مقدمة الكتاب والباب الاول

    شاطر
    avatar
    الإدارة
    Admin

    عدد المساهمات : 819
    تاريخ التسجيل : 31/10/2014

    مقدمة الكتاب والباب الاول

    مُساهمة من طرف الإدارة في الجمعة مايو 26, 2017 6:25 pm


    بّسم الله الرّحمن الرّحيم
    مكتبة الثقافة الأدبية
    أخبار الحمقى والمغفلين

    ● [ مقدمة الكتاب ] ●

    بسم الله الرحمن الرحيم
    قال الشيخ الامام جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن على بن محمد بن على الجوزى الحمد لله الذى أعطى الانعام جزيلا وقبل من الشكر قليلا وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلا وصلى الله على سيدنا محمد الذى لم يجعل له من جنسه عديلا وعلى آله وصحبه بكرة وأصيلا وبعد فانى لما شرعت فى جمع أخبار الاذكياء وذكرت بعض المنقول عنهم ليكون مثالا يحتذى لان أخبار الشجعان تعلم الشجاعة آثرت أن أجمع أخبار الحمقى والمغفلين لثلاثة أشياء:
    ● الاول أن العاقل إذا سمع أخبارهم عرف قدر ما وهب له مما حرموه فحثه ذلك على الشكر.
    أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ قال حدثنا على بن الحسين بن الحسن بن أحمد بن شاذان قال حدثنا أبو بكر أحمد بن سلمان النجاد قال حدثنا عبد الله بن محمد القرشى قال حدثنا خلف بن هشام قال حدثنا الحكم بن سنان عن حوشب عن الحسن انه قال خلق الله عز و جل آدم حين خلقه فأخرج أهل الجنة من صفحته اليمنى وأخرج أهل النار من صفحته اليسرى فدبوا على وجه الارض منهم الاعمى والاصم والمبتلى فقال آدم يا رب ألا ساويت بين ولدي قال يا آدم إنى أردت أن أشكر.
    اخبرنا محمد بن عبد الملك قال أخبرنا أبو محمد الحسن بن على الجوهرى قال حدثنا أبو عمر بن حيوية قال أنبأنا بن المرزبان قال قال حارث بن محمد سمعت محمد بن مسلم يقول تكلم رجل فى مجلس ابن عباس فأكثر الخطأ فالتفت عبد الله بن عباس إلى عبد له فقال له الرجل ما سبب هذا الشكر قال إذ لم يجعلنى الله مثلك.
    ● والثانى أن ذكر المغفلين يحث المتيقظ على اتقاء أسباب الغفلة إذا كان ذلك داخلا تحت الكسب وعامله فيه الرياضة وأما إذا كانت الغفلة مجبولة في الطباع فإنها لا تكاد تقبل التغيير.
    ● والثالث أن يروح الانسان قلبه بالنظر فى سير هؤلاء المبخوسين حظوظا يوم القسمة فان النفس قد تمل من الدؤوب فى الجد وترتاح إلى بعض المباح من اللهو وقد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لحنظلة ساعة وساعة وعن حنظلة الكاتب أن النبى صلى الله عليه و سلم ذكر الجنة والنار وكنا كأنا رأينا رأى عين فخرجت يوما فأتيت أهلى فضحكت معهم فوقع فى نفسى شىء فلقيت أبا بكر فقلت إنى قد نافقت قال وما ذاك قلت كنت عند النبى صلى الله عليه و سلم فذكر الجنة والنار فكنا كأنا رأينا رأى العين فأتيت أهلى فضحكت معهم فقال أبو بكر إنا لنفعل ذلك فاتيت رسول الله صلى الله عليه و سلم فذكرت ذلك له فقال يا حنظلة لو كنتم عند أهليكم كما تكونون عندى لصافحتكم الملائة على فرشكم وفى الطريق يا حنظلة ساعة وساعة وقال على بن أبى طالب روحوا القلوب واطلبوا لها طرف الحكمة فانها تمل كما تمل الابدان وقال أيضا إن هذه القلوب تمل كما تمل الابدان فالتمسوا لها من الحكمة طرفا وعن أسامة بن زيد قال روحوا القلوب تعى الذكر وعن الحسن قال إن هذه القلوب تحيى وتموت فاذا حييت فاحملوها على النافلة وإذا مالت فاحملوها على الفريضة.
    وعن الزهري قال كان رجل يجالس أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم ويحدثهم فاذا كثروا وثقل عليه الحديث قال إن الاذن مجاجة وإن القلوب حمضة فهاتوا من أشعاركم وأحاديثكم وقال أبو الدرداء إنى لاستجم نفسى ببعض الباطل كراهية أن أحمل عليها من الحق ما يملها وعن محمد بن اسحاق قال كان ابن عباس إذا جلس مع أصحابه حدثهم ساعة ثم قال حمضونا فيأخذ فى أحاديث العرب ثم يعود يفعل ذلك مرارا.
    وعن الزهرى أنه كان يقول لأصحابه هاتوا من أشعاركم هاتوا من حديثكم فان الاذن مجة والقلب حمض وقال ابن اسحاق كان الزهري يحدث ثم يقول هاتوا من ظرفكم هاتوا من أشعاركم أفيضوا فى بعض ما يخف عليكم وتأنس به طباعكم فان الاذن مجاجة والقلب ذو تقلب وعن مالك بن دينار قال كان الرجل ممن كان قبلكم إذا ثقل عليه الحديث قال ان الاذن مجاجة والقلب حمض فهاتوا من طرف الاخبار عن ابن زيد قال قال لي أبي إن كان عطاء بن يسار ليحدثنا أنا وأبا حازم حتى يبكينا ثم يحدثنا حتى يضحكنا ثم يقول مرة هكذا ومرة هكذا قلت وما زال العلماء الافاضل يعجبهم الملح ويهشون لها لأنها تجم النفس وتريح القلب من كد الفكر وقد كان شعبة يحدث فإذا رأى المريد النحوى قال إنه أبو زيد استعجمت دار نعم ما تكلمنا والدار لو كلمتنا ذات أخبار.
    وقد روينا عن ابن عائشة أحاديث ملاحا فى بعضها رفث وإن رجلا قال له أيأتى من مثلك هذا فقال له ويحك أما ترى أسانيدها ما أحد ممن رويت عنه هو أفضل من جميع أهل زماننا ولكنكم ممن قبح باطنه فرأى ظاهره وان باطن القوم فوق ظاهرهم ووصف رجل من النساك عند عبيد الله ابن عائشة فقالوا هو جد كله فقال لقد أضاق على نفسه المرعى وقصر لها طول النهى ولو فككها بالانتقال من حال إلى حال لتنفس عنها ضيق العقدة وراجع الجد بنشاط وحده وعن الاصمعى قال سمعت الرشيد يقول النوادر تشحذ الاذهان وتفتق الآذان عن حماد بن سلمة انه كان يقول لا يحب الملح إلا دكران الرجال ولا يكرهها إلا مؤنثهم وعن الاصمعى قال أنشدت محمد بن عمران التميمى قاضى المدينة وما رأيت فى القضاة أعقل منه يا أيها السائل عن منزلى نزلت فى الخان على نفسي يغدو علي الخبر من خابز لا يقبل الرهن ولا ينسي آكل من كيسى ومن كسوتى حتى لقد أوجعنى ضرسي فقال اكتبه لي قلت أصلحك الله إنما يكتب هذا الاحداث فقال ويحك أكتبه فان الاشراف يعجبهم الملاحة فصل فقد بان مما ذكرنا أن نفوس العلماء تسرح في مباح اللهو الذي يكسبها نشاطا للجد فكأنها من الجد لم تزل قال أبو فراس أروح القلب ببعض الهزل تجاهلا منى بغير جهل أمزح فيه مزح أهل الفضل والمزح أحيانا جلاء العقل.
    فصل :
    فان قال قائل ذكر حكايات الحمقى والمغفلين يوجب الضحك وقد رويتم عن النبى صلى الله عليه و سلم انه قال إن الرجل ليتكلم بالكلمة يضحك بها جلساءه يهوى بها أبعد من الثريا فالجواب إنه محمول على أنه يضحكهم بالكذب وقد روي هذا في الحديث مفسرا ويل للذى يحدث الناس فيكذب ليضحك الناس وقد يجوز للانسان أن يقصد إضحاك الشخص فى بعض الاوقات ففي أفراد مسلم من حديث عمر بن الخطاب رضى الله عنه انه قال لأكلمن رسول الله لعله يضحك قال قلت لو رأيت ابنة زيد امرأة عمر سألتنى النفقة فوجأت عنقها فضحك رسول الله صلى الله عليه و سلم.
    وانما يكره للرجل ان يجعل عادته إضحاك الناس لان الضحك لا يذم قليله فقد كان الرسول صلى الله عليه و سلم يضحك حتى تبدو نواجذه وإنه يكره كثيره لما روي عنه عليه السلام أنه قال كثرة الضحك تميت القلب والارتياح إلى مثل هذه الاشياء فى بعض الاوقات كالملح فى القدر فصل وقد قسمت هذا الكتاب أربعة وعشرين بابا وهذه تراجمها:
    الباب الاول فى ذكر الحماقة ومعناها.
    الباب الثانى فى بيان أن الحمق غريزة.
    الباب الثالث فى ذكر اختلاف الناس فى الحمق.
    الباب الرابع فى ذكر أسماء الاحمق.
    الباب الخامس فى ذكر صفات الاحمق.
    الباب السادس فى التحذير من صحبة الاحمق.
    الباب السابع فى ضرب العرب المثل بمن عرف حمقه.
    الباب الثامن فى ذكر أخبار من ضرب المثل بحمقه وتغفيله.
    الباب التاسع فى ذكر جماعة من العقلاء صدر عنهم فعل الحمقى.
    الباب العاشر فى ذكر المغفلين من القراء.
    الباب الحادى عشر فى المغفلين من رواة الحديث وتصحيفه.
    الباب الثانى عشر فى ذكر المغفلين من القضاة.
    الباب الثالث عشر فى ذكر المغفلين من الامراء والولاة.
    الباب الرابع عشر فى ذكر المغفلين من الكتاب والحجاب.
    الباب الخامس عشر فى المغفلين من المؤذنين.
    الباب السادس عشر فى المغفلين من الائمة.
    الباب السابع عشر فى المغفلين من الاعراب.
    الباب الثامن عشر فى من قصد الفصاحة والاعراب من المغفلين.
    الباب التاسع عشر في من قال شعرا من المغفلين.
    الباب العشرون فى المغفلين من القصاص.
    الباب الحادى والعشرون فى المغفلين من المتزهدين.
    الباب الثانى والعشرون فى ذكر المغفلين من المعلمين.
    الباب الثالث والعشرون فى ذكر المغفلين من الحاكة.
    الباب الرابع والعشرون فى ذكر المغفلين على الاطلاق.

    ● [ الباب الاول ] ●
    فى ذكر الحماقة ومعناها

    قال ابن الاعرابى الحماقة مأخوذة من حمقت السوق اذا كسدت فكأنه كاسد العقل والرأي فلا يشاور ولا يلتفت اليه فى أمر حرب وقال أبو بكر المكارم إنما سميت البقلة الحمقاء لانها تنبت فى سبيل الماء وطريق الابل قال ابن الاعرابى وبها سمي الرجل أحمق لأنه لا يميز كلامه من رعونته فصل وقد ذكرنا ما يتعلق باللغة فى هذا الاسم ولا يظهر المقصود إلا بكشف المعنى فنقول معنى الحمق والتغفيل هو الغلط فى الوسيلة والطريق الى المطلوب مع صحة المقصود بخلاف الجنون فانه عبارة عن الخلل فى الوسيلة والمقصود جميعا فالاحمق مقصوده صحيح ولكن سلوكه الطريق فاسد ورويته فى الطريق الوصال إلى الغرض غير صحيحة والمجنون أصل إشارته فاسد فهو يختار ما لا يختار ويبين هذا ما سنذكره عن بعض المغفلين فمن ذلك أن طائرا طار من أمير فأمر أن يغلق باب المدينة فمقصود هذا الرجل حفظ الطائر.


    أخبار الحمقى والمغفلين
    لابن الجوزي
    منتدى بنات بنوتات ـ البوابة



      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء أكتوبر 17, 2017 9:36 am