بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مختصر موسوعة المفاهيم العربية والإسلامية
الصادرة عن المجلس الأعلى للشئون الإسلامية
تابع حرف الميم من مصحف الى المقولات العشر


مفهوم : المصحف
لغة: أصحف الكتاب: جمعه صحفا.
واصطلاحا: عنوان على الطراز المخصوص المتمحض للقرآن الجامع لجميع أطرافه بين دفتيه.
وقد بدأت الكتابة للقرآن مبكرة فى عهد النبى صلى الله عليه وسلم وبأمر منه فكان له كتاب معروفون ،يأمرهم بكتابة كل ما ينزل عليه من القرآن فيكتبونه بين يديه،
قال الحافظ ابن حجر فى فتح البارى: "وروى أحمد وأصحاب السن الثلاثة وصححه ابن حبان والحكم من حديث عبد الله بن عباس عن عثمان بن عفان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يأتى عليه الزمان ينزل من السور ذوات العدد فكان إذا نزل عليه الشىء يدعو بعض من يكتب عنده فيقول هذا فى السورة التى يذكر فيها كذا".
وكانوا يكتبون على ما اتفق لهم وما تيسر من الحجارة والعظم وجريد النخل وقطع الجلد وما إلى ذلك وكذلك توفرت همم الصحابة رضى الله عنهم على كتابته لأنفسهم ، ومما يجدر التنبيه إليه أن حديث عثمان السابق كما يفيد أنه كان له صلى الله عليه وسلم كتاب يكتبون له ما يتنزل عليه من نجوم القرآن ،فكذلك يفيد أنه كان يأمرهم - عند وقوفه على الترتيب أن يرتبوا النجوم فى مواضعها من السور "بل ذاك صريح الدلالة من منطوقه. وهذا هو عين المقصود أيضا من التأليف فى الرقاع فى قول زيد بن ثابت. قال الزركشى رحمه الله (أسند البيهقى فى كتاب "المدخل" و "الدلائل" عن زيد بن ثابت قال: كنا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن ، زاد فى "الدلائل" نؤلف القرآن فى الرقاع ، قال: وهذا يشبه أن يكون المراد به تأليف ما نزل من الآيات المتفرقة فى سورها وجمعها، وفيها بإشارة النبى صلى الله عليه وسلم وأخرجه الحاكم فى المستدرك وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه".
وبطبيعة الحال لم يكن ممكنا - مع هذا الترتيب للآيات - ترتيب ما كان يكتب فيه عن الأشياء المتنوعة المختلفة حجما وكيفا بحيث يمكن وضعها بين دفتين كأوراق الكتاب الواحد، بل بقيت تلك الأشياء بحكم طبيعتها مفرقة غير مرتبة. وإلى جانب هذه الضرورة التى حالت وقتئذ دون كتابة القرآن فى مصحف واحد جامع لجميع أطرافه ، كانت ضرورة أخرى تمثلت فى أن القرآن قد استمر نزوله نجما فنجما منذ بعثته صلى الله عليه وسلم إلى قريب جدا من ؤفاته. فلم يكن يمكن - والحال هذه - قيام المصحف الجامع ، وضرورة ثالثة تمثلت فيما سبق التنبيه إليه من كتابة نجوم القرآن مرة متفرقة حسب نزولها، ومرة مرتبة عند الوقوف على الترتيب ، ورابعة تتمثل فى احتمال وقوع نسغ فيحتاج الأمر معه إلى محو المنسوغ ، ثم إلى إثبات الناسخ إن كان النسخ إلى بدل.
أما الباعث على كتابة القرآن وقتئذ مع كون النبى صلى الله عليه وسلم بين ظهرانى القوم يحفضه ويدارسه إياه جبريل ، كما حفظه -ولو من حيث الجملة - العدد الكثير من أصحابه ، فهو بذل أقصى العناية فى المحافظة عليه والتوثق لسلامة نصه جملة وتفصيلا من أى تحريف. لا ثم كان العهد البكرى ومافيه من حروب الردة فخشى عمر رضوان الله عليه أن تفنى تلك الحروب الكثير من قراء القرآن وحفاظه ، فيضيع شىء منه ، أو تذهب الثقة به بانخرام تواتره. ولاسيما مع عسر الرجوع فيه إلى ما كتب عليه من الأشتات المبعثرة التى لا يجمعها جامع فضلا على إمكان ضياع شىء منها،
فجاء إلى الصديق وطلب إليه جمع القرآن مرة أخرى. لكن هذه المرة فى صحف من جنس واحد، متماثلة الحجم يمكن جمعها بسهولة برباط واحد، ولم يزل الصديق رضى الله عنه يستنكف مباشرة أمر فى ذلك لم يباشره رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شرح الله صدره لما شرح له صدر عمر. فدعى زيد بن ثابت الشاب العاقل الثقة المتمرس بكتابة الوحى للنبى صلى الله عليه وسلم فأمر بجمع القرآن على النحو الذى أشار به عمر.
وبعد تردد شديد لعين السبب الذى تردد له الصديق شرح الله صدر زيد لما شرح له صدر الشيخين فنهض لهذه المهمة يعاونه الشيخان والأكابر من الصحابة حتى قام بها على خير وجه. وهكذا تم الجمع البكرى لباعثه المذكور، ومن فوائده ما لخصه شيخنا غزلان فقال:
1- البحث عن القطع المختلفة التى كتب فيها القرآن من قبل وجمعها قبل ضياع شىء منها أو تأكل حروفها.
2- تجديد كتابتها فى صحف مجتمعة صالحة للاحتفاظ بها دائما.
3- اتصال السند الكتابى بالأخذ عن الصحف التى كتبت بين يدى النبى صلى الله عليه وسلم كاتصال السند المتواتر فى الرواية والتلقى عن الشيوخ ، فتكون كتابة أبى بكر بمثابة الطبقة الثانية من الشيوخ ، وكتابة عثمان بمثابة الطبقة الثالثة. وهكذا مرات الإنتاج من المصاحف العثمانية، ولا يخفى ما فى ذلك من الاهتمام بشأن القرآن والعناية به. ولقد ظلت الصحف التى فيها جمع القرآن عند أبى بكرحتى مات ، ثم عند عمر حتى مات ،ثم انتقلت إلى حفصة إحدى أمهات المؤمنين.
ثم كان عهد عثمان وفيه من التساهل ما لم يكن فى عهد الشيخين من قبله ، وكانت رقعة الإسلام قد اتسعت بكثرة الفتوح ودخول كثير من أهل الأمصار المفتوحة فى الإسلام ،وتوزع تبعا لذلك الأصحاب على الأمصار ما بين مقيم وغاز، فكانوا يقرؤون القرآن ويقرؤونه للناس ، كل على حسب الحرف الذى سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وربما تساهل البعض منهم فذكر أثناء قراءته تفسيرا لشىء مما يقرأ أو ذكر منسوخا أو دعاء لحصول الأمن من التباس غير القرآن بالقرآن ، كما كان الأمر فى مصاحفهم الخاصة التى كتبوها لأنفسهم ،والتى اشتملت فوق هذا على حذف بعض السور كالفاتحة والمعوذتين ثقة بكمال حفظها وأمنا من نسيانها كما قيل فى شأن مصحف ابن مسعود، أو إدماج سورة فى أخرى دون ذكر البسملة بينهما كسورتى الفيل وقريش حسبما قيل فى مصحف أُبَىٍّ على ما فى الإتقان وغيره.
فكان أهل الأمصار إذا اجتمعوا فى مناسبة من غزو أو حج أو عمرة واختلفوا فى قراءة القرآن تبعا لاختلاف مصادرهم فى القراءة من الصحابة ففضل البعض قراءة نفسه على قراءة غيره ، ويرى أن قراءته مصحوبة بشىء مما قلناه ، خير من الخالية من ذلك ، على حين يرى الآخر أن القراءة المتمحضة للقرآن المتجردة للمقروء منه عن كل ما سواه أفضل. وقد يصل هذا التفضيل إلى حد التضليل والتفسيق ، بل ربما التكفير.
فلما اشتد الخلاف ، وخشيت الفتنة رأى عثمان رضى الله عنه أن يجمع الناس جميعا على قراءة واحدة هى ما تمحضت للقرآن وتجردت من غيره.
حدث أنس بن مالك أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازى أهل الشام فى فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق ، فأفزع حذيفة اختلافهم فى القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أميرالمؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا فى الكتاب اختلاف اليهود والنصارى.
فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلى إلينا بالصحف ننسخها فى المصاحف ، ثم نردها إليك ، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبدالرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها فى المصاحف ، وقال عثمان للرهط القريشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت فى شىء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم ففعلوا.
حتى إذا نسخوا الصحف فى المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، فأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن فى كل صحيفة أومصحف أن يحرق.
هكذا كان أول العهد بالمصحف الإمام الجامع الذى أجمع عليه الصحابة وصوبوا صنيع عثمان به غاية التصويب، والذى كان الأصل لما نسخ منه من المصاحف إلى يومنا هذا، أما عدد المصاحف التى نسخها عثمان وأرسل بها إلى الأمصار فالمترجح فيه أنه كان بحيث يعم جميع الأقطار التى دخلها الإسلام ، قال صاحب البيان عليه الرحمة بعد ما ذكر الأقوال المختلفة فى عدد المصاحف معزوة إلى مصادرها: فظهر من هذا أن الذين ذكروا هذه الأقوال لم يذكروا منها دليلا يؤيده ، إلا أن العقل والنقل كليهما يؤيدان من يزيد فى عدد المصاحف لا من يقلل منها.
أما العقل فهو أن الغرض من إرسال المصاحف إلى الأمصار هو القضاء على الفتنة التى كانت قائمة حينئذ بسبب اختلاف المسلمين فى القراءة، والمنع من حدوث هذه الفتنة مرة أخرى فى بلد ما من بلاد المسلمين ، وهذا الغرض لا يتحقق بإرسال المصاحف إلى بعض الأمصار دون بعض.
وأما النقل فهو قول أنس بن مالك فى الحديث السابق الذى رواه البخارى أنهم لما نسخوا الصحف فى المصاحف أرسل عثمان إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، فكلمة إلى كل أفق تدل بعمومها على أنه أرسل المصاحف إلى جميع الأمصار لا إلى بعضها دون بعض.
أ.د/ إبراهيم عبد الرحمن محمد خليفة

مفهوم : المضاربة
لغة: ضاربه - ولفلان - فى ماله: اتجر له فيه ، أو اتجر فيه على أن له حصة معينة فى ربحه ،كما فى الوسيط.
والمضاربة والقراض اسمان لمسمى واحد ، فالقراض لغة أهل الحجاز، والمضاربة لغة أهل العراق.
وشرعا: هى توكيل مالك يجعل ماله بيد آخر ليتجر فيه ، والربح مشترك بينهما.
والمضاربة جائزة شرعا ، والأصل فى مشروعيتها عموم قوله تعالى: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم} البقرة:198 , وفى المضاربة ابتغاء لفضل الله.
وقد روى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قسم ربح ابنيه فى المال الذى تسلفاه بالعراق فربحا فيه بالمدينة فجعله قراضا، عندما قال له رجل من أصحابه: لو جعلته قراضا ففعل.
وقد قام الإجماع على جواز المضاربة، فيقول الشوكانى بعد نقله لآثار عن الصحابة التى تدل على تعاملهم بالمضاربة: " فهذه الآثار تدل على أن المضاربة كان الصحابة يتعاملون بها من غير نكير، فكان ذلك إجماعا منهم على الجواز.
وللمضاربة أركان تقوم عليها، وهى :
1- الصيغة: فلابد من وجود إيجاب وقبول يفصح بهما الطرفان عن رغبتهما فى التعاقد، كأن يقول شخص لآخر ضاربتك أو قارضتك أو عاملتك بألف جنيه على أن يكون الربح بيننا نصفين.
2- العاقدان: فالمضاربة لا تتم إلا بتلاقى إرادتين على إنشائه ، وهما المضارب ورب المال ، ويشترط فيهما أن يكون كلا منهما أهلا للتعاقد، وهى أهلية التوكيل والوكالة.
3- رأس المال: وهو ما يدفعه رب المال للمضارب ليتجر فيه ، ويشترط فيه أن يكون معلوما، وأن يكون نقدا رائجا، وأن يكون عينا لا دينا، وأن يسلم إلى المضارب.
4- العمل: وهو ما يقوم به المضارب من أعمال لتنمية رأس المال ، ويشترط أن يختص المضارب بالعمل ، فينفرد به دون صاحب رأس المال ، فلا يجوز لرب المال أن يشترط عليه العمل معه ، وتفسد المضاربة بهذا الشرط.
ويرى الشافعية أن عمل المضارب مقيد بالأعمال التجارية فقط "أى البيع والشراء" فلا يجوزأن يشترط عليه العمل مع التجارة.
بينما ذهب الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أن عمل المضارب غير مقيد بالبيع والشراء، فيجوز له أن يستأجر ويغرس وغير ذلك(.
5- الربح: وهو ما زاد عن رأس مال المضاربة ، نتيجة لعمل المضارب فى ذلك المال واستثماره ، فهو ثمرة لالتقاء رأس المال بالعمل البشرى، لذا كان مشتركا بين العاقدين ، رب المال مقابل ما قدمه من مال تحتاجه المضاربة والمضارب ، لأنه قام بالعمل والاستثمار، والاشتراك فى الربح هو الهدف من المضاربة، لذا فقد اهتم الفقهاء ببيان شروطه ، والتى نوجزها فيما يلى: يشترط فى الربح أن يكون مشتركا بين العاقدين ، وأن يكون مختصا بها، أى قاصرا عليهما لا يعدو الشريكين ، وأن يكون نصيب كل منهما معلوما عند التعاقد، وأن يكون نسبة شائعة من جملة الربح ، كنصف الربح أو ثلثه ، ولا يجوز أن يحدد بمبلغ معين كمائة جنيه مثلا.
وللمضارب فى المضاربة خمسة أحوال:
1- فهو أمين كالوديع عند قبضه لرأس المال وقبل التصرف فيه ،لأنه قبضه بإذن المالك لا على وجه البدل والوثيقة.
2- وهو وكيل لرب المال بالتصرف فى مال المضاربة، لأنه يتصرف فى مال الغير بأمره.
3- وهو شريك لرب المال فى الربح عند تحققه.
4- وهو أجير لرب المال إن فسدت ،المضاربة لأى سبب.
5- وهو غاصب لمال المضاربة إن خالف شروط رب المال أوالعمل فى ما لا يملك فعله.
وقد اتفق الفقهاءعلى أن المضارب أمين على ما بيده من مال المضاربة، فلا يضمن ما يصيبه من تلف أوخسارة إلابتعديه أو تفريطه ،شأنه شأن الوكيل. فإذا حصل تلف أو خسارة فى رأس المال بسبب تعد أو تفريط من المضارب ، فإنه يكون مسئولا عنه ضامنا له.
وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يجوز اشتراط الضمان على المضارب ، وإذا اشترط فلا يصح.
ويملك المضارب بمقتضى عقد المضاربة العديد من التصرفات التى تعتبر من ضرورات التجارة أو لواحقها مما جرت به عادة التجارة، كالبيع والشراء والمقايضة، والتعامل بمختلف العملات ، والبيع نسيئة، والإحالة والحوالة ، والرهن والارتهان والاستئجار ... إلخ.
وتفسد المضاربة إذا فات ركن من أركانها، و تخلف شرط من شروط صحتها،كما أنها تفسد إذا دخلها شرط مفسد، والشروط الفاسدة هى التى تنافى مقتضى العقد، أو تلك التى تعود بجهالة توزيع الربح، أو أن يشترط ما ليس من مصلحة العقد ولا مقتضاه.
أ.د/ على مرعى

مفهوم : المعاصرة
لغة: على وزن مفاعلة من العصر، وللعصر عدة معان أهمها وقت وجوب صلاة العصر وهو الوقت فى آخر النهار إلى احمرار الشمس. وعاصر فلانا لجأ إليه ولاذ به وعاش معه فى عصر واحد (كما فى
المعجم الوسيط).
واصطلاحا: ورد لفظ العصر فى القرآن الكريم فى قوله تعالى: {والعصر إن الإنسان لفى خسر. إلا الذين أمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} العصر 1-3.
يقول البيضاوى فى تفسير الآية الأولى من هذه السورة: "أقسم سبحانه بصلاة العصر لفضلها، أو بعصر النبوة، أو بالدهر لاشتماله على الأعاجيب".
والمعاصرة حسب هذا التعريف هى المعايشة بالوجدان والسلوك للحاضر والإفادة من كل منجزاته العلمية والفكرية وتسخيرها لخدمة الإنسان ورقيه.
وتستخدم المعاصرة فى مقابل الأصالة، فيقال مثلا: " الإسلام بين الأصالة والمعاصرة " بمعنى كيفية تمكن الإسلام من مسايرة العصر والوفاء بمتطلباته والتعامل مع مقتضياته المتغيرة بثوابته الأصلية.
والمعروف أن الإسلام يتضمن إلى جانب ثوابته الأصلية التى تتعلق بأصوله ، مناهج تفتح كل الأبواب للتعامل مع كل المستجدات.
فبجانب ثوابت العقيدة التى تصلح بطبيعتها لكل زمان ومكان لأنها متأسسة على الرسالة الخاتمة ومستمدة من فطرة الله التى فطر الناس عليها، هناك مناهج للتشريع تعتمد فى تطبيقاتها على الاجتهاد بإعمال العقل السليم فيما يجلب المصلحة العامة ويدرأ المفسدة ويسد الذرائع ، فهى توجد ، كما يقول الشاطبى "حيث يكون العمل فى الأصل مشروعا لكن ينتهى عندما يؤول إليه من المفسدة" وقد عمل به الإمام مالك فى أكثر أبواب الفقه. ويعتبر الإمام محمد أبو زهرة ذلك توثيقا لمبدأ المصلحة التشريع الإسلامى.
وينبغى أن نفرق بين المعاصرة التى لا تتناقض من وجهة النظر الإسلامية مع الأصالة وبين العصرانية (العلمانية) التى تعتبر العصر وحده مصدرا للتشريع فى الحياة الاجتماعية العامة، وهذا الاتجاه الفكرى يحاول إبعاد الدين عن الحياة العامة واعتباره مجرد مسألة خاصة بكل إنسان ، ويعتبره - فى أحسن الأحوال - مصدرا للمبادىء الخلقية والمعاملات الشخصية.
أما السياسة وكل ما يتصل بالحياة العامة للإنسان لا للدين بها، أى علاقة وهذا مما يتناقض مع مبادىء التصور الإسلامى الصحيح.
د/ السيد محمد الشاهد

مفهوم : المكاييل
لغة: جمع مكيال ، وهوما يكال به ،حديدا كان أو خشبا، كما فى اللسان.
واصطلاحا: جاءت من الفعل كال الذى مصدره "كيلا"، والكيل: تقدير الأشياء بحجومها، كما فى معجم لغة الفقهاء.
ويكون الكيل للحجم ، أما الوزن فللثقل (انظر الموازين).
وقد عرف العرب قبل الإسلام المكاييل لتنظيم المعاملات التجارية فى شبه الجزيرة العربية وخارجها ، وقد أشار القرآن الكريم فى كثير من آياته إلى أنواع كثيرة من هذه المكاييل فى سورة يوسف حيث وردت الإشارة إلى كيل البعير فى قوله تعالى: {ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير} يوسف:65 ، وإلى السقاية فى قوله: {جعل السقاية فى رحل أخيه .. } يوسف:70 ، وإلى الصاع أى الصواع فى قوله: {قالوا نفقد صواع الملك} يوسف:72.
وقد جاء الحث بضبط المكيال عند البيع و الشراء ، حفاظا على حقوق الأفراد من الضياع من جراء التطفيف والغش فى آيات قرآنية عديدة منها قوله: {أوفوا الكيل إذا كلتم ... ) الإسراء:35.
وقد حافظت التشريعات الإسلامية على الأنواع المتعددة من المكاييل التى كانت قائمة فى الجزيرة العربية، والتى أوردها لنا أبو عبيد القاسم بن سلام فى كتابه "الأموال" حصرا لها فى ثمانية أصناف هى: الصاع ، والمد ، والفرق ، والقسنط ، والمدى، والمختوم ، والقفيز، والمكوك ، وترتبط تقديرات هذه المكاييل المذكورة بالمد والصاع بوجه خاص ، وهما وحدتا الاكيل الرئيسة التى أقرها الرسول صلى الله عليه وسلم فى المدينة، واتخذها معيارا لتقييم العبادات والكفارات.
ومهما تعددت أنواع المكاييل التى أشارت إليها الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وما تعارفت عليه الجماعات والأقطار المختلفة ، فإنه يمكن لنا أن نحدد أن المكاييل منها مكاييل شرعية أشار إليها القاسم بن سلام فى "الأموال"، ومنها مكاييل عرفية إقليمية تعارف عليها أهل الأقاليم المختلفة.
ويمكن الإشارة إلى أشهر المكاييل المتعارف عليها بأنها الأردب ، والويبة، والكيلة، والربع ، والقدح: وله أجزاء وهى: نصف القدح ، الربعة، الثمنة، الخروبة، القيراط ، الملوة، النصاب ، البطة، المكتل ، الرطل ، الكيلجة، العو، الجريب ، الوسق ، الكسر، وذلك بجانب المكاييل الثمانية التى أشار إليها القاسم بن سلام.
وكل هذه مكاييل تستخدمها الجماعات فى تقدير الأشياء، وتتعلق بها كثير من المباحث الفقهية المختلفة، مثل زكاة الزروع والثمار، وصدقة الفطر، وكفارة الجماع فى نهار رمضان وغيرها كثير.
أ.د/ على جمعة محمد

مفهوم : المعتزلة
أصلها عزل واعتزل ، وقد وردت هذه الكلمة عشر مرات فى القرآن الكريم كلها تعنى الإبتعاد عن شىء كما فى قوله تعالى: {فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيل} النساء:90.
والمعتزلة هم أول مذهب فى علم الكلام الإسلامى، بدأ فى النصف الأول من القرن الثانى الهجرى،واختلف المؤرخون لهذا المذهب الكلامى فى تحديد اسم مؤسسه ، فذهب معظمهم إلى أنه واصل بن عطاء (ت131هـ /748م) الذى اعتزل مجلس ،الحسن البصرى(110هـ /727م) عندما سئل الحسن البصرى عن مرتكب الكبيرة هل هو مؤمن أم كافر، وقبل أن يجيب الحسن البصرى على السؤال وقف واصل بن عطاء وقال: إنه فى منزلة بين المنزلتين أى بين الإيمان والكفر، بينما كانت الخوارج تذهب إلى تكفيره ، وذهب أهل السنة إلى أنه مؤمن.
وكان الحسن البصرى يذهب إلى أن مرتكب الكبيرة لامؤمن ولا كافر، وإنما يكون "منافقا" ووافقه بداية عمرو بن عبيد (145هـ /762م)، أما واصل بن عطاء فكان يرفض هذه الصفات الثلاث ، فمرتكب الكبيرة عنده لا يكون مؤمنا ولا كافرا ولا منافقا بل يكون "فاسقا" وقد أخذ واصل هذا المذهب عن أبى هاشم عبدالله بن محمد بن الحنفية.
وترجع تسمية واصل بن عطاء وأصحابه بالمعتزلة إلى قول الحسن البصرى بعد أن قام واصل من مجلسه وانتحى لنفسه مكانا آخر: "اعتزلنا واصل".
أما القاضى عبد الجبار فيرجع أصل الاعتزال إلى عمرو بن عبيد، حيث يذكر أنه جرت بين واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد مناظرة فى مسألة مرتكب الكبيرة، فرجع عمرو بن عبيد إلى مذهب واصل وترك مجلس الحسن البصرى، واعتزل جانبا فسموه معتزليا، وهذا أصل تلقيب أهل العدل بالمعتزلة كما يقول القاضى عبد الجبار.
ويذكر ابن المرتضى فى كتابه "المنية والأمل" أن المعتزلة كانوا يسمون أيضا "بالعدلية" لقولهم "بالعدل الإلهى" ، و"الموحدة" لقولهم "لا قديم مع الله"، ويؤكد ذلك جعلهم العدل والتوحيد أول أصلين فى أصولهم الخمسة، حيث يأتى أصل "المنزلة بين المنزلتين" الذى كان سببا فى نشأتهم فى المركز الرابع بعد "الوعد والوعيد" أما الأصل الخامس والأخير فهو "الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر".
انقسم الاعتزال إلى مدرستين متوازيتين الأولى فى البصرة (البصريون) والثانية فى بغداد (البغداديون).
وأهم رجالات مدرسة البصرة هم: واصل ابن عطاء ، وعمرو بن عبيد وأبو الهزيل العلاف (227هـ /842م)، وإبراهيم بن سيار النظام (235هـ /853م)، وعمرو بن بحر الجاحظ ، وأبو على الجبائى (303هـ /924م).وابنه عبد السلام الجبائى (أبو هاشم 321هـ /941م) (أخذ عنهما أبو الحسن الأشعرى (324هـ /944م) الاعتزال فى أول الأمر قبل أن ينقلب على الاعتزال فيما بعد) ثم القاضى عبد الجبار الهمذانى (415هـ /1025م) صاحب موسوعة المغنى فى أبواب التوحيد والعدل ، والمحيط بالتكليف ،وشرح الأصول الخمسة، وغيرها من المؤلفات الكبيرة فى شتى العلوم الشرعية. ومن تلامذة القاضى عبد الجبار: الحسن بن متويه ، وأبو الحسين البصرى (436هـ /1045م) وأبو رشيد سعيد النيسابورى (460هـ /1067م) صاحب كتاب "المسائل فى الخلاف بين البصريين والبغداديين" ، ثم ركن الدين محمود ابن الملاحمى (536هـ) ومحمود ابن عمر الزمخشرى (538هـ) ثم تقى الدين النجرانى (656هـ) صاحب "الكامل فى الاستقصاء فيما بلغنا من كلام القدماء".
أما أهم أعلام مدرسة بغداد فهم: بشر بن المعتمر (210هـ /825م) وأبو موسى المردار (226هـ /844م) وثمامة بن الأشرسر (213هـ /831م) وأبو الحسين الخياط (190هـ /818م) وأبو جعفر محمد الإسكافى (240هـ /858م) وأبو القاسم الكعبى (319هـ /938م) وأبو بكر الأخشيدى (326هـ /946م).
وقد شهد تاريخ الاعتزال خلافات كثيرة بين مدرستى البصرة وبغداد لخصها أبو رشيد سعيد النيسابورى فى كتابه المعروف: "المسائل فى الخلاف بين البصريين والبغداديين". إلا أن الاعتماد على العقل فى تفسيرالنصوص الشرعية كان قاسما مشتركا بين المدرستين.
وكان تمادى المعتزلة فى الاعتماد على العقل والمبالغة في التعويل عليه فى تفسير بعض المسائل الحساسة مثل مسألة الصفات ، مما أوقعهم فى مخالفات بل وعداوات مع متكلمى أهل السنة مثل الأشاعرة وغيرهم من السلفيين مثل ابن تيمية (728هـ /1328م)، وكان السبب فى هذا الخلاف حرص المعتزلة على إفراد الله عز وجل بصفة القدم حتى أنهم رفضوا كل ما من شأنه أن يؤدى إلى القول بقدم أى شىء سوى ذاته تعالى.
وقد قسم المعتزلة الصفات إلى قسمين صفات ذات وهى التى لاتنفك عنها الذات مثل: الوجود والحياة والعلم والقدرة والإرادة، ثم صفات أفعال التى ترتبط بالزمان من حيث الوجود والعدم ، وقد ترتب على مذهبهم هذا القول بخلق القرآن ،وأن كلام الله مخلوق ، مما أثارعليهم غضب أهل السنة خاصة بعدما حدثت محنة الإمام أحمد بن حنبل فى عهد المعتصم.
كما اشتهروا بقولهم: إن الإنسان خالق ،لأفعاله على الحقيقة بقدرة خلقها الله فيه. وجعلوا ذلك أساسا للاستحقاق، والذى يعرف حاليا بمشكلة حرية الإرادة فإنسانية، كما عرف عنهم خلافهم مع أهل السنة فى تفسير رؤية البارى عز وجل فى الدار الآخرة وقد أفرد القاضى عبد الجبار مجلدا لهذه المسألة في موسوعة المغنى فى أبواب التوحيد والعدل (المجلد الرابع).
أ.د/ السيد محمد الشاهد

مفهوم : المعجزة
المعجزة: هى البرهان الذى يثبت صدق أى نبى أو رسول فى دعواه النبوة أو الرسالة، واشتقاق الكلمة من إعجاز الأمر الخارق الذى يقع على يد النبى أو الرسول للبشر أن يأتوا بمثله.
وإنما كانت المعجزة دليلا على صدق النبى صلى الله عليه وسلم فى دعواه أنه مكلف من الله ، ومختار منه بالنبوة والرسالة ، لأن اجتماع المعارضين له على تكذيبه ، وشحذ هممهم وتجميع كل قواهم ، لإثبات بطلان دعواه ، ثم يعجرون عن الإتيان بمثل الفعل الخارق الذى أتى به دليل على أن الفعل الذى جاء به ، أو جرى على يديه خارج عن قدرة البشر فإن معنى ذلك أنه لم يأت بهذا الفعل الخارق من عند نفسه ،لكنه مؤيد من الله ، وأن المعجزة حينئذ تكون - كما قال علماء العقيدة: -بمثابة إعلان الله عز وجل تصديقه لنبيه ، وقائمة مقام قوله "صدق عبدى فيما يبلغ عنى" لأن الذى يستطيع أن يخرق النظام الكونى ، ويعطل قوانينه الثابتة المعتادة، إنما هو خالق النظام الكونى نفسه ، وواضع قوانينه ، لأنه وحده الذى يقدر على ذلك ، ولذلك تعرف المعجزة بأنها: "أمرخارق للعادة يظهره الله على يد مدعى النبوة تصديقا له فى دعواه مقرونة بالتحدى مع عدم المعارضة".
فلكى تعرف المعجزة وتتميز عن غيرها من الأمور- الخارقة ، لابد أن تكون: خارقة للعادة أى خارقة للقوانين الكونية المعتادة، والنواميس الكونية الثابتة كعدم إحراق النار، وإحياء الموتى، وقلب العصا حية تسعى.
- أن تقع على يد نبى أو رسول يعلن دعواه النبوة ة لكى تتميز عن كرامة الأولياء.
- أن تجرى على وفق دعواه ، فتكون تصدلقا له حتى لا تكون إهانة لا معجزة.
- أن تقترن بالتحدى من قبل النبى لقومه ومن قبلهم له.
- أن يعجزوا عن معارضته ، فإذا أتوا بمثلها لا تكون معجزة ، بل تكون حينئذ من قبيل الأمور التى يمكن تعلمها، والإتيان بمثلها كالسحر.
والمعجزة فى حقيقة أمرها رسالة إلى العقل الإنسانى ، لأنها عندما يقبلها العقل يقبل دلالتها على الفور على صدق الرسول، ومن ثم تثبت نبوة النبى أو رسالة الرسول بعد قبول العقل لها، واقتناعه بها.
وإذا كانت تثبت بالتواتر بعد ذلك حين تتناقلها الأجيال جيلا بعد جيل بواسطة عدد من الناس يستحيل عليهم التواطؤ على الكذب وقد قال العلماء فإن العلم بالتواتر هو أحد أقسام الضروريات.
ولما كانت المعجزة تستمد قوتها فى الدلالة على صدق الرسالة من أنها خرق للنظام المعتاد،فإن خرقها لما اعتاده الناس إنما يأتى من تصديق الأئمة الذين بلغوا غاية العلم فيما اعتاده الناس ، لأنهم عجزوا عن الإتيان بمثل المعجزة.
ولذلك جاءت كل معجزة مما برع فيه الناس ،وبلغوا غاية العلم به فى عصره ،فإذا أذعن هؤلاء عرف أن ما أتى به الرسول ليس و من قبيل ما علموه غاية العلم ، وإنما هو من باب آخر غير ما يعلمونه.
ومن ثم جاءت معجزة موسى عليه السلام أشبه بالسحر لكنها ليست منه ، لأن القوم كان قد برعوا فى السحر، فلما انقلبت العصا حية على يد موسى أمام السحرة الذين بلغوا منتهى العلم بالسحرة عرفوا أن ما أتى به موسى ليس سحرا {وألقى السحرة ساجدين} الأعراف:120.
وكذلك جاءت معجزة عيسى عليه السلام أشبه بالطب ، لكنها كانت غيره ،لأن القوم كانوا قد برعوا فى الطب ، فلما أحيا عيسى الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص أمام الذين بلغوا غاية ومنتهى العلم فى الطب ، عرفوا أن ما أتى به عيسى ليس من قبيل الطب ،وإنما هو أمر خارق للنظام العام.
وبالنسبة لمعجزة القرآن فقد جاءت متجاوزة حدود البشرية فى أمرين: اللغة والتشريع.
أما اللغة فقد كان نزول القرآن فى وقت بلغت فيه اللغة العربية منتهى إمكان البشر فى التطور اللغوى فى الفكرة والأساليب ، فلما جاء القرآن الكريم جاء متجاوزا حدود الإمكانات البشرية، وأدرك ذلك أئمة اللغة، وفحول الخطباء والشعراء الذين عجروا عن الإتيان بمثل القرآن ونظمه البلاغى.
وأما فى التشريع ، فقد أثبتت مقارنته بغيره من النظم التشريعية البشرية عبر العصور تفوق التشريع القرآنى بتوازنه العادل فوق كل الأنظمة التى أنتجتها حكمة البشر وقدرتهم التشريعية.
ذلك مما أعطى القرآن صفة المعجزة الدائمة، وهى سمة تتسم بها معجزة القرآن عما سبقها من معجزات الرسل السابقين.
وهناك سمة أخرى تتميز بها المعجزة القرآنية، وهى أن المعجزات السابقة كانت - كما قال ابن رشد - من غير طبيعة الرسالة، لأن الرسول إنما يأتى ليضع النظام الذى يكفل لمن أرسل إليهم خطة الحياة الفاضلة، ولكن معجزة موسى وعيسى عليهما السلام لم تكن من هذا الباب ، وإنما كانت الأولى مما أشبه بالسحر وكانت الثانية مما أشبه الطب.
أما معجزة القرآن فقد جاءت من قبيل تشريع من نفس فعل الرسالة وطبيعتها. مما أعلطاها من القيمة البرهانية على الرسالة أكثر مما أعطت المعجزات السابقة من البرهنة على رسالاتها إلى درجة جعلت إماما كابن رشد يقلل
من القيمة البرهانية للمعجزات السابقة إلى درجة لا نوافق عليها.
فالقرآن الكريم نفسه يقول عن معجزة اليد والعصا: {فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه} القصص:32. على أن القرآن الكريم أعطى للمعجزات السابقة مصداقية حين صدق بها وبدلالاتها، ولولا روايته لها وتصديقه لدلالاتها ، لربما انقطع تواترها ، ولكنه بإيرادها حملها إلى الأجيال بنفس ما هو عليه من درجة الوثوق والمصداقية.
ثم إن هناك وجوها أخرى لإعجاز القرآن أسهبت فى بيانها كتب العقائد والتاريخ والسنن قديما، وكتب العلوم حديثا.
فالقرآن أخبر بوقائع سبقته لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم علم بها وأخبر بوقائع لحقته، لم يكن له صلى الله عليه وسلم المقدرة على التكهن بها واستنتاجها ، كما أخبر بانتصار الروم على الفرس فى بضع سنين ، مع أن وقائع الأحداث لم تكن تبشر بأدنى شىء من هذا التوقع ، مما جعل المؤرخ الإنجليزى (جيسن) يحدث بأن القرآن لو لم يكن فيه دليل على مصدريته من الله إلا هذا الخبر لكفى.
وكتب العلوم ونظرياتها لم تثبت أى تعارض لمصادر القرآن الكريم ، مما يجعل الثقة قائمة فى أن مصدر القرآن ، ومصدر الحقيقة العلمية عندما تثبت واحد وهو الله ، فخالق الكون ، وواضع سننه وقوانينه هو منزل القرآن.
أما الماديون الذين ينكرون المعجزات فحججهم واهية ، لأنها تقوم على إنكار الوقوع لا على إنكار الإمكان ، لأن إمكانها ضرورى فالذى خلق السموات والأرض وأبدع نظام الكون ، وأقامه على قوانين وسنن قادر على أن يخرق هذه القوانين والسنن ، ويبدلها فى حالة خاصة بقانون خاص.
أما إنكار الوقوع ، وأن المعجزات لم تحدث ،فيقوم عندهم على الطعن فى التواتر أو الطعن فى إفادة التواتر لليقين ، فهى عندهم لا تثبت فى حق الغائبين الذين لم يروها، ويمكن الرد على هؤلاء بأن معجزة القرآن مازالت باقية بين أظهرنا الآن والتحدى بها قائم والعجز عن معارضته مازال مستمرا ، وبالتالى تثبته وقوع المعجزات الأخرى ، لأنه أثبتها.
ومن ناحية أخرى فإن الطعن فى التواتر أو فى إفادة التواتر لليقين طعن فى قانون أساس من قوانين الفكر، فالمتواترات - كما قيل - أحد أقسام الضروريات ولو طعن فى التواتر، وإفادته اليقين لما بقى خير يفيد اليقين إطلاقا، ولم يقل بذلك أحد.
وبذلك لا يبقى للماديين مستند معقول لإنكار المعجزات.
أ.د/ عبد المعطى محمد بيومى

مفهوم : المقاييس
لغة: جمع مقياس وهوالمقدار كما فى الوسيط.
واصطلاحا: عبارة عن الوحداته التى تقاس بها الأشياء.
وهى المبادئ الثابتة التى تقاس بها التصرفات الشرعية والمبادئ الأخلاقية. والمقصود هنا المعنى الأول وهى الواحدات التى تقاس بها الأشياء. وهده المقاييس تشتمل على نوعين:
1- مقاييس الطول ، وتشمل: الشعيرة ، والأصبع ، والقبضة ، والقدم ، والذراع ، والباع ، والغلوة ، والميل ، والفرسخ ، والبريد.
2- مقاييس المساحة وتشمل: الذراع ،والقصبة،والأشل ، والقفيز، والجريب.
أما مقاييس الحجم فهى المكاييل. انظرالمكاييل.
وتجدر الإشارة إلى أن الأحكام الشرعية المتعلقة بالمقاييس متعلقة أساسا بالأطوال أكثر من تعلقها بالمساحات ،وذلك كمسافة القصر فى الصلاة، وغير ذلك من الأحكام الشرعية الأخرى، أما المساحات فلا يتعلق بها سوى أحكام الخراج ، وليس فى تقويمها بالمقاييس المعاصرة الآن ما يفيدة نظرا لقيام قانون الضرائب مقامها فى هذا العصر.
وقد وردت بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية مشتملة على ذكر بعض المقاييس ، قال تعالى: {والأرض جميعا قبضته يوم القيامة} الزمر:67 ، وقال على لسان السامرى: {فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها} طه:96. بغض النظرعن تفسير القبضة فى كلام البارى وكلام السامرى وموقف العلماء منها. وقال تعالى: {ثم فى سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه} الحاقة:32. والذراع من المقاييس الطولية، وغيرها من الآيات كثير.
ومن الأحاديث النبوية ما رواه أنس بن مالك عن قصر الصلاة فقال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين) فقد ورد فى الحديث ذكر الميل والفرسخ ، وهما من المقاييس التى تهتم بالأطوال وهناك حاديث أخرى عديدة ورد فيها ذكر مجموعة من المقاييس كتقديرات المسافات معينة تخبر وتنبئ عن حقيقة حكم شرعى أو هيئة متعلقة بالنبى صلى الله عليه وسلم.
والمقاييس الشرعية طولية كانت أو مساحية يناط بها كثيرمن الأحكام الفقهية المتعلقة بفعل العبد، وعلاقته بربه ، وقد أفاض الفقهاء رضوان الله عليهم فى هذه المقاييس كمقادير شرعية مهمة تتعلق بتوفرها صحة كثير من العبادات والتكاليف الشرعية.
ومن المسائل الفقهية المهمة التى للمقاييس دور مهم فى صحتها:
- القصر ومسافته فى الصلاة، ومعلوم أنه يتعلق بمقياسين مهمين وهما: الفرسخ والميل.
- ومسافة طلب الماء لأجل التيمم.
- المسافة بين الإمام والمأمومين خلفه ،والتى تتعلق بها صحة المتابعة من عدمها.
- تغريب الزانى، والميقات المكانى وغيرها كثير من الأحكام الشرعية.
وقد حدد الفقهاء وعلماء اللغة بدقة متناهية المقاييس السابقة وأحكامها الفقهية.
أ.د/ على جمعه محمد.

مفهوم : المقولات العشر
إن كلمة " مقولة " Category ، اشتقت من مصدر " القول " وهي ترجمة للكلمة اليونانية " كاتيجوريا "Catigorie، ومعناها " العلاقة " ، ويقرب من هذا أيضا لفظ "كلى".
وقد دخلت هذه الكلمة بلفظها تقريبا، فى جميع اللغات ، حتى لدى مفكرى الإسلام التى جاءت عندهم بلفظ "قاطيغورياس"، غير أن هؤلاء أيضا سموها "مقولة".
وكان أرسطو (384 -322 ق.م) هو الذى درس أهم مظاهر المعرفة فى عصره ، فوجدها تقوم على عشرة أسس ، ينبنى عليها الفكر المستقيم في اتجاهه نحوالتعميم. وقد جمعها أرسطو وشرحها وسماها "المقولات".
وقد تناولها المفكرون من بعده بالعرض والشرح دون أن يملوا منها. كما جعلها مفكروالإسلام أصلا هاما من أصول المنطق الصورى، ولاسيما ما تعلق منها بالجوهر والعرض ، لصلتهما الوثيقة بمباحث التوحيد.
واصطلاحا المقولة: هى معنى كلى، يمكن أن تكون محمولا فى قضية ما.
وعليه فالمقولات محمولات ،كما حددها أرسطو من قبل ، وهى عشر، جمعها بعضهم فى بيت واحد هو:
قمر غزير الحسن ألطف مصره * لو قام يكشف غمتى لما انثنى.
1- القمر: للجوهر.
2- الغزير: للكم.
3- الحسن: للكيف.
4- ألطف: للإضافة.
5- مصره: للأين.
6- قام: للوضع.
7- يكشف: للفعل.
8- غمتى: للملك.
9- لما: للمتى.
10- انثنى: للانفعال.
وهذه المحمولات موجودة فى الكون.
ويلاحظ أن المقولات هى أنواع الصفات أو المحمولات التى نستطيع أن نصف بها فردا معينا كائنا ما كان. فإذا سألت عن أى شىء: ما هو؟ كان حتما أن يقع الجواب تحت واحد منها.
ومنها أربع مقولات تقع فيها الحركات وهى: الكم مثل النمو، والكيف مثل السرعة، والوضع مثل حركة الفلك علي نفسه دون انتقال ، والأين مثل النقلة
وإليك التعريف بكل منها باختصار:
أولا: الجوهر: Substance.
هو كل ما له صفة الاستقلال بذاته مثل العناصر كالماء والهواء والنار. وهذا الجوهر هو الأصل ، وما عداه من المقولات التسع أعراض له، يقول ابن سينا: وكل نعت فهو إما جوهر * قوامه بنفسه مقرر.
والجوهر أيضا موجود لا فى موضوع ، يقابله العرض: accident بمعنى الموجود فى موضوع ، أى فى محل مقوم لما حل فيه.
والجوهر لدى المتكلمين: هو الجوهر الفرد المتميز الذى لا ينقسم ، أما المنقسم فيسمونه جسما لا جوهرا.
ولهذا السبب يمتنعون عن إطلاق اسم الجوهر على المبدأ الأول.
ومن أهم أحكام الجوهر:
1- أنه قابل للعرض.
2- أنه متحيز، أى تأخذ ذاته قدرا من الفراغ.
3- أنه قابل للبقاء زمانين.
4- أن الجواهر لا تتداخل ، أى لا يدخل جسم فى آخر.
5- أن الجواهر تحدث بجملتها عن عدم سابق.
6- أنها تنعدم كذلك ، خلافا للطبائعيين ، كما يصح انعدام بعضها، خلافا لبعض المعتزلة فى أن الجوهر لا ينعدم إلا جملة.
7- وأنها لا تثبت فى العدم ، لأن المعدوم ليس شيئا، خلافا لبعض المعتزلة.
ثانيا: الكم: Quantity.
هو العرض الذى يقبل لذاته: المساواة والتفاوت والتجزؤ ويخرج بذلك: النقطة، والواحدة، أى الشىء الواحد الذى لا تعدد فيه.
فهذه المقولة تخضع للقسمه ، وللقياس فيما له حجم ومقدار كقولنا: هذه خمسة كتب. وينقسم الكم إلى:
1- متصل: وهو الذى يكون بين أجزائه حد مشترك ، كالحال في الزمن بين الماضى والمستقبل.
2- منفصل: وهوالذى لايكون بين أجزائه حد مشترك كالعدد، مثل الأربعة إذا قسمت بين اثنين واثنين.
وهناك مايسمى"كمية القضية": والمقصود بها استغراق الموضوع فى المحمول ، وينتج عن ذلك:
(أ) القضية الكلية: وهى التى يقع الحكم فيها على جميع أفراد الموضوع ، مثل: كل إنسان فان.
(ب) القضية الجزئية: وهى التى يقع الحكم فيها على بعض أفراد الموضوع مثل: بعض الإنسان كريم.
(ج) القضية المخصوصة: وهى التى يكون الموضوع فيها واحدا بالعدد، مثل: عمر عادل.
ثالثا. الكيف: Quality.
هو هيئة قارة فى الشىء وهو أيضا عرض لا يتوقف تعقله على تعقل الغير ولا يقتضى القسمة في محله اقتضاء أوليا.
وللكيف أنواع:
1- كيف الكم: كالزوجية والفردية، و الاستقامة والانحناء ، والطول والعرض.
2- كيف المحسوس:(أ) إما راسخ كحلاوة العسل وحرارة النار. (ب) أو غير راسخ:
- سريع الزوال ، يسمى انفعاليا كحمرة الخجل ، وصفرة الوجل.
- بطء الزوال ، كملوحة بعض الماء.
3 - كيف الملكة: وهو نوعان الأول ما يوجب الكمال وهو الناتج عن الاقتدار بلا كلفة، مثل ملكة العلم والكتابة.
والآخر ما لا يوجب الكمال: كاللين المعد أو الموجب للانقسام بسهولة.
رابعا: الإضافة: Relation
لغة: نسبة الشىء إلى الشىء مطلقا.
اصطلاحا: هى حال تعرض للجوهر، بسبب كون غيره فى مقابلته، ولا يعقل وجودها إلا بالقياس إلى ذلك الغير، كالأبوة بين الأب وابنه وتسمى مقولة الإضافة "بالنسبة المتكررة" ، أى النسبة التى حصل بها التكرر، ولا تعقل إلا بالقياس إليها.
وقد تكون الإضافة بين:
1- متفقين: كالأخوة، وهى لا تعقل إلا بنسبة أخرى، وهى الأخوة.
2- أو بين مختلفين: كالأبوة، وهى لا تعقل إلا بأخرى وهى البنوة. وكالعمومة، لا تعقل إلا بنسبة أخرى، وهى ولدية الأخ.
وكالزيادة، لا تعقل إلا بنسبة أخرى، وهى النقص فكل إضافة نسبة، ولا عكس.
ويلاحظ أن النسبة مطلقا: أمر اعتبارى، ليس عرضا موجودا. كذلك فإن الكليات هى من مقولة الإضافة
فالجيش مثلا، كالحيوان ، نسبة لا تعقل إلا بأخرى، وهو النوع كالإنسان.
وقد تعرض الإضافة للمقولات كلها:
كالأبوة والبنوة، للجوهر. وكالصغر والكبر للكم. وكالعلو والسفل للأين. والأقدمية والأحدثية، للمتى. وكالأسدية:
انحناء وانتصابا، للوضع - أسد الشىء: أغلق خلله.
وكالأكسوية والأعروية ، للملك. وكالأقطعية، للفعل (أى تأثير الشىء فى غيره). وكالأشدية تقطعا، للانفعال (أى كون الشىء متأثرا عن غيره مادام متأثرا).
خامسا: الأين: Place
هو هيئة تعرض للجسم بسبب نسبته إلى المكان وكونه فيه وهو سؤال عن مكان(. ويسمى "أينا" لوقوعه جوابا لأين؟ كما يسمى "الكون" أيضا.
والأين نوعان:
1- أين أول: مثل كون الماء فى الكوب وهو حقيقى.
2- أين ثان: مثل كون محمد فى البيت وهو غير حقيقى.
سادسا: المتى: Time
هو نسبة الشىء إلى الزمان المحدد: الماضى والحاضر والمستقبل ، مثل: أمس الآن وغدا.
وسمى بذلك ، لوقوعه جوابا ل "متى"؟.
ولفظة "متى" تصلح لمطلق الزمان ، بخلاف "أيان" فإنها خاصة بالاستقبال.
وينقسم إلى:
1- متى حقيقى: وهوكون الشىء في زمان يطابقه ، ولا يزيد عليه ، كالخسوف فى ساعة كذا.
2- متى مجازى: كالخسوف يوم كذا.
وهما فى الأين أيضا.
سابعا: الوضع: Position
هو هيئة تعرض للجسم ، بسبب نسبة أجزائه بعضها إلى بعض ، مثل: القيام ،و القعود، وغير ذلك مثل وصف شخص ما بأنه جالس أو قائم.
ويلاحظ هنا حدوث نسبتين:
الأولى: نسبة أجزاء الجسم بعضها إلى بعض ،
والأخرى: نسبة أجزاء الجسم إلى أمر خارجى عنها. فالقيام هيئة اعتبر فيها نسبة أجزاء الجسم بعضها إلى بعض بالطبع. كما اعتبر منها نسبة مجموع تلك الأجزاء إلى أمور خارجية عنها. ككون رأس الإنسان من فوق ورجليه من أسفل.
ثامنا: الملك: Habitus
وهو هيئة حاصلة للشىء بالنسبة لما يحيط به ، وينتقل بانتقاله. وذلك كالتعمم والتقمص والتختم والتسلح. والمراد لبس العمامة والقميص والخاتم والسلاح.
والملك يقابله الحرمان.
ولمقولة الملك شرطان:
الأول: الإحاطة، إما بالطبع ، كجلد الإنسان وإما بغيره: إما بكل شىء، كحال الهرة عند إرهابها، وهو ذاتى. أو ببعض الشىء كحال الإنسان عند تختمه ، وحال الفرس عند إلجامها وإسراجها ، وهو عرضى.
والثانى: أن ينتقل بانتقاله ، كالأمثلة السابقة.
أما إن وجد أحدهما دون الآخر، فلا يكون ملكا، فوضع القميص على رأسه ، وإن كان ينتقل ،لا يكون ملكا: لعدم الإحاطة.
والحلول فى الخيمة، وإن كان مشتملا على الإحاطة، لا يكون كذلك ، لعدم الانتقال(.
تاسعا: الفعل: Activity
هو كون الشىء بحيث يؤثر فى غيره تأثيرا غير قار الذات ، مثل التسخين والقطع.
فالتسخين فعل ، لكونه تأثيرا من المسخن ،مادام مؤثرا.
عاشرا: الانفعال: Passivity
هو قبول أثر المؤثر مادام مؤثرا ، مثل التسخين والانقطاع.
فتأثر الشمع ولينه ، انفعال ، مادام هو يتأثر للطابع ويلين.
وهناك ما يسمى سلسلة المحمولات وهى تابعة للمقولات العشر، وهى الكليات الخمس ، التى رتبها المناطقة كما يلى:
1- الجنس: Genus
وهو ما صدق على كثيرين مختلفين بالحقائق ، فى جواب: ما هو؟ مثل الحيوان فى: الإنسان حيوان.
2- النوع: Species
وهو ما صدق على كثيرين متفقين بالحقائق. كلفظ إنسان فى: محمد إنسان.
وكل واحد من الجنس والنوع إنما يكون مفهوما بالقياس إلى صاحبه
3- الفصل: Difference
هو جزء الماهية، الصادق عليها مثل: الناطق ، باعتبار ماهية الإنسان.
4- الخاصة: Property
هى الكلى المقول على أفراد حقيقة واحدة، مثل: الضاحك للإنسان.
5- العرض العام: Accident
هو الكلى الخارج عن الماهية، الصادق عليها وعلى غيرها، مثل المتحرك للإنسان.
هذا ، ومن الجدير بالذكر، أن المقولات العشر وما يتبعها من الكليات الخمس ، قد أدت خدمات كبيرة جدا فى تطوير الفكر، خلال عشرين قرنا على الأقل. ومازالت أهميتها ماثلة فى المنطق الصورى وفى البحث العلمى، من ناحية التجريد أو التعميم العلمى.
ومع هذ الا يجب النظر إلى مقولات أرسطو على أنها شىء مثالى، مثل كل منطقه الصورى بل لابد من عمل حساب طبيعتها الأدائية عبر العصور كما يجب النظر فيها بالإضافة والحذف والتطوير، حتى لا تكون عائقا أمام التقدم والرقى.
أ.د/ عبد اللطيف محمد العبد


منتديات الرسالة الخاتمة