بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مختصر موسوعة المفاهيم العربية والإسلامية
الصادرة عن المجلس الأعلى للشئون الإسلامية
حرف النون وحرف الهاء كاملين


مفهوم : النبوة
لغة: النبوة و النباوة الارتفاع ، أو المكان المرتفع من الأرض. و" النبى ": العلم من أعلام الأرض التى يهتدى بها، ومنه اشتقاق "النبى" لأنه أرفع خلق الله ، وذلك لأنه يهتدى به. النبأ: الخبر، يقال: نَبِأ،
ونَبأ وأنباء: أخبر، ومنه: النبى ، لأنه أنبأ عن الله.
" النبوءة " و" النبوة ": الإخبار عن الغيب ، أو المستقبل بالإلهام ، أو الوحى.
واصطلاحا: عرف الإنسان منذ القدم كلمة: "النبوة"، فقد وجدت فى جميع اللغات واللهجات ، غير أن استعمالاتها تعددت وتنوعت ، ففى اليونانية القديمة كانت تطلق على المتكلم بصوت جهورى، أوعلى من يتحدث في الأمور الشرعية، وعند الفراعنة كانت تطلق علي كهنة آمون ، كما أطلقت على "إيزيس" في مصر القديمة، وعلى زرابيس فى روما، وكلاهما لايخرج عن هذا المعنى.
لم يقتصر الأمر على إطلاقها على من يعمل فى الحقل الدينى، بل أطلقت أيضا على السحرة والمنجمين ، وكذلك على من اختل عقلهم ، وضعف تفكيرهم ، فأتوا من الأعمال ما لايفهمه العقلاء، وقد ذكر علماء مقارنة الأديان عدة أنواع من النبوات ، منها: نبوة السحر، ونبوة الرؤيا والأحلام ، ونبوة الكهانة، ونبوة الجذب ، أوالجنون المقدس ،ونبوة التنجيم.
وكانت كلمة النبوة عند بنى إسرائيل تفيد معنى الإخبار عن الله ، ولذا كانت تطلق على من يتخرجون من المدارس الدينية، حيث كانوا يتعلمون فيها تفسيرشريعتهم ، كما كانوا يدرسون أيضا الموسيقى والشعر، لذا كان منهم شعراء ومغنون وعازفون على آلات الطرب ، وبارعون في كل مايؤثر فى النفس ويحرك الشعور والوجدان ، ويثير رواكد الخيال. ومن المسلم به أن خريجى هذه المدارس لم يكونوا على درجة واحدة من الصفاء الذهنى، والإدراك العقلى، كما لم يكونوا كلهم على درجة واحدة من التقوى والصلاح ، ولذا لم تفرق الكتب المقدسة قبل الإسلام فى حديثها عن الأنبياء بين من يتلقون الوحى من الله ، وبين من يدرسون شريعة الله ويشرحونها للناس ، فجاء حديثها - أحيانا - عن أنبياء كذبة ، إذ نجد فى سفر أشعياء حديثا عن النبى الكذاب ، حيث يقول: "الشيخ المعتبر هو الرأس والنبى الذى يعلم بالكذب هو الذنب (9-15)، ويقول متى: "ويقوم أنبياء كذبة كثيرون ، ويضلون كثيرين" (24-11)، ويقول لوقا: "لأنه هكذا كان يفعل آباؤهم بالأنبياء الكذبة" (6-26)، ويصف يوحنا فى رؤيته خروج الأرواح النجسة من فم النبى الكذاب.
وحين نزل القرآن الكريم على محمد صلى الله عليه وسلم حدد معنى كلمة "النبوة"، فوضح أن النبى هو مانزل عليه وحى الله وأمر بتبليغه للناس ، فهو ليس ساحرا ، لأن الفلاح لايكون حليفه ، يقول تعالى: {ولا يفلح الساحر حيث أتى} طه:69 ، كما أن مايبلغه عن ربه ليس شعرا ، يقول تعالى: {وما هو بقول شاعر قليلا ماتؤمنون} الحاقة:41 ، فلا ينبغى أن يقرن النبى بالشاعر، أو بمن يلقى الكلام بصوت جهورى، كما كان ذلك معروفا عند اليونان ، كما أنه ليس كاهنا كما كان معروفا عند قدماء المصريين ، إذ نص القرآن الكريم عنه هذه الصفة، فقال تعالى: {ولابقول كاهن قليلا ماتذكرون} الحاقة:42.
فإذا بين القرآن الكريم أن النبى ليس شاعرا ولاكاهنا ، فالأولى أن ينفى عنه وصفا كان يطلقه بعض الناس على المشعوذين باسم الدين ، وهو الجنون المقدس ، فقال تعالى: {ما أنت بنعمة ربك بمجنون} القلم:2 ، أى ما أنت بهذا الذى نزل عليك من الله بواحد من هؤلاء الذين كانوا يعرفون بين الناس بأنهم "مجاذيب"، أو لديهم "جنون مقدس". وأخيرا لست ممن يتخذون العرافة والتنبؤ بالغيب حرفة لهم ، فلا يلتبس ما تبلغه عن الله بكلام من يدعون أنهم يعرفون الغيب ، يقول تعالى: {فقل إنما الغيب لله فانتظروا إنى معكم من المنتظرين} يونس:20 ، ويقول: {وعنده مفاتح الغيب لايعلمها إلاهو} الأنعام:59 ، ويقول: {قل لا أقول لكم عندى خزائن الله ، ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إنى ملك ، إن أتبع إلاما يوحى إلى، قل هل يستوى الأعمى والبصير أفلا تتفكرون} الأنعام:50.
وبهذا فرق الإسلام بين النبوة الإلهية، وبين ملابساتها من الكهانة، والعرافة، والقيافة، والفراسهة، كما أنه حدد استعمالات الكلمة، فلا تطلق إلا على من نزل عليه الوحى من الله ، فلم يعد من المستساغ عقلا، ولا من الجائز شرعا أن تطلق على الكهنة، أو على من يدرسون الشريعة ويعلمونها للناس ، بالتالى لا تطلق على السحرة والمنجمين ، ولاعلى المجانين والمشعوذين فى طريق الدين ،فلم يبق من الاستعمالات القديمة لكلمة "النبوة" إلا إطلاقها على أصحاب الرؤيا الصالحة، التى تكون مقدمة وإرهاصا لنزول الوحى على من اختصه الله بهذه الرؤيا، كما حدث ليوسف عليه السلام ، يقول الله تعالى: {إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إنى رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لى ساجدين} يوسف:4.
أ.د/ محمد شامة

مفهوم : النَّذْر
لغة: ما أوجبه الإنسان على نفسه ، كما في القاموس.
واصطلاحا: إلزام مكلف مختار نفسه لله تعالى بالقول شيئا غير لازم عليه بأصل الشرع.
فالشىء المنذور لم يوجبه الشارع على المكلف ابتداء إلا أن المكلف ألزم نفسه به فصارلازما عليه ، ووجب عليه الوفاء به شرعا، إن كان يمكنه الوفاء به ، كالصيام والصدقة والعمرة والاعتكاف. وأكثر الفقهاء على أن الالتزام بالنذر مشروع ، ولكن على خلاف بينهم فى صفة مشروعيته فى عدم استحبابه لحديث ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم (إنه لا يأتى بخير؟ إنما يستخرج به من البخل) (رواه البخارى ومسلم عن ابن عمر).
ومن الأدلة على مشروعيته قول الله تعالى: {وليوفوا نذورهم} الحج:29 ، وقوله تعالى سبحانه فى وصف الأبرار {يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا} الإنسان:7 ، وما روته عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال (من نذر أن يطيع الله فليطعه ، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه) رواه البخارى عن عائشة رضى الله عنها.
وللنذر أنواع سبعة:
1- نذر اللجاج: وهو الذى يمنع الناذر فيه نفسه من فعل شىء،أويحملها على فعله بالتزام قربة، كقوله: إن كلمت فلانا فعلى صوم.
2- نذر الطاعة وهو الذى يلتزم فيه الناذر بطاعة الله سبحانه ، سواء كانت عبادة كالصدقة، أو قربة غير مقصودة كعيادة المرضى.
3- نذر المعصية وهو الذى يلتزم فيه الناذر معصية الله تعالى، كنذر شرب الخمر.
4- نذر المباح وهو التزام الناذر بما لم يرغب فيه الشارع كنذر النوم.
5- نذر الواجب وهو التزام المكلف بأداء ما أوجبه الشارع عليه عينا كصوم رمضان ، أو أداء ما أوجبه عليه على الكفاية، كتعلم الطب.
6- نذر المستحيل وهو التزام ما يحيل الشرع أو العقل تحققه ، كنذر صيام الليل وهو ما يحيل الشرع ، أو يحيل العقل تحققه كنذر صيام أمس.
7- النذر المبهم وهو الذى لم يسم مخرجه العمل الذى يلتزم به بالنذر كقوله: لله على نذر.
وليس كل نذر ألزم الإنسان نفسه به يجب عليه الوفاء به ، فإن النذر إن كان فى طاعة الله تعالى وأمكنه الوفاء به لزمه ذلك ، وأما إن كان فى معصية فلا يجب الوفاء به ، لأنه لايصح ، لحديث عائشة السابق ، وكذلك إن عجز الناذر عن الوفاء بالنذر لم يلزمه الوفاء به ، بل يكفر عنه ككفارة اليمين ، لما روى عن ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (من نذر نذرا لم يطقه ، فكفارته كفارة يمين) رواه أبو داود وابن ماجه عن ابن عباس.
أ.د/ عبد الفتاح محمود إدريس

مفهوم : النسب
لغة: القرابة، ويختص بالقرابة من جهة الآباء كما فى مقاييس اللغة
واصطلاحا: اتصال شخص بغيره ،لانتهاء أحدهما فى الولادة إلى الآخر، أو لانتهائهما إلى ثالث على الوجه الشرعى.
ولقد حرص الإسلام على حفظ الأنساب عن الاختلاط ، وجعله من مقاصد الشارع الضرورية ولهذا حرم الزنا ، لما يترتب عليه من اختلاط ، فقال تعالى: {ولاتقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيل} الإسلراء:32 ، كما حرم انتساب المرء إلى غير أبيه سواء كان بالادعاء أو التبنى أو غيرهما، فقال سبحانه {وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم} الأحزاب:4 ، وقال تعالى {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم فى الدين ومواليكم} الأحزاب:5.
وروى عن سعد بن أبي وقاص أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (من ادَّعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام) (رواه البخارى ومسلم عن سعد بن أبى وقاص)(3) ورورى عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم ،فليست من الله فى شىء، ولن يدخلها الله جنته ، وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه ، احتجبا الله منه وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين) (رواه ابن حبان عن أبى هريرة).
ونظرا لاهتمام الإسلام بانتساب كل إنسان إلى من كان سببا فى وجوده ، توسع فقهاء الإسلام فى أسباب ثبوت النسب ، فذكروا أنه يثبت:
1- بولادة الطفل على فراش الزوجية الصحيحة.
2- الإقرار بالبنوة.
3- الشهادة على ذلك.
4- نكول المدعى عليه عن اليمين.
5- اليمين المردودة على المدَّعِى عند نكول المدعى عليه.
6- القيافة، وذ لك بتتبع العلامات الموجودة فى شخصين للوصول إلى إثبات القرابة بينهما.
7- القرعة بين المتنازعين على نسبة مولود لهما عند تساوى بيناتهما بنسبته.
8- يثبت بحكم القاضى إذا ثبت عند نسبة الولد إلى رجل بعينه.
9- التحكيم عند اختلاف المدعين فى هذه النسبة.
وقد جعل الشارع الإنسان إلى من كان سببا فى ولادته من العدل ، لذا يقول الحق سبحانه {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله}وهو يدل على أن انتساب الإنسان إلى غير أبيه من الجور.
ولقد كان قدماء الرومان يجيزون للرجل الاعتراف بمن يشاء من أولاده ، وإنكار من يشاء حسب رغبته ، وكانوا هم والبيزنطيون والأقباط والروس ينكرون الولد وينفونه ، إذا لم يعجبهم أو لا يشبه أفراد العائلة.
وكان قدماء الرومان واليونان يهدرون نسب المرآة بعد زواجها حيث تلحق بنسب عائلة زوجها ، ومازال هذا معمولا به فى كثير من دول الغرب حتى الآن.
وقد ساد فى الجاهلية انتساب الإنسان إلى غير أبائه ، وذلك بالتبنى أو الاستحاق أو الموالاة، فأبطل الإسلام ذلك كله وحرمه.
وحفظ النسب الذى رسمه الإسلام ، يحقق الانتماء إلى الأسرة، والترابط بين أفرادها.
أ.د/ عبد الفتاح محمود إدريس

مفهوم : النسخ
لغة: الإزالة، يقال: نسخت الشمس الظل، أى أزالته (لسان العرب).
واصطلاحا: عرف النسخ فى اصطلاح الأصوليين بتعريفات كثيرة، فعرفه البيضاوى بأنه: بيان انتهاء حكم شرعى بطريق شرعى متراخ عنه.
وعرفه ابن الحاجب بأنه: رفع الحكم الشرعى بدليل شرعى متأخر.
ومعنى تعريف البيضاوى: أن الحكم الشرعى مُغيا عندالله تعالى بغاية، أو محدد بوقت معين ، فإذا جاءت هذه الغاية أو حل الوقت المعين انتهى الحكم لذاته.
ومعنى تعريف ابن الحاجب: رفع تعلق الحكم الشرعى بأفعال المكلفين لارفعه هو، فإنه أمر واقع ، والواقع لايرتفع.
وللنسخ فى الشريعة الإسلامية حكمة عظيمة: ففيه حفظ لمصالح العباد فى وقت الرسالة، لانتقال المسلمين من فوضى الجاهلية إلى نظام الإسلام ، فاقتضت حكمة الشارع ألا ينقلهم دفعة واحدة إلى ما يستقر عليه التشريع آخر الأمر، لأنهم لايطيقون ذلك ، بل سلك بهم طريق تشريع الحكم الملائم لحالهم أول الأمر،
فإذا أذاقوا بشاشته وألفوا الخروج على ما تعودوه بترويض أنفسهم لذلك جاء حكم آخر.
لذا نجد النسخ قد يكون من الأخف إلى الأشد، وقد يكون من الأشد إلى الأخف ، وهذا تمشيا مع المصلحة،
فإذا كانت المصلحة فى تبديل حكم بحكم ، وشريعة بشريعة كان التبديل لمراعاة هذه المصلحة، وعموما ففى النسخ رحمة الله لخلقه بالتخفيف عنهم والتوسعة عليهم.
وأركان النسخ أربعة:.
1- النسخ: وهى الرواية والمعنى الحاصل بالمصدر "الارتفاع" أى ارتفاع الحكم.
2- الناسخ: وهو الله سبحانه حقيقة، وتسمية الدليل ناسخا مجاز.
3- المنسوخ: وهو الحكم الذى انقطع تعلقه بأفعال المكلفين فيما يستقبل من الزمن.
4- المنسوخ عنه: وهو المكلف الذى رفع عنه التكليف بالحكم المنسوخ ، ووقع عليه بالحكم الناسخ.
وأكثر أهل الفقه والأصول على جواز النسخ عقلا ووقوعه شرعا، إلا ما نقل عن أبى مسلم الأصفهانى فقد منع وقوعه وإن قال بجوازه عقلا. وذهب كثير من المحدثين إلى عدم وقوعه فى القرآن الكريم وإن وقع فى السنة المشرفة.
أمر الله تعالى المتوفى عنها زوجها بالاعتداد حولا وذلك فى قوله تعالى: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج}البقرة:240. ثم نسخ ذلك بأربعة أشهر وعشر كما فى قوله تعالى: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} البقرة:234 ، قد نسخت هذه الآية الآية المتقدمة.
وللنسخ شروط منها ما هومتفق عليه ،ومنها ما هومختلف فيه.
أما الشروط المتفق عليها بين العلماء فهى:
1- أن يكون المنسوخ حكما شرعيا، لأن الأمورالعقلية التى مستندها البراءة الأصلية لم تنسخ ، وإنما ارتفعت بإيجاب العبادات.
2- أن يكون النسخ بخطاب شرعى لا بموت المكلف ،لأن إرتفاع الحكم بالموت سقوط تكليف لانسخ.
3- أن يكون الحكم السابق مقيدا بوقت معين.
4- أن يكون الناسخ متراخيا عن المنسوخ ،فإن المقترن بالشرط والصفة والاستثناء لا يسمى نسخا بل تخصيصا.
وأما الشروط المختلف فيها فكثيرة منها:
1- أن لا ينسخ القرآن إلا بقرآن ، ولا سنة إلا بالسنة.
2- أن يكون الناسخ مثل المنسوخ فى القوة، أو أقوى منه لا دونه ، فلا ينسخ القرآن بالآحاد، لأن الأقوى لا يفسخه ضعيف.
3- أن يكون الفعل المراد نسخه قد دخل وقته وتمكن المكلفون من امتثاله ، فلا يجوز نسخ العقل قبل التمكن من الامتثال.
4- أن يكون الناسخ مقابلا للمنسوخ ،مقابلة الأمر للنهى، والمضيق للموسع.
5- أن يكون الناسخ والمنسوخ نصين قاطعين.
6- أن يكون النسخ ببدل مساو ، أو بما هو أخف منه.
7- أن يكون الخطاب المنسوخ حكمه مما لايدخله الاستثناء والتخصيص.
والراجح أنه لا اعتبار لهذه الشروط ، وإن كان قال بكل واحد منها فريق ، فهناك فريق آخر قال بضده ، ولايحتج بقول على قول ،تعقيب: على أن مسألة النسخ كانت مثار خلاف شديد بين من يثبتونه على ما ورد بصدد هذه الدراسة.
لكن من ينكرونه يستندون إلى ملاحظات جديرة بالاعتبار منها:
1- أن من بعض أوصاف القرآن فى القرآن - آية {كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير} هود:1. والإحكام ينافى النسخ.
2- أن تفسير"النسخ" قد يوهم ما لا يتفق وإحكام الحق تبارك وتعالى لكتابه ، كما ينافى مما قد يقع فى الوهم منافيا لجلال الله من تردد أو ارتياب فيما يحكم به ، فيكون نسخه وتعديله.
3- بعض العلماء ومنهم الاستاذ الدكتور محمد البهى رحمه الله على ما حدثنى الأستاذ الدكتور محمود حمدى زقزوق وزير الأوقاف من أن الدكتور البهى تتبع لفظ الآية فى القرآن ، فوجد أن كل ما ورد عن الآية فى القرآن جاء بلفظ الجمع (آيات) إلا آية النسخ هذه ، ومن ثم يرجح أن تكون بمعنى العلامة أو لآية كونية. والله أعلم
أ.د/ عبد الفتاح محمود إدريس

مفهوم : نشأة الرسول
الحديث عن نشأة الرسول صلى الله عليه وسلم يشمل المدة من مطلع حياته حتى زواجه من السيدة خديجة رضى الله عنها وعمره خمس وعشرون سنة،وهى مدة تمتد بالتاريخ و الميلادى من سنة 571م إلى 595م ،وفى هذا النطاق نسجل الأحداث التالية التى تصور بإيجاز هذه النشأة: ولد الرسول صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول عام الفيل من أبوين كريمين هما عبدالله بن عبدالمطلب ، والسيدة آمنة بنت وهب ، وقد توفى والده ومحمد صلى الله عليه وسلم لايزال جنينا فى بطن أمه. ولما وضعته أمه أرسلت إلى جده عبدالمطلب أن ولد لك غلام (حفيد) فأسرع إلى البيت ، وأخذه و دخل به الكعبة وأخلت يدعو الله ، ويشكرله ما أعطاه ، ومما روى فى ذلك أن عبدالمطلب أنشد أرجوزة مطلعها:
الحمد لله الذى أعطانى هذا الغلام الطيب الأردان وأرضعته امرأة من بنى سعد بن بكر يقال لها حليمة ابنة ذؤيب ،وقد امتلأ ثدياها ، باللبن بعد أخذه ،ونالها خير كثير،وانتقلت حياتها من العسر إلى اليسرويذكرابن إسحاق أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان لايقبل إلا على ثدى واحد، وكأنه فطر على أن يدع الثدى الثانى لأخته من الرضاعة.
لما تمت رضاعته عادت به حليمة إلى أمه ، بعد سنتين ،وبينما كانت تحرص على أن تعود به لمنازل بنى سعد، لمارأت فى وجوده عندها بى من الخير وتقول حليمة: كلمنا أمه ، وقلت لها: لو تركت ابنى عندى حتى يغلظ ، فإنى أخشى عليه واء مكة.. ولم تزل بها حتى ردته معها، حدثت أحداث عند حليمة تتصل بمحمد صلى الله عليه وسلم خافت حليمة عليه وأعادته ، وقد رعى محمد صلى الله عليه وسلم الغنم فى صحبة إخوته من الرضاعة.
توفيت أمه السيدة آمنة وهو فى السادسة من العمر، وكانت وفاتها بالأبواء بين مكة والمدينة، فقد كانت قدمت به على أخوال أبيه من بنى النجار، فماتت وهى راجعة إلى مكة، فتولى جده عبدالمطلب الإشراف عليه ورعايته.
يقول ابن إسحاق: إنه كان لعبد المطلب جد الرسول صلى الله عليه وسلم فراش يوضع له فى ظل الكعبة وكان أبناء عبدالمطلب يتلسون حول هذا الفراش ، ولكن محمدا صلى الله عليه وسلم جلس على وهذا الفراش وهو دون الثامنة، فأراد أعمامه أن يؤخروه ، فقال لهم عبدالمطلب: دعوا ابنى إن له شأنا وأجلسه معه على الفراش.
توفى عبدالمطلب ومحمد صلى الله عليه وسلم فى الثامنة من عمره ، فكفله عمه أبو طالب الذى كان الشقيق الوحيد لعبدالله والد الرسول ، ومع أبي طالب واصل محمد صلى الله عليه وسلم الرعى لغنم عمه ، ولما اشتد عوده عمل فى تجارة عمه.
وكان محمد صلى الله عليه وسلم وهو يرعى الغنم يعنى بأغنامه عناية كبيرة فى مرعاها وسقيها، وإذا ولدت شاة أو مرضت اهتم بها كل الاهتمام ، فكثرت بذلك أغنامه ، حتى كان بعض الناس يطلبون من أبى طالب أن يضموا أغنامهم لأغنامه لتنال عناية محمد صلى الله عليه وسلم ولتنمو وتكثرة ولذلك سمى "الأمين".
وحفظه الله من أى انحراف ، وروى عنه أنه قال: (لقد رأيتنى فى غلمان قريش ننقل الحجارة لبعض مايلعب به الغلمان ، وكلنا قد تعرى وأخذ إزاره ، فجعله على كتفه ورقبته يحمل عليه الحجارة، فإنى لأقبل معهم كذلك وأدبر، إذ لكمنى لاكم - ما أراه لكمة موجعة، وقال: شد عليك إزارك ، قال فأخذته ولبسته. فكنت كذلك بين أصحابى، وحملت الحجازة على كتفى).
رلما اشتغل بتجارة عمه ، كان صادقا فى عرض السلع وقانعا بربح مناسب ولذلك سمى "الصادق" وأصبح معروفا فى قومه بالصادق الأمين.
ووقعت حرب الفجار وعمر الرسول صلى الله عليه وسلم أربع عشرة سنة، وكانت بين قريش ومعها كنانة. وبين قيس عيلان ، وسميت الفجار لحدوثها فى الشهر الحرام مما يعد فجورا ، ويذكر ابن هشام أن حرب الفجار امتدت حتى أصبح الرسول صلى الله عليه وسلم فى العشرين من عمرة، وقد شهد الرسول صلى الله عليه وسلم بعض أيامها ويروى عنه قوله (كنت أنبل على أعمامى فى الفجار).
ووصل محمد صلى الله عليه وسلم إلى عهد الشباب ، وكان واضحا أنه لم يعبد صنما قط ، وبغضت له الأوثان ، ودين قومه ، وتنزه عن مذمومات الجاهلية التى كان يغرق فيها شباب العرب فى ذلك العهد.
طلبت السيدة خديجة محمدا صلى الله عليه وسلم ليتاجر فى مالها، فقبل وقبل عمه أبو طالب ، وتهيأ للسيدة خديجة بذلك أن تتعرف إخلاصه وأمانته ، فخطبته لنفسها، وتم زواجه بها، وكان عمره آنذاك خمسا وعشرين سنة، وكانت هى أكبر منه ، وكانت السيدة خديجة تسمى الطاهرة فى الجاهلية والإسلام ،وأنجب منها الرسول صلى الله عليه وسلم كل أولاده الذكور والإناث إلا إبراهيم ، فقد كان ابنه من مارية المصرية.
ولما بلغ صلى الله عليه وسلم مبلغ الرجال كان أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقا، وأكرمهم حسبا، وأبرهم جوارا ، وأعظم حلما ، وأصدقهم حديثا ، وأكثرهم أمانة، وأبعدهم عن الفحش وعن الأخلاق التى تدنس الرجال.
ومعرفتنا الدقيقة بمراحل نشأة الرسول صلى الله عليه وسلم تشبه معرفتنا الدقيقة بجميع مراحل حياته ، وهذا الوضوح هو الذى جعل جوستاف ليبون يقول: إذا استثنينا محمدا لانجدنا مطلعين على حياة مؤسس ديانة اطلاعا صحيحا.
أ.د/ أحمد شلبى

مفهوم : النفقة
لغة: هي ما ينفقه الإنسان من الأموال كما فى القاموس.
واصطلاحا: كفاية من يمونه خبزا وأداما وكسوة ومكسنا وتوابعها.
وأسباب النفقة هى:
1- العلاقة الزوجية، فقد أوجب الشارع على الزوج فى جميع الأحوال الإنفاق على زوجته ، غنيا كان أو فقيرا، ولم يوجب الإسلام على الزوجة أن تنفق على نفسها وإن كانت موسرة، أو أن تنفق على زوجها بالأولى من هذا المال وإن كان معسرا ، ولم يوجب عليها أن تتكسب هذه النفقة بالعمل أو نحوه ،فالنفقة حق لها على زوجها بمقتضى عقد النكاح.
ومن أدلة وجوبها قول الله تعالى {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} البقرة:233 ، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فى خطبة الوداع: (اتقوا الله فى النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله .. ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف) (رواه مسلم).
ونفقة الزوجة تشمل الإطعام والكسوة والسكنى، ووسائل النظافة، وتشمل أجر الخادم إن كانت الزوجة ممن تخدم فى بيت أهلها، وكان الزوج موسرا، فيجب لها النفقة فى الوجوه السابقة مقدار كفايتها بالمعروف ،وهذا الحق الذى قرره الإسلام لها، يتحقق به صيانتها وحمايتها من التبذل والامتهان. بسبب اكتساب أسباب الحياة، حيث كفل الإسلام لها هذه الأسباب فى منزل الزوجية بدون تدخل منها ، لتتفرغ لأداء رسالتها المنوط بها فى الحياة.
2- علاقة القرابة ، فقد أوجب الشارع بها على المرء الإنفاف على والديه ، كما أوجب بها على الوالدين الإنفاق على أولادهما ذكورا أو إناثا ، إذا كان للمنفق مال يمكنه الإنفاق منه ،فاضلا عن نفقته ، ولم يكن للمنفق عليه مال ولاكسب يكتفى به عن نفقة قريبه عليه.
ومن الأدلة علي وجوب نفقة الأصول على فروعهم حديث عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن أطيب ما أكلتم من كسبكم ، وإن أولادكم من كسبكم) (رواه الترمذى عن عائشة رضى الله عنها وقال: حسن صحيح).
ومن الأدلة على وجوب نفقة الفروع على أصولهم حديث هند زوج أبى سفيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها حين اشتكت إليه بخل أبى سفيان: (خذى من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفى بنيك) متفق عليه.
كما أوجب الشارع بمقتضى القرابة نفقة القريب - غير الأصل والفرع - على قريبه بالشروط السابقة فى نفقة الأصول والفروع ، حيث يرى الحنفية وجوب النفقة لكل ذى رحم محرم للمنفق ، ويرى الحنابلة وجوبها لقريبه إن كان يجرى التوارث بينهما، أو كان من ذوى رحمه ، ومن الأدلة على ذلك ماروى عن طارق المحاربى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يد المعطى العليا، وابدأ بمن تعول ،أمك وأباك ، وأخاك ، ثم أدناك أدنك) رواه ابن حبان فى صحيحه، حيث بين فى الحديث أن من المعالين الأخوة والأقرب من الأقارب ، فيجب لهم على أقاربهم المأكل والمشرب والملبس والساكنى ونحوها ، بقدر الكفاية، مراعاة فى ذلك العرف وحال المنفق والمنفق عليه ، وظروف الزمان والمكان.
وإيجاب نفقة الأقارب الذين لامال لهم إذا عجزوا عن الكسب - على قريبهم الموسر، يحقق صلة الرحم ، ويقيم العلائق بين أفراد الأسرة على أساس من الترابط والتكافل ،فينصلح حال الأسرة، وينصلح بصلاحها حال المجتمع بأسره.
أ.د/ عبد الفتاح محمود إدريس

مفهوم : نقل الأعضاء
لغة: جزء من مجموع الجسد. كاليد والعين والمعدة كما فى المعجم الوجيز
واصطلاحا: اقتطاع جزء من بدن آدمى حى أوميت ، لغرسه فى بدن آدمى حى مريض يحتاج إليه.
وهذه الأعضاء المنقولة عن موضعها من بدن الآدمى تسمى بالطعوم ، والطعم جزء من نسيج أو عضو يستعمل كبديل لجزء مماثل ، والنسيج أو العنصرالأصلى إما أن يكون مريضا أومشوها،أوغير قادرعلى أداء وظيفته الطبيعية فى بدن صاحبه ،وأكثر الأنسجة استعمالا لهذا الغرض هى الجلد والعظام والغضاريف والأوردة والشرايين والقرنية.
والطعوم الآدمية نوعان:
1- الطعوم الذاتية: هى ما أخذت من الإنسان لمداواة جزء آخر من بدنه ،ومن أمثلتها أخذ جزء من جلده فى موضع مستتر كالفخذة لترقيع جزء آخر فى موضع ظاهر من بدنه كالوجه ،أوأخذ العظام أو الغضاريف منه ، وغرسها فى موضع آخر.
2- الطعوم الجنسية: وهى ما أخذت من جنس المريض ،أى من آدمى آخر حى أو ميت ، وذلك كنقل الكلى من آدمى أو ميت لغرسها فى بدن آدمى حى آخر، تلفت كليته أو لم تعد صالحة للقيام بوظيفتها،
ونقل القرنية أو القلب من بدن آدمى ميت وغرسها فى بدن آدمى مريض مفتقر إليها.
ونقل الأعضاء على هذا النحو لا تمنع منه الشريعة الإسلامية، لأنه من قبيل التداوى الذى حض عليه الشارع ، وهذا النقل وإن كان من مستجدات العصر، إلا أن الشريعة الإسلامية الصالحة لكل زمان ومكان لا تمنعه ، مما يدل على اتساعها لكل قضايا الناس فى دنياهم إلى أن تقوم الساعة.
وقد وضعت الشريعة الإسلامية الضوابط لهذا النقل ، قصد بها مراعاة مصلحة المنقول إليه العضو، وعدم الإضرار بالمنقول منه أو تعريضه للهلاك إذا كان آدميا حيا، وعدم التمثيل بجثته إن كان ميتا ولمجمع البحوث الإسلامية فى هذا الموضوع بيان شاف حدد - بالتفصيل ضوابط هذا النقل وشروطه بحيث المصلحة للمنقول إليه والمنقول منه عن طريق التبرع الذى تختض معه التجارة انتفاء تاما فليرجع إليه.
أ.د/ عبد الفتاح محمود إدريس

مفهوم : النهى
لغة: المنع كما فى لسان العرب.
واصطلاحا: هو طلب ترك الفعل قولا.
وبعبارة أخرى: هو ما دل على طلب الكف عن الفعل ، فخرج به الأمر لأنه طلب فعل غير كف ، وخرج الالتماس والدعاء ، لأنه لا استعلاء فيهما.
وأساليب النهى مختلفة: فمنها: صيغة النهى المعتادة مثل: قوله تعالى: {ولاتقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن} الإسراء:34 ، وقوله: {ولاتقربوا الزنى} الإسراء:32 ، وقوله: {ولاتقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق} الأنعام:151.
ومنها: صيغة التحريم ، مثل قوله تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم} النساء:23. وقوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة} المائدة:3.
ومنها: صيغة النفى، مثل قوله تعالى: {لايحل لكم أن ترثوا النساء كرها} النساء:19.
ومنها: صيغة الأمر الدال على الترك ، مثل: قوله تعالى: {وذروا ظاهرالإثم وباطنه} الانعام:120 ،، وقوله تعالى {فاجتنبوا الرجس من الأوثان} الحج:30.
والنهى عند الجمهور للتحريم ، ولزوم الانتهاء عن مباشرة المنهى عنه ، كما أن موجب الأمر هو الوجوب ، فكون النهى للكراهة، أو الدعاء، أو الإرشاد ، أو التحقير، أوغيرها، إنما يعرف بالقرائن الدالة على تلك المعانى، مثل قوله تعالى: {ربنا لاتزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا} آل عمران:8. وقوله تعالى: {لاتعتذروا اليوم إنما تجزون ماكنتم تعملون} التحريم:7. فإن الأول للدعاء والثانى لليأس.
والدليل على كون النهى المطلق للتحريم قوله تعالى: {ومانهاكم عنه فانتهوا}الحشر:7 ، أمر الله بالانتهاء
عن المنهى عنه ،فيكون الانتهاء واجبا ، وترك الواجب حراما.
وعند الحنفية:النهى إذا كان قطعى الثبوت وقطعى الدلالة فيكون للتحريم ، وإذا لم يكن كذلك فللكراهة التحريمية ، لأن الأمثلة التى تدل على أن النهى للتحريم كلها قطعى الثبوت وقطعى الدلالة من غيرقرينة صارفة عن التحريم إلى غيره من المعانى.
والصحيح الراجح مذهب الجمهورة لأن النهى فى اللغة موضوع للدلالة على طلب الترك على وجه الحتم والإلزام ، فلا يدل عند إطلاقه إلا على التحريم ، ولا يدل على غيره إلا بقرينة، وهذا ما يفهمه العقل من الصيغة المجردة عن القرينة، وهو دليل الحقيقة، وهى أن النهى حقيقة فى التحريم.
أ.د/ على جمعة محمد

مفهوم : النية
لغة: قصد النفس إلى العمل كما فى المعجم الوجيز.
واصطلاحا: اعتقاد القلب فعل الشىء وعزمه عليه من غير تردد.
ومحل النية القلب ، والتلفظ بها مباح ،وزمنها أول العبادات ، والمقصود بها تمييز العبادات عن بعضها، وتمييز العبادة عن العادة، كالجلوس فى المسجد الذى يكون اعتكافا تارة، وللاستراحة تارة أخرى.
ومن أدلة اشتراط النيه لصحة العبادات ،ما رواه عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إنما الأعمال بالنيات " رواه البخارى.
وكيفية النية فى العبادات تختلف بحسب كل عبادة، فالنيه في الطهارة مثلا يقصد بها رفع الحدث ، أو استباحة ما يفتقر إلى طهر كالصلاة والطواف ونحوهما ، أو الاغتسال أو التيمم ، فيقول المتطهر: نويت رفع الحدث ، أواستباحة الصلاة ... ، ونية الصلاة: يبين فيها الفعل والصلاة التى تؤدى، ونية الزكاة: يظهر فيها المزكى اعتقاده أن ما يخرجه هو زكاة ماله ، أوبدنه ، أو زكاة من يخرج عنه.
واشتراط النية فى العبادات يقتضى استحضار الذهن عند العزم على العبادة، والتجرد من شواغل الدنيا والإخلاص لله تعالى فيها.
أ.د/ عبد الفتاح محمود إدريس

مفهوم : الهجرة
يقصد بها: الخروج من أرض إلى أرض ، وانتقال الأفراد من مكان إلى آخر سعيا لتحقيق أغراض للمهاجر.
ولما كان الانتقال جهدا لأصحابه نفسيا ومادياة حيث يترك أرضه الأولى وماله فيها من ذكريات ومنافع ،إلى أرض أخرى جديدة لا يدري ماذا يحدث له فيها: كان التوجيه القرآنى والترغيب النبوى مصاحبا للمهاجرين الذين اضطهدوا فى أرضهم لإيمانهم بربهم وما اقتضاه إيمانهم من إنتقالهم إلى العبادة الصحيحة والمعاملة الحسنة ومكارم الأخلاق ، فأخرج المؤمنون من ديارهم ، وأوذوا فى سبيل الله ، فكان التوجيه النبوى أن تكون الهجرة لله وحده "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله" ، يؤجرعليها بما جاء من الوعد الصادق، "ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه"، من أغراض محدودة. قال تعالى فى بيان مكانة المهاجربن فى سبيله: {إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا فى سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله والله غفور رحيم} البقرة:218. وقال سبحانه: {فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا فى سبيلى وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجرى من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب} آل عمران:195.
وكما أثنى الله على المهاجرين أثنى على من أحسنوا استقبالهم ونصرتهم قال جل شأنه: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصاروالذين اتبعوهم بإحسان رضى الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجرى تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم} التوبة:100 ، وقال سبحانه: {والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجرإليهم ، ولا يجدون فى صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} الحشر:6.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار".
وقد هاجر المؤمنون عندما اشتد بهم تعذيب المشركين بمكة المكرمة إلى الحبشة مرتين قال الرسول صلى الله عليه وسلم للمعذبين: "إن بأرض الحبشة ملكا لا يظلم أحد عنده ، فالحقوا ببلاده ، حتى يجعل الله لكم فرجا ومخرجا مما أنتم فيه".
تقول السيدة أم سلمة رضى الله عنها: " فخرجنا إليها أرسالا حتى اجتمعنا بها فنزلنا بخير دار إلى خير جار،أمنا على ديننا ولم نحس منه ظلما ". ثم بلغ المهاجرين إلى الحبشة أن أهل مكة أسلموا فرجع بعضهم فلم يجدواالخبر الصحيح فرجعوا إلى الحبشة، وهاجر معهم فى الهجرة الثانية جماعة آخرون.
وكان المهاجرون يعبرون عن دينهم وما دعاهم إليه خير تعبير مما يدعو الآخرين إلى احترامهم وتقديرهم إذ أحسنوا فى عرض عقيدتهم وأخلاقهم ، دون تضليل أو كذب ولو كان فيما يقولون بعض المخالفة لما كان عليه أهل الحبشة من تحريف فى المعتقدات.
وكانت الهجرة الكبرى والتى أذن الله فيها لنبيه صلى الله عليه وسلم بتحقيقها وأراه موضعها - إلى المدينة المنورة، فاتخد الرسول صلى الله عليه وسلم لها أسبابها ، واختار فيها الرفيق ، والدليل الخبير، وأمن مصدر الزاد ، والأخبار والمتابعة، ورد الأمانات إلى أصحابها ، وواجه طغيان المشركين بتدبير محكم ، ومضى فى طريق هجرته ومعه الصديق أبو بكر، وفشلت محاولات المشركين فى تتبعه وإعادته وتجلت عناية الله فى الطريق وشهدت بذلك "أم معبد" كما شهد سراقة حتى وصل إلى المدينة المنورة فاستقبل بفرح المؤمنين ، وأقام مسجدا وحمل فيه الحجارة مع أصحابه ،وآخى بين المهاجرين والأنصار، ووضع ميثاقا عظيما لتنظيم العلاقة بين المقيمين من المهاجرين والأنصار واليهود فى المدينة المنورة وظهرت آثار الهجرة فى مغالات التأسيس للدولة والأمة، وسميت المدينة بدار الهجرة والسنة كما فى صحيح البخارى، وصارت الهجرة إليها من سائر الأنحاء الأخرى التى بلغها الإسلام تقوية للدولة إلى أن قال النبى صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة ودخول الناس فى دين الله أفواجأ: " لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية واذا استنفرتم فانفروا " (متفق عليه) وبقى معنى الهجرة فى هجر مانهى الله عنه ، وبقت تاريخا للأمة.
أ.د/ محمد رفعت سعيد

مفهوم : الهندوسية
" الهندوسية " أو " الهندوكية ": دين يعتنقه معظم سكان الهند، وقد أطلق عليها ابتداء من القرن الثامن ق.م. اسم: "البرهمية" نسبة إلى "براهما" وهو القوة العظيمة السحرية الكامنة التى تطلب كثيرا من العبادات ، كقراءة الأدعية والأناشيد وتقديم القرابين ، و"البرهميون" أو"البراهمة": هم أصحاب الطبقة الأولى من عبدة "براهما"الذين ولدوا منه ، أو ممن انبثق عنه: "برهمان".
قامت "الهندوسية" على أنقاض "الويدية" ، وتشربت أفكارها، وتسلمت عن طريقها الملامح الهندية القديمة، والأساطير الروحانية المختلفة التى نمت فى الهند قبل دخول الآريين ، ومن أجل هذا عدها الباحثون امتدادا لـ "الويدية" وتطورا لها.
ليس لـ"الهندوسية" مؤسس يمكن الرجوع إليه كمصدر لتعاليمها وأحكامها ، فهى مجموعة من التقاليد والأوضاع تولدت من تنظيم الآريين لحياتهم جيلا بعد جيل بعد ما وردوا على الهند، وتغلبوا على سكانها.
ويعتقد الهنود أنها دين أزلى لا بداية له وملهم به قديم قدم الملهم ،ويرى الباحثون الغربيون والمحققون من الهندوس أنه قد نشأ فى قرون عديدة متوالية لا تقل عن عشرين قرنا بدأت قبل الميلاد بزمن طويل وقد أنشأه أجيال من الشعراء، والزعماء الدينيين والحكماء الصوفيين عقبا بعد عقب ، وفق تطورات الظروف ، وتقلبات الشئون ، ف" الهندوسية" أسلوب فى الحياة أكثر مما هى مجموعة من العقائد والمعتقدات ،وتاريخها يوضح استيعابها لشتى المعتقدات والسنن ، وليست لها صيغ محددة المعالم ، ولذا تشمل من العقائد ما يهبط بها إلى عبادة الأحجار والأشجار والحيوان ، وما يرتفع إلى التجريدات الفلسفية الدقيقة.
"الفيدا " هو كتاب "الهندوسية" المقدس ، ويقال: إنه أقدم من التوراة بآلاف السنين ،وإنه دون فى زمن موغل فى القدم ، ربما يرجع إلى ثلاثين ألف سنة مضت ، وتعكس نصوصه حياة الآريين فى الهند فى عهدهم القديم ومقرهم الجديد، ففيه حلهم وترحالهم ، دينهم وسياستهم ، حضارتهم وثقافتهم ، معيشتهم ومعاشرتهم ، مساكنهم وملابسهم ، مطاعمهم ومشاربهم. وترى فيه مدارج الارتقاء للحياة العقلية من سذاجة البدوى إلى شعور فلسفى، فتوجد فيه أدعية بدائية، مثل: "أيتها البقرة المقدسة، لك التمجيد والدعاء، فى كل مظهر تظهرين به.. "ونصوص ترتقى إلى وحدة الوجود، مثل": إنى أنا الله ، نور الشمس ، وضوء القمر وبريق اللهب ،ووميض البرق، وصوت الرياح ، وأنا الرائحة الطيبة التى تنبعث فى أنحاء الكون ، والأصل الأزلى لجميع الكائنات ، وأنا حياة كل موجود، وصلاح الصالح لأنى الأول والآخر والحياة والموت لكل كائن".
بلغ تعدد الآلهة عند الهنود مبلغا كبيرا؛ إذ يوجد لكل ظاهرة طبيعية تنفعهم أو تضرهم إله يعبدونه ، يستنصرون به فى الشدائد ، غير أنهم جمعوا الآلهة فى إله واحد، وأطلقوا عليه ثلاثة أسماء: فهو "براهما" من حيث هو موجد، وهو "فيشنو" من حيث هو حافظ، وهو "سيفا" من حيث هو مهلك.
و"براهما"، هذا عند فلاسفتهم ليس خالقا، فهو فكرة ذهنية أكثر منه إرادة عاملة، فالعالم - حسب تصورهم - خلق على النحو التالى: أخذ "براهما" يتأمل ويفكر، وعن تفكيره هذا نشأت بذرة مخصبة،
تطورت إلى بيضة ذهبية، ومن تلك البيضة نشأ العقل الخالق ، يطلقون عليه أيضا "براهما".
من المعتقدات الهندوسية:
1- التناسخ ؛ إذ يعتقد الهنود أن الأرواح جائلة متنقلة فى أطوار شتى من الوجود، تنتقل من جسد إلى آخر، سواء أكان فى الإنسان ، أو فى الحيوان ، حتى تصل إلى هدفها الأخير، وهو استجلاء طلعة "براهما" التى لا تكتسب إلا بالاندماج فيه كما تندمج قطرة الماء فى المحيط.
2- "كارما" وهى متممة لفكرة تجوال الأرواح. وتقوم نظريتها على أساس أن كل عمل يأتيه الانسان له ثمرته حتما، وأن كل شىء يكتسبه الإنسان فى كل طور من أطوار الوجود المتكرر، تحدده الأعمال التى يقوم بها فى الوجود السابق ؛ فأعماله الصالحة ترفع درجته فى الأطوار اللاحقة، حتى إلى النهاية، وهو الاتحاد مع "براهما". والأعمال الشريرة تهبط بدرجته إلى أسفل ، فيظل دائرا فى أطوار الوجود المؤلمة لا يتخلص منها أبدا بل تزداد انحدارا به إلى أسفل طبقات الوجود.
3- نظام الطبقات: يعتبر "البراهمة" رجال الدين أنفسهم من عنصر إلهى ، فهم كهنة الأمة التى لا تجوز الذبائح إلا فى حضرتهم وتحت أيديهم ، لذلك قسموا المجتمع إلى ثلاث طبقات:
(أ) طبقة الكهنة.
(ب) طبقة المحاربين والتجار.
(ج) طبقة الخدم ، فلا يجوز لفرد أن يأكل مع آخر من طبقة أخرى، أو يزاوجه ، أو يختلط به.
ولم يظهر هذا النظام إلا فى قوانين "مينو" حوالى القرن السادس قبل الميلاد وهناك طبقة رابعة لم تدخل التقسيم وهى طبقة المنبوذين ؛ إذ هم سكان الهند الأصليون الذين لا يجرى فى عروقهم الدم التوارنى. أو الدم الآرى، ويسمون: "زنوج الهنود"، وقد سلبهم المجتمع الهندوسى حقوقهم الإنسانية، فنزل بهم إلى مستوى أقل -أحيانا- من مستوى الحيوان ، فيعتقد الهندوسى فى أحيان كثيرة أن الدنس والرجس يلحقه ، إذا مر به المنبوذ على بعد بضعة أمتار. ولم ترجع الفلسفة الهندية نشأة نظام الطبقات إلى نزعة الجنس والعنصر، بل ربطته بنص مقدس ،يقول "مينو": "...ثم خلق البرهمى من فمه ،و"الكشتريا" وهم المحاربون التجار من ذراعه، و"الويشا" وهم الخدم من فخذه ، و"السودرا"، وهم المنبوذون من رجله ، فكان لكل من هذه الطبقات منزلة على هذا النحو".
ومن ثم اتجه المنبوذون فى تدينهم إلى الأمور البدائية، فأصبح دينهم أشبه بعبادة الأزوات التى اعتصمت بها الأقوام الفطرية الساذجة ، فأعظم الآلهة عندهم يظهر فى شكل كومة من الآجر، أو فى هيئة أخرى ساذجة. وهذا الإله هو الذى يمنح الخصب للعواقر، ويحمى المحصول من الآفات ، ويرعاهم برعايته وعنايته ، ولكل مدينة إلهها.
أ.د/ محمد شامة


منتديات الرسالة الخاتمة