بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مختصر موسوعة المفاهيم العربية والإسلامية
الصادرة عن المجلس الأعلى للشئون الإسلامية
حرف التاء [من التأليف الى التقليد]


مفهوم : التأليف
لغة: هو جمع الشىء إلى نظيره تقول:ألفت بين الشيئين تأليفا فتألفا وأتلفا. وتقول: تألف القوم وائتلفوا أى اجتمعوا.
واصطلاحا:جمع مسائل علم فى كتاب، وهو مأخوذ من الألفة ومن الاجتماع أيضا وقد يطلق اللفظ على المؤلف وقد يسمى التأليف تصنيفا، ويسمى الكتاب المؤلف مصنفا.
والمؤلف صاحب رسالة يريد أن ينقلها إلى القارىء ة ولذا فإن الاقتصار على سرد الآراء وجمع النصوص المتعلقة بموضوع معين لا يعد تأليفا، لأنه لا يضيف فكرا جديدا.
كذلك فإن تحقيق النصوص القديمة وترجمة النصوص الأجنبية لا يسمى تأليفا لأن الفكرة الأصلية والإضافة الحقيقية هى لمؤلف النص الأصلى وليست للمحقق أو المترجم ، ويقاس على هذا القوائم الببليوجرافية التى تحصى المؤلفات فى موضوع معين ، فإن القائم بها لا يعد مؤلفا وإنما جامعا. ولهذا نقول:إعداد فلان ، ولا نقول:تأليف فلان.
ولعل هذا هوما يفسرلنا ظهور مصطلح "السرقات الأدبية" فى تراثنا الأدبى وظهور مصطلح " حق التأليف " وقوانين حماية حق المؤلف أو حق الملكية الفكرية فى العصر الحديث ، صيانة لثمرات العقول من أن تستباح فسرقة الأفكار، لا تقل شناعة عن سرقة المتاع.
والمؤلف - عادة - يجمع مادته العلمية من مصادرها المختلفة ويحللها ويناقشها ويكتبها فى صورة مبدئية تسمى " المسودة " وهذه المسودة تخضع للتغيير والتبديل والتقديم والتأخير والحذف والإضافة حتى إذا استقر صاحبها على الصيغة التى يرتضيها، بيضها فى صورة نهائية ينشرها على الناس.
وقد يعيد المؤلف النظر فيما كتب ، وقد يعدل عن بعض آرائه فيصدر من كتابه إصدارة جديدة أو طبعة جديدة يصفها بأنها " مزيدة ومنقحة " وتلك ظاهرة صحية لا تعيب المؤلف وإنما تحسب له وتغلى من قدره وتدل على ما يتصف به فكره من تطور ونضج ونماء، وأمانة أيضا.
وفى العصور القديمة كان الإملاء إحدى طرق التأليف ، وكان العالم يجلس فى المسجد أو أى مكان عام ومن حوله تلاميذه ومريدوه ، يكتبون عنه ما يمليه فالسيوطى يذكر أن الإملاء كان أعظم وظائف الحفاظ من أهل الحديث وابن النديم يذكر أن ابن الأعرابى " أملى على الناس ما يحمل على أجمال " وتراثنا العربى يحفل بكتب كثيرة تحمل فى عناوينها كلمة "الأمالى" أو "المجالس" وقد أحصاها حاجى خليفة فى كتابه " كشف الظنون " ومن بعده إسماعيل البغدادى فى " إيضاح المكنون فى الذيل على كشف الظنون " وأشهرها أمالى أبى علاء القالى ومجلس ثعلب.
وقد انتشرت مجالس الإملاء فى الحواضر الإسلامية خلال القرنين الثالث والرابع الهجريين وتحدث الخطيب البغدادى فى مواضع متفرقة من "تاريخ بغداد" عن تلك المجالس ووصف ضخامتها وكيف أن بعضها كان يحضره عشرات الألوف وربما تجاوز عدد الحاضرين مائة ألف كمجلس عاصم الواسطى (ت 221هـ) وكان طبيعيا ألا يسمع صوت الشيخ تلك الأعداد الكبيرة من السامعين ولهذا ظهرت فئة " المستملين " الذين يرددون كلام الشيخ وراءه كل منهم يبلغ صاحبه حتى تسمع جموع الحاضرين ومهما تكن فى هذه الأرقام من مبالغة،فإنها تدل على تضخم تلك المجالس لدرجة تلفت الانتباه.
أ.د/ عبد الستار عبد الحق الحلوجى

مفهوم : التبتل
لغة: القطع ، والتبتل: الانقطاع ، ومنه: مريم البتول ، أى: المنقطعة عن الرجال ، ومنه أيضا: فاطمة البتول ، ابنة سيد الأنبياء صلى الله عليه وسلم لانقطاعها عن نظرائها من نساء الدنيا حسنا وشرفا.
وقد ورد التبتل فى القرآن الكريم بصيغة " تبتيل " فى قوله تعالى : {واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا} المزمل:18.
واصطلاحا: الانقطاع إلى الله بإخلاص العبادة.
وقد يطلق التبتل ويراد منه الانقطاع عن النساء، وترك النكاح والرهبنة، والتبتل بهذا المعنى منهى عنه فى الإسلام ، وقد رده النبى صلى الله عليه وسلم ولم يأذن فيه ؛ لأنه من باب تحريم طيبات ما أحل الله.
وقد ورد فى الحديت عن سعد بن أبى وقاص:(رد رسول الله صلى الله عليه وسلم على عثمان ابن مظعون التبتل ، ولو أذن له لاختصينا) (صحيح البخارى كتاب النكاح باب ويعنى التبتل عند الصوفية الانقطاع إلى الله تعالى، والتجرد إليه تجردا خالصا، وهو على درجات ثلاث:
- تبتل العامة وهو:الانقطاع عن الناس.
- تبتل المريد وهو:الانقطاع عن النفس.
- تبتل الواصل وهو:تصحيح الاستقامة والاستغراق فى التوجه.
أ.د/ أحمد الطيب

مفهوم : التجويد
لغة: مصدر جوّده: أى صيرّه جيدا ، والجيد ضد الردىء
واصطلاحا:إخراج كل حرف من مخرجه ،مع إعطائه حقه من الصفات اللازمة، ومستحقه من الصفات العارضة، فى تلاوة القرآن الكريم.
وعلم التجويد: هو العلم الذى يعرف منه مخرج كل حرف ، وحقه من الصفات اللازمة كالجهر والاستعلاء، ومستحقه من الصفات العارضة كالتفخيم والاخفاء، ثم أقسام الوقف والابتداء، إلى غير ذلك.
وطريق تحصيله رياضة اللسان وكثرة التكرار بعد العرض والسماع بالنطق الصحيح على يد شيخ متقن لقراءة القرآن الكريم.
وحكم العمل به الوجوب العيش على كل مكلف يقرأ شيئا من القرآن ، وحكم تعليم هذا العلم الوجوبا الكفائى مادام هناك أكثرمن عارف به ، وأشهر مباحثه:مخارج الحروف وصفاتها وأحكامها.
وأشهر كتبه قديما وحديثا:الخاقانية لموسى بن عبيد الله (ت 325هـ)، والرعاية لمكى بن أبى طالب (ت 437هـ)، والتمهيد وكذا الجزرية لمحمد بن محمد بن الجزرى (ت 833هـ)، ونهاية القول المفيد لمحمد مكى نصر، من أبناء القرن الرابع عشر الهجرى. وهداية القارئ لعبد الفتاح عجمى المرصفى (ت 1409هـ) وقد كثرت الأدلة والفتاوى ونصوص العلماء على وجوبه ، ومنها: {ورتل القرآن ترتيلا} المزمل:4. فهذا أمر، والأمر للوجوب.
وفسره سيدنا على فقال: " الترتيل تجويد الحروف ومعرفة الوقوف " . {قرآنا عربيا غيرذى عوج} الزمر:28 ، فمن عوجه بترك تطبيق التجويد فقد ارتكب المحظور.
قرأ رجل: {إنما الصدقات للفقراء} التوبة:60 ، مرسلة، أى بدون المد الواجب ،فقال ابن مسعود: ما هكذا أقرانيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرانيها: (للفقراء) فمدها.
فالإجماع على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقرأ إلا بالتجويد، وتلقاه الصحابة عنه هكذا ومن وراءهم على ذلك جيلا فجيلا
قال يعقوب: إن من التحريف تغيير الأوصاف من جهروهمس وتفخيم... فعلمنا أن هذا حرام ،وأن ضده وهو التجويد واجب.
وقال الشيخ حسنين مخلوف: " وقد أجمعوا على أن النقص فى كيفية القرآن وهيئته كالنقص فى ذاته ومادته ، فترك المد والغنة والتفخيم والترقيق كترك حروفه وكلماته ، ومن هنا وجب تجويد القرآن ".
أ.د/ عبد الغفور محمود مصطفى

مفهوم : التحليل
لغة: حلَّل العقدة، فكَّها، وحلَّل الشىء:أرجعه إلى عناصره ، وحلَّل نفسية فلان:درسها لكشف خباياها، وتحليل الجملة: بيان أجزائها ووظيفة كل منها. كما فى الوسيط.
واصطلاحا:على وجهين ، وجه العموم ووجه الخصوص.
فعلى وجه العموم هو إرجاع ظاهرة مركبة إلى أبسط عناصرها أو أجزائها.
وأما على وجه الخصوص فيستخدم فى علوم إنسانية وطبيعية كثيرة بمعان متعددة، لكنها جميعا ترتبط بهذا المعنى العام.
1- ففى علم المنطق يعتبرالتحليل -بمثابة طريقة لدراسة الظواهر تجزئ الشىء المدروس إلى وحدات متشابهة، إما بالتقسيم المادى وإما بالتفكير فى أجزاء أو صفات الشىء المتمايز كل على حدة.
2- وفى علم النفس فإن التحليل هو تحديد مكونات أية خبرة كلية أو مركبة أو عملية عقلية، ويستخدم لفظ التحليل (اختصارا للتحليل النفسى) للدلالة على منهج ومزاولة التحليل النفسى (وهو ما يطلق عليه تجاوزا:نظرية التحليل النفسى)، حيث تدرس الأحلام والتداعيات غير المقهورة وأحلام اليقظة بتوجيه عدد كبير- من القوانين وقواعد التفسير، وتتمايز أنواع مختلفة من التحليل تبعا لهذا، فالتحليل الفعال هو الطريقة التى لا تقصرفيها المحلل نفسه على تسجيل وتفسير التداعيات الحرة، بل يتدخل بجده وفاعلية ، إثارة ارتباطات ذات دلالة، ومقدما النصح على أساس المحتوى الصريح. وتحليل الذكريات هو بحث التاريخ العقلى للفرد المستمد فى جزء منه من الشخص نفسه ، وفى بقيته من أقرانه ومعارفه.
3- وفى علوم التربية يطلق تحليل المناشط على أسلوب يعمد إلى تجزئة السلوك المركب والمعقد إلى وحدات أصغر، هى أكثر نوعية وتحديدا ، ويستخدم هذا بصفة خاصة فى المفردات الدراسية.
4- وفى علوم الاجتماع يستخدم تعبير تحليل الصفة أو الجانب فى الدراسات التى تستهدف إيجاد ذلك الجانب المتميز-من سمة معينة فى مجموعة مدروسة من الناس ،على نحو ما يحدث فى دراسة الثقافات المختلفة، وذلك لتحليل المعانى والصفات المشتركة المرتبطة بالقيم المختلفة. وتحليل المضمون يقودنا إلى دراسات موسعة وشائعة الانتشار الآن فى الدراسات الإعلامية والأدبية، تعنى بتحليل الخطاب الذى يدلى به الشخص على أساس ما يقال لا على أساس كيف قيل ، وبمعناه العام فإن تحليل المضمون قد يكون بمثابة الجدولة الموضوعية للتكرار، التى تظهر عناصر معينة فى النص ألمحلل ، وهو إذن بمثابة اكتشاف وتبويب الأفكار والمشاعر والحقائق والأطر المرجعية وفق خطة منظمة.
5- وفى الطب بصفة عامة يعنى الأطباء بتحليل مضمون شكوى المريض ، للحصول على المعلومات التى
تتعلق بعناصر المرض ، ويدربون فى دراستهم الإكلينيكية على القدرة على تحليل ما يتاح لهم من معلومات ، حتى لو كانت ظاهرة البطلان ، فالذى يشكو مما ليس فيه يريد بمثل هذه الشكوى الكاذبة شيئا آخر يستطيع الأطباء استنتاجه ، والوصول إليه بحكم خبرتهم الطويلة بمثل هذه الحالات.
6- وفى الطب النفسى يطلق التحليل المباشر على إحدى الطرق المتبعة فى علاج المصابين بانفصام. 7- وفى حطوم الإحصاء يستخدم لفظ التحليل فى كثير من المصطلحات الإحصائية، ومنها التحليل التوزيعى. أما تحليل متعدد المتغيرات فأسلوب إحصائى يستخدم بكثرة وافرة الآن فى البحوث العلمية والطبية، ويهدف إلى بيان أثر عدة متغيرات وهى تتفاعل معا ، وذلك من خلال عدة طرق مختلفة (كتحليل العوامل المتعددة وتحليل التباين الاقترانى). أما تحليل التباين فهى طريقة لتحديد ما إذا ثانت الفروق (ويعبر عنها بالتباين) الموجودة فى المتغير التابع تتجاوز ما يمكن أن نتوقعه عن طرق المصادفة.. وقد يعامل كل متغير بدوره على أنه المتغير التابع.
8- وفى علوم الصوتيات يطلق تحليل الصوتيات على تجزئة تتابع صوتى إلى وحدات أصغر.
9- وفى علوم الكيمياء يطلق على العملية التى تثبت العناصر المختلفة المكونة لمركب ما، وقد تطرق هذا المعنى إلى تحليل لبول والدم والبراز وسوائل الجسم الأخرى بل وأنسجته فى المختبرات الطبية للكشف عن عناصرمعينة تنبىء عن حالة المرض ، أو نسبة معينة من مكون معين تنبىء زيادتها عن المرض وتطوره.
أ.د/ محمد محمد الجوادى

مفهوم : التّربُح
لغة: كل ما زاد أو نما فى التجارة، ويتجوّز به على كل ما يعود من ثمرة عمل.
واصطلاحا: ما زاد من ثمن سلع التجارة على ثمنها الأول ، ذهبا أو فضة، أو غيرهما من العملة المتداولة.
ولما كان التربح هو طلب الكسب والربح فى التجارة، فإنه لم يرد فى الشرع الإسلامى ما يقيد إطلاق الربح طالما كان مبنيا على أساس من العدالة؛ فليس فيه غبن فاحش لصاحبه ، ولا استغلال لطيش بَيّن فيه ، ومحررا من الحرام، فما نتج من الربح عن عقد مشروع كان حلالأ مشروعا، وما نتج عن تصرف محرم كان محرما.
غير أن الاعتدال فى التربح مطلوب " ويراعى فيه التقريب ، فإن بذل المشترى زيادة على الربح المعتادة إما لشدة رغبته فيه ، أو لشدة حاجته فى الحال إليه ، فينبغى أن يمتنع من قبوله ؛ فذلك الإحسان... ومن قنع بربح قليل كثرت معاملاته ، واستفاد من تكررها ربحا كثيرا، وبه تظهر البركة، وكان علىّ رضى الله عنه يدور فى سوق الكوفة بالدِّرّة ويقول:معاشر التجار خذوا الحق تسلموا، لا تردوا قليل الربح فتخرفوا كثيره ".
أ.د/ على مرعى

مفهوم : الترف
لغة: ترف فلان: تنعَّم فهو تَرِفٌ كما فى الوسيط.
واصطلاحا: التنعم باستهلاك وفير من الكماليات ، على اختلاف أصنافها ، أو اقتنائها ، أو هو رفه فى إشباع رغبات النفس فوق ضروراتها وحاجياتها العادية، ومن ثم فالترف قرين الثراء، ولكن العكس ليس بالضرورة صحيحا.
وقد بين القرآن أن المترفين أثرياء بلا عقيدة، فقال تعالى {وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين} سبأ:35 ، وأن كثرتهم أو تحكمهم فى مجتمع مدعاة لهلاكه فقال تعالى {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا} الإسراء:16.
ونهى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأكل فى صحاف الذهب والفضة، والشبع من الطعام ، ولباس الشهرة، والفخر والمباهاة، ولبس الرجال للحرير، والتحلى بالذهب ، والبناء فوق الحاجة تفاخرا ، وكلها مظاهر للترف.
وفى المسيحية دعا الآباء الأوائل إلى نبذ الترف ، وارتبط ذلك بكراهة تكوين الثروة وحب الزهد ، ولكن الكنيسة البروتستانتية اعتبارا من القرن السادس عشر أباحت تكوين الثروة، وتشددت فى إدانة الترف ، فدعت رعاياها إلى نبذ الاستهلاك غير الضرورى ، ويرى Max Weber أن هذة العقيدة أدت إلى نمو المدخرات من ثروة متزايدة، ومن ثم نمو الاستثمار، وبروغ الرأسمالية الحديثة.
ويلاحظ أن الإسلام لم يحرم تكوين الثروة طالما كانت من كسب حلال ، ولكنه نظم إنفاق المسلم بحيث لا يدخل الترف حياته ، فحث على الاعتدال فى الانفاق ، فقال تعالى {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا} الإسراء:29. ونهى عن التبذير فقال تعالى {وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا. إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا} الإسراء:26-27 ، وفرض الزكاة، وحث على الصدقات والقرض الحسن.
وقد قدم ابن خلدون تحليلا لأثر الترف على النشاط الانتاجى، فرأى أنه يؤدى إلى تنوع الكماليات المنتجة، وإتقان صنعتها وزيادة قيمتها، ومن ثم دخول صانعيها، وأن ذلك ينعكس على الأسواق ، فيزداد الإنفاق فيها وتنتعش ، ولكنه رأى أيضا أن أحوال الترف التى تصيب الحكام تزيد من إنفاقهم مما يتطلب موارد مالية إضافية لا يحصلون عليها إلا بزيادة الجباية من الرعية فيفسد ذلك نشاطهم الإنتاجى، ويؤدى إلى خراب الدولة.
واختلف الاقتصاديون المحدثون فى تحليل أثر الترف على النشاط الإنتاجى.
1- فرأى التقليديون أن إنتاج السلع الترفية أقل تأثيرا فى النشاط الاقتصادى والنمو من إنتاج السلع الأخرى التى يزداد عليها طلب عامة الناس.
2- ورأى الكنزيون معارضة الرأى السابق ، لأن موارد المجتمع المحدودة ليست موظفة بالكامل دائما فى الأجل القصير، كما أعتقد التقليديون ، فإذا كان بعضها معطلا فإن استخدامه فى إنتاج سلع الترف أو غيرها ينعش الاقتصاد.
والرأى التقليدى أكثر رجاحة فى الأجل الطويل إذا اعتبرنا التضحية التى يتحملها المجتمع بتخصيص بعض موارده المحدودة لانتاج سلع خاصة بالأقلية الموسرة. ولقد تبين لعدد ممن تناول موضوع الترف فى القرن العشرين أن مشكلة كثير ممن يعمل بكفاءة ويزداد دخله وتتعاظم ثروته أنه لا يستطيع أن ينفق ما حصل عليه بكفاءة أو برشد، بل ربما كان سلوكه مشينا.
أ.د/ عبد الرحمن يسرى أحمد

مفهوم : الترويح
لغة: إدخال الراحة والسرور على النفس. كما فى اللسان. والترويح عن النفس بإدخال السرور عليها والأخذ بأسبابه مما ندب إليه الشارع الحكيم ، حتى يتجدد للنفس نشاطها وتقبل على العبادة بمزيد شغف وبكثير حب ، وهذا هو صريح قوله صلى الله عليه وسلم: (روحوا عن القلوب ساعة بعد ساعة، فإن القلوب إذا كلت عميت).
واصطلاحا: إدخال الراحة والسرور على النفس على أن يكون مشروع الوسيلة والمقصد، بأن لا يرتكب به الإنسان مخالفة شرعية فى حق نفسه أو حق غيره. أما فى حق نفسه:فبأن ينشغل عن عبادة ربه ويلهى عنه ، لأنه لا خيرفى عمل يلهى عن ذكر الله ،
والمفروض أن الترويح تجديد لنشاط العبد حتى يقوى على تمام الطاعة، وكذلك بأن يرتكب مخالفة شرعية كأن يظهر عورة أمر الله أن تستر، أو أن يطلع على عورات الناس ، أو أن يستخدم فى ذلك قبيح الألفاظ والعبارات ، إلى غير ذلك مما يضر الإنسان.
وأما فى حق غيره: فبأن يكون فى ترويحه مثلا سخرية واستهزاء بالآخرين ، أو غيبة لهم ، أو إضاعة لحقوقهم.
والترويح لابد أن يكون موافقا لما أمر الله به ، قال تعالى: {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك يفرحوا هوخير مما يجمعون} يونس:58.
وقال تعالى: {قل إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين) الأنعام:162. فكل ما ليس عليه أمرالشارع فهو مردود على الإنسان يستوى فى ذلك جده ولعبه.
أ.د/ عبد الصبورمرزوق

مفهوم : التسلط
لغة: تَسَلَّطَ عليه:تحكم وتمكن وسيطر،وسلطه:أطلق السلطان والقدرة، وسلطة عليه:مكنه منه وحكمه فيه (كما فى المعجم الوسيط).
واصطلاحا: حالة تنطوى على معانى الإملاء والتحكم والرغبة فى فرض السيطرة على الآخرين.
والتسلط بهذه المعانى قد توصف به الدول والحكومات أو حتى الأفراد الجماعات حيث يدين الكل بالاستبداد والقهر لإملاء ما يرونه دون مراعاة للحريات أو لحقوق الغير.
ومع أن التسلط ينطوى على مضمون نفسى يرتبط بالدوافع والنزعات اللاشعورية التى يتم إسقاطها على الغير، إلا أن خطره يبدو إذا ما ارتبط بالسلطة السياسية فيما يعرف بالتسلطية التى تركز عناصر القوة فى يد فرد أو جماعة مما يجعلها قادرة على فرض إرادتها بما تملك من وسائل القمع المادى والمعنوى كما هو الحال فى كل النظم الجماعية الشمولية المستبدة.
ولقد كان للشريعة الإسلامية فضل السبق فى تقديم الحل الأمثل لكل مشكلات التسلط والتسلطية عندما أرست مبدأ الشورى وأوضحت مقاصدها السامية التى تتمثل فى قيام مصالح الناس فى الدين والدنيا.
يقول سبحانه وتعالى: {وشاورهم فى الأمر} آل عمران:159. كما جاء فى الحديث القدسى: (يا عبادى إنى حرمت الظلم على نفسى وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا} رواه مسلم عن أبى ذر.
وها هو ذا أبو بكر الصديق يقول فى خطبة توليه: (أيها الناس إنى قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينونى وان أسأت فقومونى) فيضع بذلك قاعدة هامة لتحديد سلطة رئيس الدولة؛ لكى تكون دستورا لمن يجيء من بعده منعا للاستبداد بالرأى والتسلط فى مصائر الناس دون رقابة وتقويم من الأمة التى هى مصدر السلطات.
أ.د/ محمود أبو زيد

مفهوم : التصوف
يمثل التصوف نزعة إنسانية، يمكن القول بأنها ظهرت فى كل الحضارات على نحو من الأنحاء، وهو يعبر عن شوق الروح إلى التطهر، ورغبتها فى الاستعلاء علي قيود المادة وكثافتها، وسعيها الدائم إلى تحقيق مستويات عليا من الصفاء الروحى والكمال الأخلاقى.
ولم يكن المسلمون استثناء من هذه القاعدة، فقد ظهر التصوف لديهم مثلما ظهر لدى من سبقهم أو عاصرهم من الأمم.
وقد قدم الصوفية تفسيرات متعددة لهذه النسبة التى تميروا بها عن غيرهم من الفرق والطوائف التى ظهرت فى المجتمع الإسلامى، ومن هذه التفسيرات ما يلى:
- إن التصوف مأخوذ من صفاء الأسرار ونقاء الآثار.
- إنه نسبة إلى الصف الأول فى الصلاة.
- إنه نسبة إلى عمل أهل الصفة من صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم وقد لاحظ القشيرى أن هذه التفسيرات ليست صحيحة من الناحية اللغوية.
- إن التصوف نسبة إلى صوفة القفا.
- إنه منسوب إلى رجل كان يجاور بمكة قبل الإسلام يسمى صوفة بن بشر، وعلق ابن تيمية بأن النسبة إلى هذا الرجل أو إلى قبيلته نسبة ضعيفة " ... لأن غالب من تكلم باسم الصوفى لا يعرف هذه القبيلة،
ولا يرضى أن يكون مضافا إلى قبيلة فى الجاهلية، ولا وجود لها فى الإسلام ".
- إن هذه التسمية نسبة إلى الصوف ،الذى هو زى الأنبياء، وشعار الصالحين والأولياء، ولباس أهل الزهد والتقشف والتواضع والإقبال على الله ، وهم يتميزون به عن أهل الرغبة فى الدنيا.
ولا يرفض القشيرى هذا التفسير، ولكنه لا يقبله قبولا تاما، وفى ذلك يقول: " فأما من قال:إنه من الصوف ، ولهذا يقال: تصوف إذا لبس الصوف كما يقال تقمص إذا لبس القميص ، فذلك وجه ، ولكن القوم لم يختصوا بلبس الصوف ". ومع ذلك يبقى أن هذا التفسير هو أقرب التفسيرات إلى القبول، وإن كان شيوخ التصوف قد أوضحوا أن التصوف يهتم بالجوهرقبل المظهر ويعنى بالحقائق والأعمال أكثرمن عنايته بالرسوم والأشكال.
وأما تعريفات التصوف فإنها كثيرة جدا، وقد ذكر السهروردى أن له أكثر من ألف تعريف بل ذكرالشيخ زروق أنها تبلغ نحو الألفين وترجع هذه الكثرة إلى أن كل واحد ممن عرفوا التصوف كان يعبر عن ذوقه ووجده وحاله ، ولهذا اختلفت العبارات ، لأن الطرق إلى الله تعالى بعدد النجوم أو بعدد أنفس السالكين.
ويمكن تصنيف هذه التعريفات إلى أنواع بحسب الطابع الغالب عليها:
(أ) فبعضها يركز على الجانب العملى، الذى يهتم بمجاهدة النفس ومقاومة شهواتها ، وذلك كالذكر والمراقبة ، ومحاسبة النفس والزهد فى الدنيا، ومن نماذج هذه التعريفات:
- التصوف: قلة الطعام ، والسكون إلى الله تعالى والفرار من الناس.
- التصوف: ضبط حواسك ، ومراعاة أنفاسك ، وهكذا.
(ب) وبعضها يتجه إلى ملاحظة الجانب الأخلاقى، الذى هو من أهم أركان التصوف،
ومن هذه التعريفات:
- التصوف: هو الدخول فى كل خلق سَنِىّ، والخروج من كل خلق دنىّ.
- التصوف: خلق فمن زاد عليك فى الخلق فقد زاد عليك فى الصفاء.
- وقال الهروى الأنصاوى: واجتمعت كلمة الناطقين فى هذا العلم ان التصوف هو الخلق.
(ج) وكان بعضها يهتم بجانب المعرفة، وهى المعرفة إلالهامية الذوقية التى هى موضع اعتزاز الصوفية وفخرهم. ومن هذه التعريفات ما قال العطار عن علم التصوف الذى هو "ثمرة للعمل والحال ، وليس نتيجة للحفظ والقال ، وإنه من العيان لا من البيان ، ومن الأسرارلا من التكرارومن العلم اللدنى لا من العلم الاكسبى...".
(د) ومن التعريفات ما يجمع هذه الجوانب كلها، ويضيف إليها ضوابط للسلوك المقبول عندهم بما يدفع التهم عن طريق الصوفية، ومن هذه التعريفات تعريف ابن خفيف للتصوف.
وقد نشأ التصوف عند المسلمين لأسباب متعددة، بعضها من داخل البيئة الإسلامية،وبعضها من خارجها.
وكان الزهد هو البيئة الطبيعية التي نشأ فيها التصوف ، وكان الزهد نفسه ثمرة لعوامل دينية واجتماعية حيث طرأ على الحياة عند المسلمين أنماط من العيش وصور من السلوك ، لم تكن مألوفة فى حياة الصدر الأول من المسلمين الذين كانوا يتميزون بالبساطة والقناعة، والبعد عن التفنن فى مطاعمهم ومشاربهم ، أخذا بالورع وخشية من الحساب ، ولكن الحياة تحولت فيما بعد، وعند أهل الترف والغنى إلى نماذج من السرف الفاحش الذى يستثير أهل الفقر والمسكنة، المستمسكين بما كان عليه السلف من زهد وبساطة،
وكان ذلك من دواعى نشأة التصوف عند المسلمين كما يقول ابن خلدون:"واصل هذه الطريقة العكوف على العبادة... والإعراض عن زخرف الدنيا ، والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه...وكان ذلك عاما فى الصحابة والسلف ، فلما فشا الإقبال على الدنيا، فى القرن الثانى وما بعده ، وجنح
الناس إلى مخالطة الدنيا،اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية والمتصوفة ".
على أن التصوف لم يخل من التأثر ببعض المؤثرات الوافدة من نظم صوفية أخرى، جاءت من خارج البيئة الإسلامية، بسبب الترجمة أحيانا أو بسبب اتصال المسلمين -بعد الفتوحات- بشعوب أخرى كان لها قدم راسخة فى التصوف كالهند وفارس ، وقد كان بعض الصوفية من أصول ترجع إلى هذه الشعوب ، وليس ببعيد أن يكون لبعض أهل الكتاب الذين كانوا يعيشون بين المسلمين بعض التأثير أيضا ، وكان من آثار هذه العوامل كلها أن ظهر لدى بعض الصوفية أقوال ونظريات مشابهة لبعض ما ظهر فى النظم الصوفية الأخرى.
وأدى ذلك إلى أن تتفاوت نظرة المسلمين إلى التصوف ، وقد انقسموا حوله إلى أنصار يرون فى التصوف طريق الولاية، وسبيل الصفاء والعرفان ونيل الكرامات وخرق العادات ، وهؤلاء هم الصوفية ومن ارتضى طريقتهم.
وإلى خصوم يرون التصوف بدعة وضلالة، واستعلاء على الشريعة بدعوى الحقيقة، وإعلاء للباطن على حساب الظاهر، وترويجا للأفكار والمذاهب الدخيلة التى تتحدث عن الفناء والحلول ، ووحدة الوجود وإسقاط التكاليف ، ووقوعا فى أسر البطالة والتواكل والجمود والسلبية، والإعراض عن العلم بدعوى العلم اللدنى.
وكان من بين المسلمين من اتخذ موقفا وسطا بين هؤلاء وهؤلاء ، ومن أبرز ممثلى هذا الاتجاه ابن تيمية (728هـ) وتلميذه ابن قيم الجوزية (751هـ) وقد أشار كل منهما إلى مواقف الفريقين ، وذكر ابن تيمية أن " الصواب هو الإقرار بما فيها ، وفى غيرها من موافقة الكتاب والسنة، والإنكار لما فيها وفى غيرها من مخالفة الكتاب والسنة ".
وإذا طبقنا هذا المعيار فسنجد أنه يوجد بين الصوفية: السابقون المقربون والمقتصدون الذين هم من أهل اليمين ، وفيهم من هو ظالم لنفسه ، وقد انتسب إليهم طوائف من أهل البدع والزندقة ولكن المحققين من الصوفية يتبرأون منهم وينكرونهم.
ولعل هذا الموقف هو أولى الآراء بالقبول ، لأنه أقرب إلى الموضوعية والإنصاف ، وأبعد من التعميم والتعصب المذموم.
وينبغى ونحن نتحدث عن التصوف ألا نغفل عما حفل به التصوف من تربية أخلاقية وتحليلات نفسية كانت موضع إعجاب الدارسين فى الشرق والغرب ، وقد كان للصوفية المسلمين دورهم فى نشر الإسلام ، فى كثير من بقاع الأرض فى آسيا وإفريقيا قديما ، وفى أوروبا حديثا ، وهو دور معروف لدى المؤرخين.
أ.د/ عبد الحميد مدكور

مفهوم : التطرف
لغة: الوقوف فى الطرف ، والطرف بالتحريك:جانب الشىء، ويستعمل فى الأجسام والأوقات وغيرها.
واصطلاحا: مجاوزة حد الاعتدال.
والعلاقة بين المعنيين اللغوى والعرفى واضحة ، فكل شىء له وسط وطرفان ، فإذا جاوز الإنسان وسط شىء إلى أحد طرفيه قيل له: تطرف فى هذا الشىء، أو: تطرف فى كذا ، أى جاوز حد الاعتدال ولم يتوسط.
وعلى ذلك فالتطرف يصدق على التسيب ، كما يصدق على الغلو، وينتظم فى سلكه الإفراط ، ومجاوزة الحد ، و التفريط والتقصير علي حد سواء؛ لأن فى كل منهما جنوحا إلى الطرف وبعدا عن الجادة والوسط.
فالتقصير فى التكاليف الشرعية والتفريط فيها تطرف ، كما أن الغلو والتشدد فيها تطرف ؛ لأن الإسلام دين الوسط والوسطية وإلى هذا ينبه القرآن الكريم فى قوله تعالى: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط} الإسراء:29. ويقول: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} الأعراف:31.
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم:(إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ، فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى} (أخرجه البزار فى مسنده عن جابر وأخرج أحمد أوله فى مسنده عن أنس}.
أ.د/ عبد الصبور مرزوق

مفهوم : التفسير
لغة: تدور مادته حول معنى الكشف مطلقا سواء أكان هذا الكشف لغموض لفظ أم لغير ذلك ، يقال فسرت اللفظ فسرا من باب ضرب ونصر، وفسرته تفسيرا شدد للكثرة إذا كشفت مغلقه.
واصطلاحا: كشف معانى القرآن وبيان المراد منه ، وهو أعم من أن يكون بحسب اللفظ المشكل وغيره ، وبحسب المعنى الظاهر وغيره ، والمقصود منه.
وهل يتوقف هذا الإيضاح على القطع بالمعنى المراد بأن يكون اللفظ نصا لا يحتمل إلا معنى واحدا أو الرواية الصحيحة عن المعصوم صلى الله عليه وسلم ، أو لا يتوقف على شىء من ذلك بحيث يكفى فيه غلبة الظن بالمعنى المراد؟ الصواب هو عدم التوقف ، غاية الأمر أنه يلزم عند مجرد غلبة الظن ألا يقطع المفسر بأن المعنى الذى غلب على ظنه هومراد الله من النص. بل يقول ما يشعر بعدم الجزم كقوله:المعنى عندى والله أعلم ، وأشباه ذلك من العبارأت المشعرة بعدم القطع فيما لا قاطع فيه.
والتفسير بهذا المعنى يشمل جميع ضروبه البيان لمفردات القرآن وتراكيبه سواء تعلق البيان بشرح لغة،
أم باستنباط حكم أم بتحقيق مناسبة، أو سبب نزول ، أم بدفع إشكال ورد على النص ، أو بينه وبين نص آخر أم بغير ذلك من كل ما يحتاج إليه بيان النص الكريم.
وقد عرف القول فى تفسير القرآن منذ عهد نزول القرآن ذاته ، فالقرآن يفسر بعضه بعضا. وقد يحتاج بعض الصحابة إلى بيان شىء من القرآن فيوافيهم به النبى صلى الله عليه وسلم كما فى قوله تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) النحل:44 ، ومن ثم عرف العلماء وذكروا فى تصانيفهم ألوانا شتى من تفسير القرآن للقرآن ومن تفسير السنة للقرآن.
ثم سار الصحابة فمن بعدهم على هذا المنوال من البيان لكل ما يحتاج إلى بيان من القرآن فتكونت ، المدارس المتقدمة للتفسير فى مكة والمدينة والشام ، والعراق وهلم جرا ، وحتى دونت المصنفات التى لا تكاد تحصى فى التفسير، كل على حسب مشرب صاحبه من العناية باللغة والبلاغة أو الفقه والأحكام ، أو تحقيق أمور العقيدة ومباحثه علم الكلام ، أو التصوف وأذواقا المتصوفة وإشاراتهم ، ثم من إسهاب إلى إيجاز إلى توسط فى التناول ، وهكذا صار تفسير القرآن علما قائما برأسه وضعت فيه المئات إن لم تكن الألوف من المجلدات.
ولتقسيم التفسير اعتبارات متعددة يختلف باختلافها ، وهذه الاعتبارات هى:
أولا: أن ننظر إلى التفسير من حيث إمكان تحصيله وهو بهذا الاعتبار ينقسم إلى أربعة أقسام أخرجها ابن جرير الطبرى عن طريق سفيان الثورى عن ابن عباس فيما يلى:
(أ) وجه تعرفه العرب من كلامها.
(ب) وتفسير لا يعذر أحد بجهالته.
(ج) وتفسير يعلمه العلماء.
(د) وتفسيرلا يعلمه إلا الله.
ثانيا: أن ينظر إلى التفسيرمن جهة استمداده من الطريق المعتاد نقلا كان من القرآن نفسه ، أو من السنة، أو من كلام الصحابة، أو التابعين ، أو كان رأيا واجتهادا. أو من غيرهذا الطريق بأن يكون بطريق الإلهام والفيض ، فالتفسير ينقسم بهذا الاعتبار إلى ثلاثة أقسام:
(أ) تفسير بالرواية، ويسمى التفسير بالمأثور.
(ب) تفسير بالدراية، ويسمى التفسير بالرأى.
(ج) تفسير بالفيض والإشارة، ويسمى التفسير الإشارى.
ثالثا: أن ينظر إلى التفسيرمن جهة كونه شرحا لمجرد معنى اللفظ فى اللغة، ثم لمعنى الجملة أو الآية على سبيل الإجمال ، وهو بهذا الاعتبار ينقسم إلى قسمين:
(أ) إجمالى.
(ب) تحليلى.
رابعا: أن ينظر إلى التفسير من جهة خصوص تناوله لموضوع ما من موضوعات القرآن الكريم ، عاما كان كالعقيدة والأحكام أو خاصا كالصلاة والوحدانية ونحوها. وهو بهذا الاعتبار ينقسم إلى:
(أ) تفسير عام.
(ب) تفسير موضوعى.
أ.د/ ابراهيم عبد الرحمن مهمد خليفة

مفهوم : التقريب
لغة: مصدر " قرب " بالراء المفتوحة المشددة، كما فى مختار الصحاح.
واصطلاحا: هو سوق المقدمات على وجه يفيد المطلوب ، وقيل:سوق الدليل على الوجه الذى يلزم المدعى، وقيل: جعل الدليل مطابقا للمدعى، ولا يتم التقريب إلا إذا كان المطلوب لازما ، واللازم مطلوب.
والتقريب كاصطلاح عام يدخل فى كثير من المجالات ، ومنها:
1- التقريب بين وجهات النظر المختلفة سواء أكان ذلك فيما يقع للناس فى أمور معاشهم وطرائقها ، أم كان فى نظرتهم -مثلا- لبعض الفروع الفقهية واختلافهم بشأنها من جهة ما يعتريها من أحكام.
ومن التقريب بهذا المعنى:محاولة التقريب بين المذاهب الإسلامية، خاصة بين أهل السنة والشيعة ، لما يترتب على ذلك من تقوية لمفهوم الأخوة الإسلامية الجامعة، بعد أن عبثت بها نوازع الفرقة.
وقد ظهرت فى مصرمنتصف القرن الثالث عشر للهجرة التاسع عشر للميلاد دعوة للتقريب بين المذاهب الإسلامية دعا إليها الشيخ محمد تقى الدين القمى تحمل اسم "جماعة التقريب" وسجلت بهذا الاسم وضمته نخبة من كبارعلماء مصرمنهم الشيخ محمود شلتوت والشيخ عبد المجيد سليم والشيخ إبراهيم حمروش والشيخ محمد المدنى وغيرهم ، وكان من نتائج عملها أن درست فى كليات الشريعة بالأزهر بعض المذاهب الشيعية الأقرب إلى " أهل السنة " كالزيدية لكنها توقفت ، ولم يحاول آخرون تجديدها والتمكين لدورها فى التقريب بين الشيعة والسنة وهما الجناحان الأعظمان للمسلمين فى العالم.
2- التقريب فى الأحكام الشرعية، وذلك بأنه يتعين على الفقيه أن يجد لمسألته دليلا مباشرا صريحا، حين يتجاذب المسألة أكثر من دليل وأكثر من أصل ، أو حين يجد فيها نوعا من الغموض والتقصير، فالتحقيق يفرض عليه أن يصوغ اجتهاده فى هذه الحالة صياغة تقريبية كأن يقول:الأقرب إلى الصواب فيها كذا ، أو الأشبه بالحق ، وغير ذلك. ومن أمثلة هذا النوع:مسألة الأراضى المفتوحة التى أشكلت على الصحابة فاختلفوا فيها، واختلف فيها الأئمة من بعدهم فذهب بعضهم إلى جعلها غنيمة توزع على الفاتحين ، والبعض على أنها فىء.
وقيل: التصرف فيها يخضع للاجتهاد وللاعتبارات المصلحية وهو ما استقر عليه جمهور الصحابة، وأشذ به جمهور العلماء.
ولعل القضاة والمفتين هم أكثر الفقهاء احتياجا إلى التقريب فى الاجتهادات والأحكام ، لكثرة ما يعرض لهم من غريب النوازل والقضايا المستجدة مما يجعلهم فى أحايين كثيرة يقفون أمام قضايا لا نص فيها وتحتاج إلى التقريب ما أمكن.
3- التقريب فى الأوصاف ، وهذا يتجلى فى الصفات المطلوبة فى الخليفة والقضاة، والشهود وغيرهم ، فإن الشروط المطلوبة فى هذه النوعيات كثيرا ما تتخلف، والتوقف عن تقليد هؤلاء مناصبهم حتى تكتمل الشروط فيهم قول لا يؤيده واقع سليم ، بل يكون اللجوء إلى التقريب لاختيار الأكمل ضرورة يفرضها المتاح.
4- التقريب فى المقادير، وهو لا يختلف فى حقيقته عن النوع السابق فالمقادير التى حددها الشرع سواء أكانت مكيلة أم موزونة أم معدودة أم غير ذلك قد يتعذر الإتيان بها بتمامها ، وعليه فالأصوب أن يؤتى بما يقاربها خصوصا إذا كانت الفروق فيها طفيفة.
فالتقريب هو نوع تصرف تفرضه الظروف.وخصوصا إذا تعذر المباح فيتعين المتاح.
أ.د/ عبد الصبور مرزوق

مفهوم : التقوى
لغة: قلة الكلام ، وقد استعملت التقوى -بمعنى عام- فى الصيانة والحذر والوقاية، واجتناب ما هو مكروه أو قبيح أو ضار.
واصطلاحا: هى التحرز من عقوبة الله تعالى وعذابه ، بطاعته واتباع أوامره ،واجتناب نواهيه.
وقد سأل عمر بن الخطاب -رضى الله عنه- أبيا عن التقوى، فقال:هل أخذت طريقا ذا شوك ، قال: نعم. قال: فما عملت فيه ، قال: تشمرت وحذرت ، قال: فذاك التقوى.
وتنسب مثل هذه الإجابة إلى أبي هريرة عند الشوكاني.
وتقوم التقوى - فى جوهرها - على استحضار القلب لعظمة الله تعالى واستشعار هيبته وجلاله وكبريائه ، والخشية لمقامه ،والخوف من حسابه وعقابه.
وإذا كان هذا هو معنى التقوى فإن نطاقها لا ينحصرفى اجتناب الكبائرفحسب ، بل إنه يمتد ليشمل كل ما فيه معنى المخالفة حتى لو كان من اللَّمم أو الصغائر، وقد فهمت التقوى هذا الفهم منذ عهد الصحابة الذين قال قائلهم: لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر من عصيت. بل إنهم جعلوا من تمام معناها أن تتضمن الورع ، عن بعض ما هو طيب أو حلال ، حذرا من مقاربة الحرام ، وفى ذلك يقول أبو الدرداء: " تمام التقوى: أن يتقى الله العبد حتى يتقيه من مثقال ذرة، وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال ، خشية أن يكون حراصا ".
وهذا المعنى له أصل صحيح فى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعن عطية السعدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس " (أخرجه أحمد والبخاري فى تاريخه).
وليست التقوى -كما يفهم من معناها اللغوى وبعض استعمالاتها الشرعية- مقصورة على الحذر والاجتناب للمعاصى والرذائل ، بل إنها تتضمن -كذلك- جانب الفضائل والطاعات العملية الإيجابية ويظهر هذا فى عديد من الآيات القرآنية، ولعل من أكثرها دلالة على هذا التكامل آية البر المشهورة، وهى قوله تعالى: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ،ولكن البرمن آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفى الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين فى البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون) البقرة:177.
وقد كانت الوصية بالتقوى أول وصايا الله تعالى لبنى آدم. قال تعالى: {يا بنى آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يوارى سوآتكم وريشا، ولباس التقوى ذلك خير} الأعراف:26.
وهى وصية الله للمسلمين وللأمم من قبلهم:{ولقد وصينا الذين أوتوا الكتابا من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله} النساء:131.
وكان أهل التقوى هم أهل محبة الله: {بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين} آل عمران:76. وهم أهل ولايته: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.الذين آمنوا وكانوا يتقون} يونس:62،63.
وأهل الكرامة عنده فى الدنيا وفى الآخرة: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} الحجرات:13.
وقد وصفت الجنة بأنها دار المتقين: {ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين} النحل:30 ، {تلك الجنة التى
نورث من عبادنا من كان تقيا} مريم:63.
وقد جعل الله التقوى من أعظم أسباب البركة فى الأرزاق ومن أعظم أسباب تفريج الكربات وتكفير السيئات وزيادة الحسنات والخروج من المضائق والأزمات.
والحديث عن التقوى ومكانتها ، وصفات أصحابها كثير فى القرآن والسنة وقد أمر الله بها فى أمر المؤمن كله:عبادات ومعاملات دينا ودنيا ، قال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا
أنتم مسلمون} آل عمران:102. وقال صلى الله عليه وسلم: (اتق الله حيثما كنت...) رواه الدرامى.
أ.د/ عبد الحميد مدكور

مفهوم : التقليد
لغة: مصدر للفعل الرباعى " قلَّد " بتضعيف اللام المفتوحة يقال:قلد فلان فلانا الأمر أى ألزمه إياه. كما يقال: قلد الماء فى الحوض واللين فى السقاء يقلده قندا أى جمعه فيه.
ويقال: التقليد فى الدين ، وتقليد الولاة والأعمال.. وتقلد الأمر احتمله كما فى لسان العرب.
واصطلاحا: يقصد به التزام حكم المقلد من غير دليل بحيث يلتزم المقلد قول المقلد شرعا فينعقد ما حرمه حراما وما أوجبه واجبا، وما أباحه مباحا من غير دليل يستدل به على شىء من ذلك اللهم إلا قول من قلده.
وقد عرفه الإمام الشيرازى بأنه " قبول القول من غيردليل ".
وعرفه إمام الحرمين بأنه " قبول قول الغير من غير حجة ".
وقد فسر إمام الحرمين هذا القول قائلا: " فعلى هذا قبول العامى قول المفتى تقليد. وقبول من يروى أخبار الآحاد قولا وسمعه من خلق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس تقليدا لأنه حجة فى نفسه ".
وقبول قول الصحابى تقليد إن لم نجعل أقوالهم حجة، ولم نر الاحتجاج بقولهم. فإن اعتبرنا أقوالهم حجة يحتج بها فعند ذلك لا يسمى قبول أقوالهم تقليدا.
وعرف ألإمام الآمدي التقليد بأنه " العمل بقول الغير من غير حجة ملزمة ".
وذكر الإمام الشوكاني له عدة تعريفات منها أنه " العمل بقول الغيرمن غيرحجة ". ثم اختار من بين هذه التعريفات تعريفا رآه هو الأولى وهو: " قبول رأى من لا تقوم به الحجة بلا حجة ".
والتقليد نوعان: تقليد سائغ بل واجبا، وتقليد مرفوض مذموم.
فأما التقليد المذموم المرفوض فهو أن يكون هناك إعراض عما انزل الله وعدم التفات إليه اكتفاء بتقليد الآباء، والأجداد، أو يكون فى صورة تقليد من لا يعلم المقلد أنه أهل لأن يأخذ بقوله أو أن يكون تقليده بعد قيام الحجة، وظهور الدليل على خلاف قول المقلد. ولا أدل على رفض مثل هذا التقليد وذمه من قول الله سبحانه وتعالى: {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئأ ولا يهتدون) البقرة:170. وقوله جل وعلا: {وكذلك ما أرسلنا من قبلك فى قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون. قال أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم) الزخرف:23-24.
فالتقليد الواجب المستساغ هو: تقليد من بذل جهده فى اتباع ما أنزل الله وخفى عليه بعضه فقلد فيه من هوأعلم منه فلا شك أن مثل هذا التقليد محمود غير مذموم ، ومأجور غير مأزور، والدليل على صحة مثل هذا التقليد أن الصحابة -رضوان الله عليهم- كانوا يفتون ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم وهذا تقليد منهم قطعا؛ إذ إن قولهم لا يكون حجة فى حياة رسول صلى الله عليه وسلم.
وقد قال الحق سبحانه وتعالى: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا فى الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} التوبة:122. فقد أوجب الحق سبحانه وتعالى عليهم قبول ما أنذرهم به إذا رجعوا إليهم وهذا تقليد منهم للعلماء،
وقد جاءت شريعتنا الغراء بقبول قول القائف (الذى يتتبع الآثار ويعرف شبه الرجل بأخيه وأبيه) والخارص (اسم فاعل من خرص النخلة والكرمة إذا حز ما عليها من الرطب تمرا والعنب زبيبا) والمقوم للمتلفات وغيرها ولاشك أن هذا تقليد محض.
وجميع علماء الأمة قد صرحوا بجواز التقليد فقد قال محمد بن الحسن الشيبانى صاحب الإمام أبى حنيفة رضى الله عنه " يجوز للعالم تقليد من هو أعلم منه ولا يجوزله تقليد من هو مثله " وقد صرح الإمام رضى الله عنه بالتقليد فقال فى مسألة بيع الحيوان بالبراءة الأصلية من العيوب:قلته تقليدا لعثمان. وهذا هو الإمام أبو حنيفة رحمه الله يقول فى مسائل الآبار وليس منه فيها، إلا تقليد من تقدمه من التابعين فيها وهذا هو الإمام مالك رضى الله عنه لا يخرج عن عمل أهل المدينة ويصرح فى موطئه بأنه أدرك العمل على هذا ، وهو الذى عليه أهل العلم ببلدنا، ويقول فى غيرموضع: " ما رأيت أحدا واقتدي به يفعله ، وقد قال الإمام الشافعى -رحمه ألله- فى الصحابة: رأيهم لنا خيرمن رأينا لأنفسنا.
والحق أن مصلحة الخلق لا تقوم إلا بالتقليد وذلك عام فى كل علم وصناعة وقد فاوت الله سبحانه وتعالى بين قوى الأذهان كما فاوت بين قوى الأبدان ، فلا يحسن فى حكمته وعدله ورحمته أن يفرض على جميع خلقه معرفة الحق بدليله.
هذا ولا يجوز للمقلد أن يفتى فى دين الله بما يقلد فيه وليس على بصيرة منه سوى أنه قول من قلده ، وهذا بإجماع السلف كلهم وقد اشترط الإمام الغزالى -رحمه الله- فى سبيل الوصول إلى الحقائق أن يكون الباحث حر العقل مستقل التفكير، وقد ندد بكل فكر موسوم بالتبعية، والمحاكاة، وبلغ من حرصه على هذا المبدأ انه ختم كتابه فى المنطق " معيار العلم " بدعوة للقارئ إلى أن يدرسه بروح الفهم لا بروح التقليد.
أ.د/ محمد عبد اللطيف جفال الدين


منتديات الرسالة الخاتمة