني سعد لا يتكلم إلا بالشعر، فقال: علي به، فأُتي به، فلما نظر الأعرابي إليه أنشأ يقول:
حياك ربّ الناس من أمير * يا فاضل الأصل عظيم الخير
فقال محمد: وأنت فحياك الله يا أخا بني سعد،
فقال الأعرابي:
إني أتاني الفارس الجلواز * والقلب قد طار به اهتزاز
فقال الأمير: إنما بعثنا إليك لنشتري ناقتك،
فقال الأعرابي:
ما قال شيئاً في شراء الناقة * وقد أتى بالجهـل والحماقة
قال الأمير: وما الذي أتى ،
فقال:
قد شق سربالي وشق بردتي * وكان زيني في الملا ومجدتي
فقال الأمير: إذاً نخلع عليك،
فقال الأعرابي:
نعّمك اللّه وأرخى بالك * وأكثر اللّه لنـا أمـثـالـك
فقال الأمير بكم اشتريتها ،
فقال:
شراؤها عشر ببطن مـكة * من الدنانير القيام السـكة
ولـن أبـيع الـدهر أو أزاد * إني لربح في الشرا معتاد
قال الأمير فبكم آخذها ،
فقال:
خذها بعشرٍ وبخمسٍ وازنه * فإنها ناقة صدق مازنة
فقال الأمير: بل تحط وتحسن ،
فقال:
سبحان ربي ذو الجلال العالي * تسأل احساني وأنت الوالي
قال الأمير: فنأخذها منك ولا نعطيك شيئاً ،
فقال:
فأين ربي ذو الجلال الأفضل * إن أنت لم تخش الآله فافعل
فقال الأمير: إني أسألك أن تحط.
فقال الأعرابي:
والله ما يجبرني ما تعطي * لا يداني الفقر مني حطّي
فأمر له بألف درهم وثياب من خاصة ملبسه.
فقال الأعرابي.
إني رمتني نحوك الفجاج * أبو عيال معدم محتاج
طاوي المطيّ مع ضيق العيش * فأنبت الله لديك ريشي
شرفتني منك بألفٍ حاضرة * شرفك الله بها في الآخرة
وكسوة طاهرة حسان * كساك ربي حلل الجنان
فضحك الأمير وقال: من زعم إن هذا مجنون ، وددت إني كنت مثله.

أبو الشريك
قال الأصمعي بينا أنا ذات يوم عند والي البصرة إذ قيل: مجنون بالباب يتكلم بالشعر. فقال: أدخلوه فدخل، فإذا هو رجل كأنه نخلة سحوق، نتن الأطراف موسوس، فسلم على الأمير، فرد عليه السلام، وقال: من أنت ، فقال:
إني أنا أبو الشريك الشاعر* من سأل عني فأنا ابن الفاغر
فقال الوالي: ما أمدحك لنفسك ، فقال:
لأنني أرتجل ارتجالاً * ما شئت يا من أُلبس الجمالا
قال الأصمعي: فقال لي الأمير: ما هذا مجنون. فألق عليه ما عندك، فقلت له: ما الريم ، فقال:
الريم فضل اللحم للجزار * ينحره للفتية الأيسار
فقلت: ما الحلوان ، فقال.
أليس ما يعطي على الكهانة * والحر لا يقنع بالمهانة
فقلت: ما الدكاع ، فقال:
إن الدكاع هو سعال الماشية * والله لا تخفي عليه خافية
قلت: فما التوله ، فقال:
عوذة عنق الطفل عندي توله * وقد تسمى العنكبوت توله
قلت: فما الرفة ، فقال:
الرّفة التبن فسل ماشيتا * لقد وجدت عالماً خرّيتا
قال الأصمعي: فاستحييت من كثرة ما سألته. فقال قل لي:
ما الهلقس والسحساح * والحمل الراوح لا يراح
قلت: الهلقس الطمع للحريص، والسحساح الذي لا يستقر في موضع، والراوح المهزول، فقال:
ما أنت إلا حافظ للعلم * أحسنت ما قلت بغير فهم
فقال الوالي: فحبذا كل مجنون مثل هذا. ثم أمر له بعشرة آلاف درهم، فلما قدم إليه المال قال:
أكلّ هذا هو لي بمرّه * تم سروري واعترتني مسره
ثم أقبل على الأمير فقال:
رشت جناحي يا أخا قريش * أقررت عيني وأطبت عيشي

مختصر: عقلاء المجانين للحسن بن حبيب النيسابوري