بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
عقلاء المجانين للنيسابوري
نساء من الأبرار

بجة
قال إسماعيل بن سملة بن كهل: كانت لي أخت أسن مني فذهب عقلها فكانت في غرفة في أقصى السطح. فمكثت بضع عشرة سنة وكانت مع ذلك تحرص على الطهور والصلاة وتتفقد الأوقات، وربما إذا غلبت على عقلها أياماً فتحفظ ذلك حتى تقضيه. فبينما أنا ذات ليلة إذا بباب بيتي يدق نصف الليل، فقلت: من هذا ، قالت: بجة. فقلت: أُختي، قالت: أُختك. قلت: لبيك ،وقمت وفتحت الباب فدخلت ولا عهد لها بالبيت من أكثر من عشرين سنة، فقلت لها: يا أُختاه خير. فقالت: رأيت الليلة في منامي فقيل لي السلام عليك يا بجة فرددت فقيل لي إن الله قد غفر لجدك وحفظك بأبيك إسماعيل فإن شئت دعوت الله فأذهب ما بك، وإن شئت صبرت ولك الجنة. فإن أبا بكر وعمر قد شفعا لك إلى الله بحبك أبيك وجدك وحبكم إياهما. قالت فقلت إن كان لا بد من اختيار أحدهما، فالصبر على ما أنا فيه، والجنة. وإن الله تعالى لواسع لخلقه لا يتعاظمه شيء إن شاء جمعهما. قيل: فقد جمعهما لك، رضي عن أبيك وجدك بحبهما أبا بكر وعمر رضي الله عنهما فقومي وانزلي. قال: فأذهب الله ما كان بها وعادت إلى أحسن الحالات. وكانت إذا حضر إليها طبيب تقول: خلوا بيني وبين طبيبي أشكو إليه بعض ما أجد من بلائي فلعله يكون عنده شفائي.

ميمونة وصاحبتها
قال إبراهيم بن الأدهم رأيت في المنام كأن قائلاً يقول: إن ميمونة السوداء زوجتك في الجنة. قال فكنت أطلبها حتى وجدت أثرها بحمص. فطلبتها فقيل إنها مجنونة لا تألف أحداً. قلت: فأين هي ، قيل: دفعنا إليها أغناماً ترعاها في الجبانة. فخرجت إلى الجبانة فإذا هي قائمة تصلي، والشاة والذئب في مكان واحد فوقفت متعجباً، فلما قضت الصلاة قالت يا إبراهيم ، الموعد في الجنة لا هنا. فعجبت من فطنتها فقلت: يا سبحان الله ، ألست مؤتمنة على هذه الأغنام ، قالت: بلى. قلت: فلم عطلتيها حتى توسطتها الذئاب ، قالت: سلمتها إلى منشئها. ثم قالت: ارتفعت الحشمة بيني وبين من أنا قائمة بين يديه. فهو الذي رفع الوحشة بين الشاة والذئاب ثم ولت وأنشأت تقول:
قلوب العارفين لها عـيون * ترى ما لا يراه الناظرونا
والـــسنة بسرّ قد تناجي * تغـيب عن الكرام الكاتبينا
وأجنحة تطير بغير ريش * إلى ملكوت رب العالمينا
فتسقيها أشراب الصدق صرفاً * وتشرب من كؤوس العارفينا
وقال بلال بن جماعة: فكرت ذات ليلة فقلت: يا رب من زوجتي في الجنة ، فأريت في منامي ثلاث ليال إنها جارية سوداء في أوطاس. فأتيت أوطاس فسألت عن الجارية فقال لي رجل: يا هذا ، تسأل عن جارية سوداء مجنونة كانت لي فأعتقتها ، قلت: وكيف كان جنونها ، قال: كانت تصوم النهار، فأعطيناها فطورها فتصدقت به، وكانت لا تهدأ بالليل ولا تنام، فضجرنا منها. قلت: فأين هي ، قال: ترعى غنماً للقوم في الصحراء، فإذا أنا بها قائمةً تصلي، فنظرت إلى الغنم فإذا ذئب يدلها على المرعى وذئب يسوقها ، فلما فرغت من صلاتها، سلمت عليها فقالت: يا بلال ، أنت زوجي في الجنة. قلت: قد رأيت ذلك في النوم. قالت: وأنا بشرت بك. فقلت: ما هذه الذئاب مع الأغنام ، قالت: نعم أصلحت شأني بيني وبينه، فأصلح بين الذئب والغنم،

عوسجة
قال محمد بن المبارك الصوري: خرجت حاجاً، فإذا أنا بجارية سوداء يقال لها عوسجة بلا عطاء ولا وطاء. فسلمت عليها فردت السلام. ثم قالت: أنت يا ابن المبارك على بطالتك بعد ، قلت لها: وكيف عرفتني ، فقالت: أضاءت مصابيح الآمال، في قلوب العمال. فتنورت جوارحي بنور الصفاء، فعرفتك بمعرفة من على العرش استوى. قلت: وما الصفا ، قالت: ترك أخلاق الجفا. قلت لها: من أين جئت، قالت: من عنده. قلت: وإلى أين تريدين ، قالت: إليه. قلت: بلا زاد ولا راحلة. قالت: يا أعمى ، أسألك عن مسألة، لو أتى أحدكم واستزار خاله إلى منزله أيجمل أن يحمل معه زاداً ، ثم أنشأت:
ارض بالله صاحباً * وذر الناس جانبا
صافه الودّ شاهداً * كنت أو كنت غائبا
لا تودّن غيره * ذا رفـيقـاً مـصـاحـبــا
قال صالح بن إسماعيل سمعت عوسجة وهي تطوف بالبيت الشريف تقول:
سرائر كتمان يبوح بها الهوى * واظهار وعد ما يراد سواه
قال عبد الرحمن الواسطي سمعت عوسجة ذات ليلة تقول:
جعل الظلام مطيةً لقيامه * لينال وصلاً ما يريد سـواه

ريحانة
قال إبراهيم بن الأدهم رحمه الله: ذكرت لي ريحانة فخرجت إلى الأيلة، فإذا أنا بجارية سوداء قد أثر البكاء في خديها خطاً، فذاكرتها شيئاً من أمر الآخرة. فأنشأت تقول:
من كان راكب يوم ليس يأمنه * وليله تائهاً في عقب دنياه
فكيف يلتذ عيشاً لا يطيب له * وكيف تعرف عين الغمض عيناه
وأنشدت أيضاً:
بوجهك لا تعـذبني فإني * أؤمل أن أفوز بخير دار
منجدة مزخرفة العلالي * بها المأوى ونعم هي القرار
وأنت مجاور الأبرار فيها * ولولا أنت ما طاب المزار
وأنشدت أيضاً:
اجعل لنفسك في الليالي نبهة * تنبهك من خلل المنام قيام
وأنس إلى طول القيام مخـلدا * واترك لذاذ النوم والأحلام
وأيضاً:
تعـــوّد سهر الليل * فإن النوم خسران
ولا تركن إلى الذنب * فإن الذنب نيران
فكن للوحي درّاساً * وللـقـراء أخـدان
إذا ما الليل فاجاهم * في الليل رهبان
يميلون كما مال * من الأرياح أغصان

حيونة
قال راشد بن علقمة الأهوازي كانت حيونة إذا جنها الليل تقول في دعائها: يا واحدي تمنعني بالليل التلاوة، ثم تقطعني عنك بك في ضياء النهار. إلهي ، وددت أن النهار ليل حتى أتمتع بقربك.
قال سلام الأسود طلعت عليها الشمس يوماً فآذتها فقالت:
إن كنت تعلم أنني بك واله * فاصرف سموم الشمس عني سيدي
قال فغمت السماء في الوقت.
قال سلام صامت حيونة حتى اسودت، فعوتبت في ذلك فرفعت طرفها إلى السماء وقالت قد لامني خلقك في خدمتك فوعزتك وجلالك لأخدمنك حتى لا يبقى لي عصب ولا قصب. ثم أنشأت تقول.
يا ذا الذي وعد الرضى لحبيبه * أنت الذي ما أن سواك أُريد
قال سلام الأسود نظرت إليها في يوم شديد الحر، فقالت اسكت عند المبلغ تفرح الواردون، وعند العرض تنقطع الأسباب، وعند قوله خذوه تنشر أعلام العارفين.
زارت رابعة حيونة فلما كان جوف الليل حمل النوم على رابعة. فقامت إليها حيونة فركلتها برجلها وهي تقول قومي قد جاء عرس المهتدين. يا من زين عرائس الليل بنور التهجد.
قال سلام: وقفت حيونة يوماً على عبد الواحد ثم نادت يا متكلم تكلم عن نفسك، والله لو مت ما تبعت جنازتك. قال: ولم ، قالت: تتكلم على الخليفة وتتقرب لهم ، ما شبهتك إلا بمعلم صبي علمه أن يحفظ بالعشي فإذا بكر من بيت أمه نسي. فيحتاج المعلم إلى ضربه. إذهب يا عبد الواحد ، إضرب نفسك بدرة الأدب، وتزود زاد القناعة، واجعل حظك مما أنت فيه الكلام على نفسك، ثم تكلم على الخليقة. قال سلام فلقد عرق عبد الواحد وأقام ما يتكلم على الناس سنة. وأنشدت.
وليس للميت في قبره * فطر ولا أضحى ولا عشر
بان من الأهل على قربه * كذلك من مسكنه القبر
قال سلام سمعت حيونة تقول: من أحب الله أنس، ومن أنس طرب. ومن طرب اشتاق. ومن اشتاق وله. ومن وله خدم. ومن خدم وصل. ومن وصل اتصل. ومن اتصل عرف. ومن عرف قرب. ومن قرب لم يرقد. وتسورت عليه بوارق الأحزان.
وكانت تقول اللهم هب لي سكون قلبي بعقد الثقة بك. واجعل جميع خواطري واثقة برضاك. ولا تجعل حظي الحرمان منك. يا أمل الآملين،

مختصر: عقلاء المجانين للحسن بن حبيب النيسابوري