بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مختصر موسوعة المفاهيم العربية والإسلامية
الصادرة عن المجلس الأعلى للشئون الإسلامية
الحسد والحُلْم والحجر الأسود وحرف الخاء


مفهوم : الحسد
لغة: يقال حسده ، يحسدُه ، وحسَّده: إذا تمنى أن تتحول إليه نعمته وفضله ، أو يسلبهما هو،: والحسود: من طبعه الحسد ذكرا كان أم أنثى. والجمع حُسَّد، وحُسَّاد، وحَسَدَة، والمحسدة: ما يحسد عليه الإنسان من مال أوجاه ، ونحوهما ، كما فى الوسيط.
الحسد ظاهرة نفسية لا ينكرها أحد، فقد وردت كلمة حسد فى الآداب الإنسانية، كما جاء الحديث عن " الحسد " فى الكتب المقدسة، أما تأثير الحاسد فى المحسود بواسطة العين فقد اختلف فيه ، إذ من المعتقدات الشائعة بين جميع الشعوب أن من الناس (الحاسد) من يملك قوى يمكنها إلحاق الضرر بالآخرين (المحسودين) سواء كان هؤلاء الآخرون: أناسا ، أو حيوانات أو نباتات أو أى شىء، حتى ولو كان جمادا - بمجرد النظر إليه أو عن طريق إرسال شعاع العين إليه - أى أن الضرر ينتقل من عين الرائى - وهو الحاسد - إلى المرئى - وهو المحسود - بمجرد نظر صاحب العين الشريرة إليه أو حديثه عنه ، سواء كان مدحا، أو إعجابا، أو كان مجرد وصفا له أو تقريرا لهيئته وشكله.
وقد تحدثت الكتب السماوية عن إلحاق ضرر الحاسد للمحسود بواسطة العين فقد ورد فى إنجيل متى (20:17) : أو ما يحل لى أن أفعل ما أريد، أن عينك شريرة لأنى صالح.
أما فى الفكر الإسلامى، فقد علل الجاحظ الإصابة بالعين: بأن لكل حادث سببا، وما دامت الإصابة لا سبب لها سوى رؤية العين ، فينبغى التصديق: بأنه قد انفصل شىء من عين العائن فأصاب المعيون ، ويعتبر ابن القيم من أشد المؤمنين بالعين حيث جمع الأحاديث التى تتعلق بهذا الموضوع سواء كانت تخبر عن الإصابة بالعين ، أو توصى بالرقى لدرء الحسد، أو تصف طريقة علاج المحسود، ثم يعقب على ذلك بالهجوم على من ينكر الإصابة بالعين ، مستشهدا بآراء من سبقوه ،فيقول: " وعقلاء الأمم -وعلى اختلاف مللهم ونحلهم- لا تدفع أمر العين ، ولا تنكره ، وإن اختلفوا فى سببه ووجهة تأثير العين ، فقالت طائفة: أن العائن إذا تكيفت نفسه بالكيفية الرديئة، انبعثت من عينه قوة سمية تتصل بالعين ليتضرر... الخ " ومما يؤخذ من كلام ابن القيم: إن الحسد ليس حالة نفسية تصيب المحسود فقط ، بل لعين العائن آثار ضارة تصيب المعيون ، وقد تصل الإصابة إلى حد إدخال الرجل القبر والجمل القدر، أى أن العائن قادر على إماتة الأحياء، وإهلاك الزرع والضرع.. حتى ولو كان أعمى.
وذكر الحارث المحاسبى أنواع الحسد، ومجالاته ، ودوافعه ، وأضراره ، وبين أن المحسود لا يلحقه الضرر من عين العائن ، ولا يصيبه شىء من الحاسد إلا إذا تجاوز الحسد القلب إلى الجوارح ، فسلك الحاسد مسالك تؤدى إلى إلحاق الضرر بالمحسود، كتدبير المؤامرات لافساد العلاقة بينه وبين مصادر نعمته ، أو اتخاذ تدابير تؤدى إلى زوال ما يتمتع به المحسود من النعم ، أو الاعتداء على النفس والأرواح بما يصيبها أو يهلكها، ولم يسم هذا حسدا، بل يرى أنه عمل دفع الحسد إليه.
أما الأمام أبو حامد الغزالى فقد تناول حديثه عن الحسد تسع نقاط هى: ذم الحسد ، حقيقته ، أقسامه ، حكمه ،مراتبه ، أسبابه ، سبب كثرته بين الأمثال والأقران ، دواؤه ، القدر الواجب في نفيه. فهو يرى أن الحسد ليس مرضا عضويا، بل هو من أمراض القلوب ، ولا يداوى إلا بإلعلم ، وأنه لا ضربى فيه على المحسود فى الدنيا والآخرة إذ يقول: "وأما أنه لا ضرر فيه على المحسود فى دينه ودنياه فواضح ، لأن النعمة لا ترول عنه بحسدك ، بل ما قدره الله تعالى من إقبال ونعمة، فلابد أن يدوم إلى أجل معلوم قدره الله سبحانه وتعالى، فلا حيلة في دفعه ، بل كل شىء عنده بمقدار، ولكل أجل كتاب ، فإذا لم تزل ألنعمة بالحسد،لم يكن على المحسود ضرر فى الدنيا، ولا يكون عليه إثم فى الآخرة. ولعلك تقول: ليت النعمة كانت تزول عن المحسود بحسدى وهذا غاية الجهل ، فلو كانته النعمة تزول بالحسد لم يبق الله عليك نعمة ولا على أحد من خلقه ، ولا نعمة الإيمان أيضا لأن الكفار يحسدون المؤمنين على الإيمان ، قال تعالى {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسم..} البقرة:109.
وقد نسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث تخبرعن إمكانية وجود الحسد ووقوع ضرر من عين الحاسد بالمحسود، وتوصى بتلاوة نصوص محددة للتعاويذ والرقى للحماية من عين الحاسد، كما شرحت ، أحاديث أخرى العلاج من ضرر الحسد.. أما فى القرآن الكريم فقد وردت كلمة " الحسد " فى أربع آيات: البقرة:109 ، النساء:54، الفتح:15 ، الفلق:5) كما وردت ألفاظ تتضمن معنى الحسد فى آيات أخرى: (البقرة:90، 213، الحسد فى آيات أخرى: (البقرة:90، 213،آل عمران:19 ، الشورى:14 ، الجاثية 17).
وقد أول المنكرون لتأثير عين الحاسد فى المحسود كل ما ورد فى القرآن الكريم وخاصة فى قوله تعالى: {ومن شر حاسد إذا حسد}الفلق:5 ، فقالوا فى تفسير هذه الآية "وتقييد الاستعاذة من شره بوقت: " إذا حسد " ، لأنه حينئذ يندفع إلى عمل الشر بالمحسود، حين يجيش الحسد فى نفسه ، فتتحرك له الحيل والنوايا ، لالحاق الضرر به" أى أن الضرر لا يأتى من العين ،بل من عمل الحاسد، حين يدفعه حسده إلى إلحاق الضرر بالمحسود، أما ما نسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد قبلوا ما أخبر به عن وقوع الحسد لأن وجوده فى النفس الإنسانية مسلم به إلا أنه لا يتعدى كونه ظاهرة نفسية لدى الحاسد،
أما الأحاديث التى تتحدث عن الأضرار التى تصيب المحسود عن طريق غير الحاسد فقد ردوها لضعف سندها أو لتناقض معناها مع مبادىء الإسلام وتعاليمه ، مثل الحديث المشهور: (إن العين لتدخل الرجل القبر والجمل القدر)، إذ لم يرد هذا الحديث فى أى من كتب الحديث التسعة، وإنما ذكره أبو نعيم الأصفهانى فى الحلية، قال الصابونى: "بلغنى أنه قيل له -أى لراويه شعيب بن أيوب الأنصارى-: ألا ينبغى أن تمسك عن هذه الرواية، ففعل).
أ.د/ محمد شامة

مفهوم : الحُلْم
الحُلْم: الرؤيا ، والجمع: أحلام يقال: حلم يحلم: إذا رأى فى نومه رؤيا، والحلم: ما يراه النائم فى نومه من الأشياء، ولكن غلبت الرؤيا على ما يراه من الخير والشئ الحسن ، وغلب الحلم على ما يراهن من الشر والقبح ، ومنه قوله تعالى: {أضغاث أحلام} يوسف:44 ، فى حديث: (الرؤيا من الله والحلم من الشيطان) رواه البخارى ، وفى الاستعمال: يعبر كل منهما عن الآخر.
بدأ الانسان حياته على الأرض وهو يحلم ،وما زال يحلم حتى الآن. وفى سجل الحضارات بيان لأهمية الأحلام فى حياة الإنسان ، وخاصة احلام ملوكهم من حيث إنها منذرة أو مبشرة بأحداث قادمة، مما الجأ الملوك إلى البحث عن مفسرين لأحلامهم عرفوا باسم: (رجال المعرفة فى مكتبة السحر) وقد اكتشفت إحدى اللوحات أمام غرفة فى أحد المعابد مكتوب عليها: (إنى أفسر الأحلام ولدى إذن من الآلهة بأن أقوم بذلك).
ساد الاعتقاد فى المجتمعات القديمة بأن الذى يحدث فى النوم هو أن الروح تترك الجسد وتهيم فى مكان آخر، أو أنها تواجه الآلهة. ويرى أفلاطون أن الأحلام تمثل تحرر الروح من قيود الجسد، لتعبرعن مكامن خفية فى حياتنا والتى لا تعيها فى أنفسنا، إذ يقول: "فالنوم.... ، فإن الوحش الهائج فى داخلنا ،
والذى أشبع اللحم والشراب ، فإنه ينتصب ، وينفض عنه النوم ، ويسعى فى طلب ذلك الذى يرضى غرائزه..." وبهذا القول يتضح أن أفلاطون رأى فى الأحلام تعبيرا عن قوى وحاجات غريزية تكمن فى الفرد ذاته ، ولا تأتى إليه من خارجه ، مخالفا بذلك ما قالت به النظرية التاريخية من أن الأحلام هى رسائل يستلمها الحالم ، وبدون فعل آخر منه يتجاوز هذا الاستلام. وهذا ما ذهب إليه " فرويد " فى العصر الحديث من أن الأحلام تعبر عن مكنونات خفية عن الوعى، أو أنها فى معظمها تعود إلى ذكريات بعيدة فى الطفولة أو الحداثة. وقد عارضه بعض الباحثين مثل: " ازرنسكى "، و " كلايتمان " اللذين كانت أبحاثهما بداية اكتشاف للمنظور العلمى الحديث للأحلام ، الذى يربط بين ظاهرة الأحلام ونشاطات بيولوجية وفسيولوجية واسعة فى الدماغ والجسم.
وبهذا يتبين أن المنظور السيكولوجى الذى طوره "فرويد" ليس بالمنظور الوحيد - أو حتى الصحيح - فى مجمله فى تفسيرظاهرة الأحلام.
اعتقد العرب أن الأحلام هى من فعل القوى الخارقة والتى شملت الآلهة، كما شملت الشياطين والأرواح الشريرة، فاهتموا بها وأقبلوا على تفسيرها، وعمق هذا الاهتمام لديهم ما ورد فى القرآن الكريم عن الرؤى والأحلام ، فقد جاء الحديث عن الرؤيا فى أربع سور: (يوسف ، والإسراء ، والصافات ،والفتح). ففى سورة يوسف:
1- إخبار يوسف لأبيه بأنه رأى أحد عشر كوكبا والشمس والقمر ساجدين له.
2- سؤال صاحبى السجن عن تفسير ما رأياه فى منامهما بأن أحدهما رأى أنه يعصر خمرا ، والآخر يحمل فوق رأسه خبزا تأكل الطير منه ، ففسر لهما هذه الرؤيا بقوله: {ياصاحبى السجن أما أحدكما فيسقى ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه} يوسف:41.
3- سؤال الملك ليوسف عن تفسير ما رآه فى منامه ، من أن سبع بقرات سمان يأكلن سبع عجاف ، وكان الجواب: {... تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه فى سنبله إلا قليلا مما تأكلون. ثم يأتى من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون. ثم يأتى من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون} يوسف:47-49.
وقوله تعالى: {وما جعلنا الرؤيا التى أريناك إلا فتنة للناس...}الإسراء:60 ، فقد روى الرازى فى تفسيره للرؤيا فى هذه الآية أربعة أقوال: أن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى فى منامه:
1- دخوله مع المسلمين مكه.
2- مصارع كفار قريش فى غروة.
3- ارتقاء بنى أمية منبره.
4- ما أراه الله فى ليلة الإسراء على اعتبار أنه لا فرق بين الرؤية والرؤيا فى اللغة.
وفى قوله تعالى: {قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزى المحسنين} الصافات:105 ، خطابا لإبراهيم حين أطاع الله ، فهم بتنفيذ ما أراه الله فى منامه: {فلما بلغ معه السعى قال يابنى إنى أرى فى المنام أنى أذبحك فانظر ماذا ترى...} الصافات:102.
وفى قوله تعالى: {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين}الفتح:27 ، فهذه الآية تخبر بأن الله كان قد أرى محمد صلى الله عليه وسلم فى منامه أنهم سيدخلون مكة.
أما الحلم ، فلم يرد فى القرآن الكريم -فى مجال التعبير عما يراه المرء فى منامه إلا بصيغة الجمع وصفا لما يراه المرء فى نومه من الشر والقبح ، {قالوا أضغاث أحلام...} يوسف:44 ، فالضغت من الخبروالأمر: ما كان مختلطا لا حقيقة له ،ومنه قيل للأحلام الملتبسة: أضغاث ، ومنه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (الرؤيا من الله والحلم من الشيطان).
تعتبر رؤيا الأنبياء بمثابة الوحى إليهم ، فقد أخبرنا القرآن الكريم عما رآه إبراهيم فى منامه بأن يذبح ولده ، فهم بذبحه لأنه اعتبر هذه الرؤيا وحيا من الله واجب التنفيذ، كما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (رؤيا الأنبياء وحى) (رواه البخارى). وعنه أيضا: (الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة). (رواه البخارى).
اهتم الباحثون فى المجتمع الإسلامى بالرؤيا، واشتهر منهم محمد بن سيرين (المتوفى 108هـ-728 م) الذى ألف عددا من الكتب فى تفسير الأحلام والرؤى، وكثر المعبرون للرؤى بعد ابن سيرين ، تحدث عنهم عبد الغنى بن اسماعيل ، الملقب بابن النابلسى فى كتابه: (طبقات المعبرين) الذى تضمن الإشارة إلى أكثر من سبعة آلاف مفسر للأحلام.
الحلم ، والاحتلام: الجماع ونحوه فى النوم ، الاسم: الحلم ، ففى القرآن الكريم: {والذين لم يبلغوا الحلم منكم}النور:58 ، أى لم يصلوا من الصبيان إلى حد البلوغ. وفى الحديث أن النبى صلى الله عليه وسلم أمر معاذا أن يأخذ من كل حالم دينارا ، يعنى الجزية.
قال أبو الهيثم: أراد بالحالم كل من بلغ الحلم ، وجرى عليه حكم الرجال ، احتلم أم لم يحتلم.
الحلم بكسر الحاء: الأناة والعقل ،وجمعه: أحلام ، فى القرآن الكريم: {أم تأمرمم أحلامهم بهذا}الطور:32. أى تأمرهم عقولهم بما كانوا يقولون ، وفى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الجماعة: (ليلينى منكم أولو الأحلام والنهى) رواه ابن ماجه ، أى ذوو الألباب والعقول.
والحليم فى صفة الله عز وجل معناه: الصبور، أى أنه الذى لا يستخفه عصيان العصاة، ولا يستفزه الغضب عليهم.
أ.د/ محمد شامة

مفهوم : الحجر الأسود
هو حجر بيضى الشكل ، لونه أسود ضارب للحمرة، وبه نقط حمراء وتعاريج صفرأء، وقطره حوالى ثلاثين سنتيمترا، ويحيط به إطار من الفضة، عرضه عشرة سنتيمترات ،يقع فى حائط الكعبة فى الركن الجنوبى الشرقى من بناء الكعبة على ارتفاع متر ونصف متر من سطح الأرض ، وعنده يبدأ الطواف.
وللحجر الأسود كساء وأحزمة من فضة تحيط به حماية له من التشقق وهناك روايات غير مؤكدة تقول: إن جبريل - عليه السلام - نزل به من السماء، أو إن هذا الحجر مما كشف عنه طوفان نوح ، والمؤكد أن إبراهيم -عليه السلام- وضعه فى هذا المكان علامة لبدء الطواف.
ويسن تقبيله عند الطواف إذا تيسر ذلك ، فإذا لم يتيسر اكتفى بالإشارة إليه ، أما عن تقبيله فقد وضح لنا عمربن الخطابه رضى الله عنه ذلك بقوله: (والله إنى أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ، ولولا أنى رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك) .
وعلى ذلك فإذا استطاع من يطوف بالكعبة أن يقبله فلا بأس فى ذلك اقتداء برسول الله صلوات الله وسلامه عليه.
وقد اعيد وضح الحجرفى مكانه عندما هدمت قريش الكعبة لاعادة بنائها ، وعندما وصل البناء إلى الموضع الذى يوضع فيه الحجر اختلفت القبائل من قريش ، فكل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون غيرها ووصل الأمر إلى أن تحالفوا وأعدوا أنفسهم للقتال.
ومكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمسة، ثم إنهم اجتمعوا فى المسجد وتشاوروا وتناصفوا ، فقال أبو أمية بن المغيرة المخرومى وكان أسن قريش: يا معشرقريش ، اجعلوا فيما اختلفتم فيه الحكم لأول من يدخل من باب هذا المسجد، فارتضوا ذلك ، وكان أول داخل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان آنذاك فى الخامسة والثلاثين من عمره ، فقالوا: هذا الأمين ، رضينا بحكمه ، فلما أخبروه الخبر.
قال: هلم إلى بثوب ، فأتى به له ، فأخذ الحجر ووضعه فيه بيده ، ثم قال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ، ثم أرفعوه جميعا. ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه هو بيده وبنى عليه.
وحين أعيد بناء الكعبة فى عهد عبد الله ابن الزبير قام ابنه حمزة بوضعه فى مكانه ،وأطال واتره الصلاة بجماعة المسلمين حتى انتهى حمزة من وضع الحجر، وكان ذلك ليتحاشى التنافس الذى حصل من قبل ، وقد غضب بعض المسلمين لهذا التصرف واعتبروه من حب الذات.
وفى سنة 140هـ كسى الحجر الأسود بصحاف من الفضة، وقام بذلك زياد بن عبدالله.
وفى سنة 317هـ دخل القرامطة مكة المكرمة، وأوقع زعيمهم أبو طاهر سليمان بأهلها ، وهاجم الحجاج فقتل منهم وأسر، وسلب الأموال واقتلع الحجر الأسود كما اقتلع أبواب الكعبة، واستولى على ما كان بالكعبة من تحف وذخائر، وعاد بكل ذلك إلى هجر عاصمة دولته. ولم يرد القرامطة الحجر إلى مكانه إلا سنة 239هـ عندما هدد الخليفة الفاطمى أبا طاهر، وألزمه بإعادة الحجر.
أ.د/ أحمد شلبى

مفهوم : الخرقة
لغة: القطعة من الثوب الممزق، وخرق الشىء مزقه وشقه.كما فى المعجم الوسيط.
واصطلاحا: هى ما يلبسه المريد من شيخه الذى دخل فى إرادته.
ويرى الصوفية أن فى لبسها معنى المبايعة، وأنها تمثل عتبة دخول المريد فى صحبة الشيخ الذى يتولى تربيته وتهذيب أخلاقه وتقويم سلوكه.
وللبس الخرقة مراسم يشترك فى أدائها كل من الشيخ والمريد وإن كان الشيخ يتولى القسط الأكبر منها، فهو يتطهر ويتوضأ ثم يأمر المريد بذلك ثم توضع الخرقة بين أيديهما ، ويقرأ الشيخ الفاتحة، ثم يقوم بإلباسا للمريد مبينا له سند وصولها إليه ثم يأخذ عليه عهد الوفاء لشرائطها، ويعرفه حقوق الخدمة.
ويقول الصوفية إنه يسرى - عند ذلك - من باطن الشيخ حال إلى باطن المريد كسراج يقتبس من سراج ، وبعضهم يشبهها بقميص يوسف عليه السلام الذى لما ألقاه البشير على وجه أبيه يعقوب عليه السلام ارتد بصيرا.
ويذكر السهروردى أن الخرقة خرقتان:
خرقة إرادة وخرقة تبرك ، ومقصود الصوفية هو الأولى منهما، أما الثانية فتأتى تبعا لها.
وقد أفاض القاشانى فى بيان الفوائد التى تترتب على لبس الخرقة. وقد أراد الصوفية أن يجعلوا للخرقة إسنادا متصلا إلى الحسن البصرى عن الامام على رضى الله عنه عن الرسول صلى الله عليه وسلم ويذكر الشعرانى أن ابن حجر والسيوطى صححا هذا الإسناد.
ولكن ابن الجوزى يرفض ذلك رفضا حاسما.
على حين يرى ابن خلدون أن فى ربط الخرقة بالإمام على مظهرا من مظاهر تأثر التصوف بالتشيع.
وقد قال السهروردى - الذى كان من أهم من تحدثوا عن الخرقة - عن الهيئة التى تعتمدها الشيوخ فى هذا الزمان لم تكن فى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه قد كانت طبقة من السلف الصالحين لا يعرفون الخرق ولا ينبسونها المريدين.
وقد رأينا من المشايخ من لا يلبس الخرقة ومن يسلك بأقوام من غير لبس الخرقة، واللون المفضل للخرقة هو اللون الأزرق ، ولكنه ليس بلازم.
أ.د/ عبد الحميد مدكور

مفهوم : الخلوة
لغة: انفراد الإنسان بنفسه أو بغيره ، أو بمعنى: المكان الذى يتم فيه ذلك ، ومنه قول أنس بن مالك - رضى الله عنه - جاءت امرأة من الأنصار إلى النبى صلى الله عليه وسلم فخلا بها (رواه البخارى) أى ابتعد منفردا بها بحيث لا يسمع الحاضرون شكواها، لا بحيث يغيب عن أبصارهم.
واصطلاحا: للفظ الخلوة استعمالان:
1- استعمال فقهى بمعنى انفراد الرجل بالمرأة فى مكان يبعد أن يطلع عليهما فيه أحد.
وخلوة الرجل بالمرأة الأجنبية عنه حرام ، لما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما، أنه سمع النبى صلى الله عليه وسلم يخطب يقول: (لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم) (رواه البخارى، ومسلم) كما روى عن ابن عمر من خطبة لعمر - رضى الله عنهما - (ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان) (رواه الترمذى فى سننه). ولا يلزم الزوجة أن تمكن الزوج من نفسها فى غير خلوة، ولا يجوز له أن يطلب ذلك منها.
والخلوة عند المالكية نوعان:
أ- خلوة الاهتداء، وهى: أن يوجد الزوج معها وحدها فى محل ترخى الستور على نوافذه إن كانت ستور، وغلق الباب الموصل لهما، بحيث لا يصل إليهما أحد.
ب- وخلوة الزيارة، وهى: أن تزوره فى بيته ، أو يزورها فى بيتها ، أو يزور الاثنان شخصا آخر فى بيته.
وعند الحنفية: الخلوة الصحيحة التي تترتب عليها أحكام الزوجية هى:
أن يجتمعا فى مكان ، وليس هناك مانع يمنعهما من الوطء ، لاحسا. ولا شرعا. ولا طبعا.ولاختلاف المذاهب فى اعتبارات الخلق وأحوالها وأحوال أطرافها ، والربط بينهما وبين الآيات القرآنية من مثل قوله تعالى: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة} النساء:4، وقوله: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء مالم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين.وأن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم} البقرة:236،237 ، وقوله: {ياأيها الذين أمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فمالكم عليهن من عدة تعتدونها} الأحزاب:49 ، لاختلاف المذاهب فى ذلك اختلفت بعض أحكامها فيما يتعلق بإيجاب المهر كله ، أو نصفه ، أو إسقاطه ، وكذلك فى المتعة والعدة والنسب عند حدوث الولد ، والاحصان ، وحرمة من تحرم بالزواج ، إلى غير ذلك من الأحكام.
2- استعمال صوفى بمعنى محادثة السر -الذى هو محل المشاهدة- مع الحق بحيث لا يرى غيره ، وهذه حقيقتها، أما صورتها فهى ما يتوصل به إلى تحقيق ذلك. وهذا يرجع إلى منهجهم فى مجاهدة النفس ، حيث يرون أن الخلوة أعون للمريد على التركيزفى عبادته حتى يمحو ما فى نفسه من ذميم الصفات ، ويحصل على صفو العلاقة بالله سبحانه وتعالى، فمن وجد فى نفسه القوة أن يكون مع الناس بجسمه ومع الحق وحده بروحه وسره ، فالخلطة والاجتماع له افضل ، وللمشايخ فى المفاضلة بين الخلوة والمخالطة ترجيحات تعود إلى تقدير أحوال المريد، وهم يرجعون فى شأن الخلوة إلى ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حديث بدء الوحى، أنه صلى الله عليه وسلم حبب إليه الخلاء، فكان يأتى غار حراء فيتحنث فيه الليالى ذوات العدد، ويتزود لذلك ، ثم يرجع إلى خديجة رضى الله عنها فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو فى غار حراء.
وقد وضعوا للخلوة شروطا لكى تثمرثمارا صحيتة، فما كان منها وفقا لقواعد الشرع وصدق المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أثمر تنوير القلب ، والزهد فى الدنيا ، وحلاوة الذكر، والمعاملة لله بالاخلاص ، لذلك يحتاج المريد إلى تعلم ما يلزمه من علوم الشريعة قبل الدخول فى الخلوة. وما لم يستوف المريد شروطها فإنها توقعه فى فتنة أو بلية،وقد تنتج له صفاء فى النفس يستعان به على اكتساب علوم الرياضة، مما يعتنى به الفلاسفة وامثالهم ، وقد يوجد عندهم ما يشبه فى صورته أحوال المتابعين للشرع ، فيكون فى حقهم مكرا واستدراجا ، ولا يصح للمريد أن يغتر بشىء من ذلك حتى لو مشى على الماء أوطار فى الهواء ، لأن من تعلق بخيال ، أو قنع بمحال ، ولم يحكم أساس خلوته فى الإخلاص فإنه يدخل الخلوة بالزور، ويخرج بالغرور، ويسلبه الله لذة العبادة، ويفتضح فى الدنيا والآخرة.
وكثيرا ما يكتفون فى الخلوة بأربعين يوما يسمونها الأربعينية؛ رجاء أن ينسحب حكم الأربعين على جميع الزمان بحيث تجعل المدوامة فيها على شىء خلقا كالخلق الأصلى الغريزى.
واعتمدوا فى تحديد الأربعينية على حديث رواه مكحول قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم (من أخلص لله تعالى العبادة أربعين يوما ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه) وهو حديث ضعيف الإسناد إلا أن الصوفية يؤيدون معناه بما ورد فى القرآن الكريم عن موسى عليه السلام حيث يقول {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة} الأعراف:142 ، ففيها إشارة إلى الاستعداد البدنى والنفسى خلالها بمزيد عبادة وتبتل من أجل استقبال واردات الحق.
ومن أصولهم أن من يدخل الخلوة ينبغى أن يكون خاليا من جميع الأفكار إلا ذكر الله ، ومن جميع المرادات إلا مراد ربه ، بصرف النظر عما يمكن أن يقع دون نظر إلى شىء سواه ، وإلا فتن بهواه.
أ.د/ عبد الفتاح عبد الله بركة

مفهوم : خزندار
لغة: يقال خزندار وخازندار وخزينة دار وخزانة دأر وخازن الدار أيضا. واللفظ مؤلف من كلمتين:
1- خزانة العربية.
2- دار الفارسية وهى بمعنى مُمسِك.
والمعنى الكلى: الموكل بالخزانة والمتولى أمرها.
واصطلاحا: موضوع هذه الوظيفة هو الإشراف على خزائن أموال الدولة أو السلطان أو الأمير، وهى بهذه الدلالة معادلة لوظيفة الخازن الذى يمكن اعتبارها الصيغة العربية المحصنة.
بدأ ظهور هذا المصطلح فى العصر العباسى بصيغ قريبة، واستقر فى الصيغة " خزندار " فى عصر الأيوبيين ، وزادت أهميتها فى عصر المماليك واعتبرها القلقشندى الوظيفة الثانية عشرة من الوظائف التى يشغلها عسكريون بحضرة السلطان المملوكى وكان يختار لها من " الخاصكية ". وكان كبير الخزندارية يسمى أمير خزندار. وقد استمر استخدامها حتى العصر العثمانى.
أ.د/ حسن الباشا

مفهوم : خصوص السبب
لغة: الخصوص نقيض العموم. والسبب ما يتوصل به إلى أمر من الأمور
واصطلاحا: المراد بالسبب فى قولهم: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ليس ما يولد الفعل أو يوجب الحكم ، بل ما كان سببا فى الجواب ، أو داعيا إلى الخطاب بذلك القول وباعثا عليه، قرآنا كان اللفظ أو حديثا.
والمراد بسبب النرول فى علوم القرآن هو:
ما نزلت الآيات متحدثة فيه أو مبينة لحكمه أيام وقوعه.
والمراد بخصوص الشىء: كونه متعينا له وحدة تخصه فلا شركة للغير فيه.
والغرض فى هذا المقام الإجابة على سؤال هو: أن اللفظ العام المستقل بنفسه إذا ورد من أجل سبب خاص هل يعم ، أو يقتصر به على سببه،
ويرى الجمهور أن العبرة بعموم اللفظ مثل قوله تعالى: {إن الحسنات يذهبن السيئات} هود:114. فهذا حكم عام نزل على سببه خاص ، وهو قصة الأنصارى الذى قبل امرأة أجنبية عنه ،فاللفظ يتناوله ويتناول كل مثيل له ، لأنه باق على عمومه وهذا هو الراجح.
وغير الجمهور يرى أن العبرة بخصوص السبب ، فاللفظ عام أريد به الخصوص ، فلا يتناول بحكمه إلا صورة السبب ، أما مثيلها فحكمه نفس الحكم لكن من دليل آخر من قياس أو غيره.
وعلى الرأيين لم يختلف حكم المثيل عن حكم الصورة، بل أجمعت الأمة على أن الحكم فيهما واحد.
أ.د/ عبدالغفور محمود مصطفى

مفهوم : خطبة الجمعة
لغة: الخطبة بضم الخاء مصدر(خطب).أى ألقى الكلام إلى الغير لإفهامه ، والجمعة: اليوم المعروف وهو يوم العروبة.
واصطلاحا: الخطبة تطلق على معنيين: أحدهما: الكلام المنثور سجعا كان أو مرسلا.
وثانيهما: إلقاء الكلام المنثور مسجوعا كان أو مرسلا لاستمالة المخاطبين إلى رأى أو ترغيبهم فى عمل.
وعلى ذلك فخطبة الجمعة عبارة عن: إلقاء الكلام المنثور وتوجيهه إلى الناس فى اليوم المعلوم من إمام الجمعة، أو هى الكلام نفسه الملقى عليهم. وهى خطبتان قبل الصلاة يجلس بينهما الإمام هنيهة، ولها أركان وشروط ، على خلاف فى بعضها أو إطلاق أو تقييد.
فأركانها: حمد الله تبارك وتعالى، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والوصية بتقوى الله تعالى، والدعاء للمؤمنين وهو خاص بالخطبة الثانية، وقراءة شىء من القرآن ولو آية واحدة، والموعظة وهى القصد منها.
ومن شروطها: الوقت وهو بعد الزوال ، وتقديم الخطبتين على الصلاة، والقيام فيهما عند القدرة، والجلوس بينهما مع الطمأنينة فيه ، والطهارة عن الحدث والنجس ثوبا ومكانا ، ورفع الصوت بحيث يسمع ، والعدد الذى تنعقد به الجمعة.
وقد اختلف الفقهاء فى حرية الكلام أثناءها.فالجمهور على حرمته ، والشافعى فى الجديد وأحمد فى رواية على عدمها.والله أعلم.
د/ عبد الصبورمرزوق

مفهوم : الخلافة
لغة: من خلف فلان فلانا إذا كان خليفته وجاء من بعده ، وهى مصدر تخلف فلان فلانا إذا تأخر عنه ، والخلافة النيابة عن الغير.
واصطلاحا: الخلافة فى الإسلام منصب سياسى يجمع صاحبه بين السلطتين الزمنية والروحية، ولكن وظيفته الدينية لا تتعدى المحافظة على شرع الله ، ومن حقه قيادة الدولة الإسلامية ورسم سياستها وتنفيذها على المستويين: الداخلى والخارجى، وواجبه تبليغ الدعوة الإسلامية ونشرها والتصدى بالقتال - إذا لزم الأمر - ضد من يقف عقبة فى سبيل أدائه لمهمته ، وله أن يعاقب الخارجين على أوامر الشرع ، ويؤم الناس فى الصلوات ويساعدهم على أداء الفرائض السياسية.
وقد وردت هذه المادة فى آيات عديدة من القرآن الكريم ، منها قوله تعالى: {وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل فى الأرض خليفة} البقرة:30 ، أى قوما يخلف بعضهم بعضا قرنا بعد قرن. وقوله سبحانه وتعالى: {ياداود إنا جعلناك خليفة فى الأرض فاحكم بين الناس بالحق} ص:26 ، أى استخلفناك على الملك فى الأرض ، لأن داود -عليه السلام- كان ملكا نبيا.
وقد نشأ منصب الخلافة -باعتباره ضرورة فرضتها الظروف السياسية- عقب وفاة النبى صلى الله عليه وسلم وكان نتيجة للمناقشات الحرة التى جرت بين الصحابة -رضوان الله عليهم- فى " سقيفة بنى ساعدة " لقد كان اجتماع " السقيفة " هذا أشبه بجمعية تأسيسية أو وطنية مناط بها البحث فى مصير أمة بعد وفاة موجهها وقائدها ، وقد دارت المناقشات فيه بحرية كاملة، وانبثق عنه آنئذ قيام نظام الخلافة، هذا النظام الذى استمر -بشكل أو بآخر- فى العالم الإسلامى حتى القرن العشرين ، ولم يغب عن مجتمعنا إلا بعد أن قام " كمال أتاتورك " بإلغائه سنة (1323هـ-1924م) عقب انهيار الخلافة العثمانية.
وكان اختيار لقب " خليفة " وإطلاقه على أول رئيس للدولة الإسلامية -أبى بكر الصديق رضى الله عنه - الهدف منه ، التمييز بين هذا النظام الذى أقامه المسلمون وبين أنظمة الحكم التى كانت سائدة فى العالم آنئذ، لقد كانت هذه الأنظمة تقوم على القهر والجبروت ، وتستعبد الشعوب وتستغلها وتحرمها من أبسط حقوقها، بينما جاء النظام الإسلامى ليكون جديدا فى جوهره وغاياته فهو يرفض القهر والظلم ، ويقوم على قواعد الحرية والمساواة والعدل والاعتداد برأى الأمة؛ ولهذا كان هذا اللقب تأكيدا لحقيقة مهمة هى أن حكم الرسول صلى الله عليه وسلم مستمر وباق فى أمته ، وأن أبا بكر إنما يخلف محمدا صلى الله عليه وسلم فى التنفيذ والتطبيق ورعاية مصلحة الأمة، وليس فى الإضافة إلى الدين أو الانتقاص منه. نرى كل هذه الحقائق واضحة فى ذهن كل من عرض لموضوع " الخلافة " الذين قدموا لها تعريفات توضح جوهر النظام الإسلامى وغاياته ،
ولعل من أبرزها تعريف " ابن خلدون " الذى عبر عن ماهيتها بقوله: " الخلافة هى حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعى فى مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها ، إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهى فى الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع فى حراسة الدين وسياسة الدنيا به ".
لقد كان اختيار المسلمين لخليفتهم الأول رضى الله عنه ، بناء على قاعدة الشورى، وتحددت مهمته فى قيادة المسلمين ، ورعاية مصالح الناس ، وتنفيذ شرع الله عز وجل ، واشترط العلماء فيمن يلى هذا المنصب شروطا منها الكفاية والعدل وصحة البدن والعقل ... الخ. واستمر اختيار الخلفاء وفقا لهذه الشروط طوال عصر الراشدين ، ثم حدث تحول ابتداء من العصر الأموى،
فتركت الشورى، واعتمد نظام الغلبة والتوارث ، وبعد أن كانت الخلافة اختيارا اصبحت قهرا وإجبارا ، تقترب أو تبتعد عن قيم الإسلام ومبادئه ، وتتفق معه فى قليل أو كثير إلى أن تم إلغاؤها تماما كما أسلفناه.
أ.د/ عبد الله محمد جمال الدين

مفهوم : الخلفاء الراشدون
أثيرت مسألة من يخلف الرسول صلى الله عليه وسلم في تدبير أمور المسلمين وحراسة الدين بعد وفاته مباشرة حيث اجتمع الأنصار ليختاروا الخليفة، ولحق بهم كبار المهاجرين مثل أبى بكر وعمر، وأنهوا هذا الاجتماع الهام إلى جعل الخلافة فى قريش باعتبار سبقهم إلى الإسلام وقرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد مشاورات عديدة بلغت حد الاختلاف ، استقر الرأى على مبايعة أبى بكر بالخلافة، وكان هذا الصحابى أول من ولى أمور المسلمين بعد الرسول صلى الله عليه وسلم.
ونلاحظ أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يعين خليفة له بشكل مباشر، ولكنه ترك الأمر شورى يتولاه المسلمون.
وبمبايعة أبى بكر بالخلافة بدأت مرحلة ما يعرف بعصر الخلفاء الراشدين ، وهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلى، وهى مرحلة تختلف عن المراحل التالية فى تاريخ الإسلام ، فقد حكم الدولة الإسلامية صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبتوا أركان الدولة، حيث واجه أبوبكر حركة الارتداد عن الإسلام بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بحسم ، وبدأت الفتوح الإسلامية لأكبر إمبراطوريتين فى عصره وهما: إمبراطورية الروم ، وإمبراطورية الفرس، وتفغ عمر بن الخطاب لتأسيس الدولة الإسلامية فأنشأ الدواوين وتكملة الفتح الإسلامى لأراضى الفرس والروم ، وأرسى مبادى واضحة لإقامة العدل بين الناس ومحاسبة الولاة.
أما عثمان ففضله عظيم فى مجال جمع القرآن وتوحيد المصاحف وتكملة الفتوح ودخل بالمسلمين مجال البحر، فتم إنشاء أسطول بحرى فى عصره انتصر على الأعداء فى موقعة ذات الصوارى.
وبدأت الفتنة الكبرى فى عهد عثمان ، تلك الفتنة التى انتهت بقتله ، ولم تهدأ آثارها فى دول الإسلام بعد ذلك فقد اشتدت الفتنة، وأدت إلى انقسام المسلمين بين مؤيد لعلى وبين معارض له بدعوى عدم قيام على بالثأر لمقتل عثمان ، وبدأت تتكون الفرق المعروفة فى التاريخ الإسلامى والتى فرقت جمع المسلمين: فرق الشيعة والخوارج وغيرهم.
وقد واجه على بن أبى طالب هذه الفتن بقوة وصلابة وخاصة فى واقعتين هما واقعة الجمل ، وواقعة صفين ، ووضع فيهما قواعد لمعاملة أهل البغى تعتبر دستورا لمعاملة المنشقين على الإمام فى كل عصر، ويستفيد منها القانون الدولى الإنسانى الآن فى مجال حقوق المحاربين فى النزاعات الدولية غير المسلحة.
ومع ذلك فقد سير أمور الدولة، ووضع قواعد لتحقيق العدالة والمساواة بين المسلمين كما تم تثبيت الفتوح الإسلامية فى عهده.
وقد استمر حكم الخلفاء الراشدين ثلاثين عاما من عام 11هـ إلى عام 40هـ ، وتميز بتداول السلطة بين المسلمين بسهولة، والحكم بالشورى، وإرساء دعائم الدولة الإسلامية.
أ.د/ جعفر عبد السلام

مفهوم : الخلق
لغة: خلق الله العالم: صنعه وأبدعه.
واصطلاحا: الخلق مرادف للصنع ، وهو ينسب إلى الإنسان على سبيل المجاز، فإذا نسب إلى الله عز وجل كان يعنى: الإيجاد من عدم كما جاء فى قوله تعالى: {قال رب أنى يكون لى غلام وكانت امرأتى عاقرا وقد بلغت من الكبرعتيا. قال كذلك قال ربك هو على هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا} مريم:8-9.
وقد وردت كلمة الخلق منسوبة لله عز وجل بالمعنى السالف مائتين وأربعا وخمسين مرة.
وأضيفت للإنسان بمعنى الصنع لا الإيجاد من عدم مرتين كقوله تعالى لعيسى عليه السلام: {وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذنى فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذنى} المائدة:110.وفى قوله تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام لقومه: {إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا} العنكبوت:17.
ويحدث الخلق بقوله تعالى للشىء " كن " فيكون ، كما ورد فى قوله تعالى: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} يس:82.
ومن أهم السياقات الفكرية التى استخدم فيها مصطلح " الخلق " ثلاثة:
" خلق العالم " و" خلق الأفعال " " وخلق القرآن ".
وقد عرفت مشكلة خلق العالم منذ القدم وبصفة خاصة فى الحضارة المصرية القديمة وتشهد على ذلك الآثار والمعابد والأجساد المحنطة التى تثبث أيضا وجود عقيدة البعث بعد الموت.وقد عرف الفكر القديم الخلق على فترات متعددة كما فى نظرية الصدور والفيض والعقول العشرة أو نظرية المثل الأفلاطونية أو المحرك الأول عند أرسطو طاليس ثم فى الفلسفة الهيلينية ثم انتقل ذلك إلى الفكر الاسلامى خاصة عند الكندى والفارابى (330هـ /950م) وابن سينا (427هـ /1037م) ويعد المثال الأول عند أفلاطون (347 ق.م) والمحرك الأول عند أرسطو طاليس (322 ق.م.) والحق المطلق أو الخير- المحض عند أفلوطين (270م) المقابل لكلمة الخالق تبارك وتعالى عند المسلمين.
وقد عرف الفكر الإنسانى نظرية " قدم العالم " فى مقابل نظرية " خلق أو حدوث العالم ".
ويرى أصحاب نظرية " قدم العالم " أن العالم قديم قدم الخالق ، فهو مخلوق له ولكن لا يتأخر عنه فى الزمان بل يتأخر عنه فى الدرجة فقط لكونه معلولا للخالق.وقد انتقلت هذه النظرية إلى المسلمين عن طريق الفيلسوف الهيلينى برقلس (485 م) الذى تأثر بفلسفة أفلوطين (270 م) والأفلاطونية المحدثة التى نسبت إليه وقد تأثر بها من المسلمين بعض المعتزلة الذين ذهبوا إلى أن المعدوم شىء يكتسب صفة الوجود فيخلق ، أى أن الخلق ليس سوى نقل من العدم إلى الوجود.وارتبطت هذه النظرية عند المعتزلة بقولهم بارتباط الجواهر بأعراضها متأثرين في ذلك بنظرية أرسطو طاليس فى المادة والصورة.
وقد تأثر أيضا بعض الفلاسفة المسلمين بهذه النظرية وذهبوا إلى القول بقدم العالم وأثبتوا خلقه فى الزمان.فجاء تقسيم الأشاعرة للموجودات إلى قسمين فقط هما: القديم والمحدث مقابلا لتقسيم المعتزلة للموجودات الى ثلاثة أقسام: قديم ومعدوم ومحدث: فالقديم هو الله تعالى فالق كل شئ.والمعدوم هو الجسم الخالى عن ألأعراض. والمحدث هو الجسم الذى انتقل من العدم إلى الوجود عن طريق اكتسابه للأعراض.
إلا أن المعتزلة كانت تفرق بين " العدم " " والمعدوم " ، فالعدم هو اللاشىء، أما المعدوم فهو الشىء الذى يمكنه أن يوجد بالخلق ليصبح جسما ، وبذلك يكون المعدوم مماثلا للممكن.
أما ردود الأشاعرة على المعتزلة ونقدهم مذهبهم فى الخلق والمعدوم فقعد فصل الحديث فيه عبد القاهر البغدادى والشهرستانى وابن حزم وغيرهم.
أما خلق الأفعال: فقد ذهب فيه المعتزلة إلى أن الإنسان خالق لأفعاله مسئول عنها أمام الله بناء على إدرته على الفعل والترك ، وقدرة الأنسان على أفعاله قدرة مخلوقة فالأنسان قادر بقدرة محدثة يخلقها الله تعالى فيه قبل الفعل ، وقد رتبوا على ذلك قولهم بالاستطاعة والاستحقاق ، إما استحقاق الثواب أو العقاب. ويقابل " الكسب " عند الأشاعرة: " الاستطاعة " عند المعتزلة.
أما مشكلة " خلق القران ": فقد ترتبت على قول المعتزلة فى الصفات بأن كلام الله مخلوق لأنه مركب من حروف ويحدث فى الزمان ولا يمكن إضافته إلى ذاته تعالى فتشاركه فى القدم.
وقد ترتبه على مغالاة المعتزلة فى هذا القول وتماديهم فى محاولة إجبار علماء السنة على القول بخلق القرآن ما نعرفه فى التاريخ بمحنة الإمام أحمد بن حنبل فى زمن المعتصم إلى أن جاء الخليفة المتوكل ونصر أهل السنة وحرم القول بخلق القرآن ، وقد أفرد القاضى عبد الجبار لخلق الأفعال المجلد السابع من كتابه المغنى فى أبواب التوحيد والعدل.
أ.د/ السيد محمد الشاهد

مفهوم : الخيلاء
لغة: الكبر، وقد اختال ، وهو ذو خيلاء وذو مخيلة أى ذو كبر، كما فى الوسيط. وعن ابن عباس رضى الله عنه (كل ما شئت والبس ما شئت ما خطأتك خلتان: سرف أو مخيلة) (رواه البخارى).
واصطلاحا: المختال: المتكبر، يقول الله تعالى {ولا تمش فى الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور} لقمان:18 ، وهو الصلف للمتباهى الجهول الذى يأنف من ذوى قرابته أو جيرانه ، إذا كانوا فقراء، ولا يحسن عشرتهم.أو من يكون به خيلاء، وهو الذى يرى الناس عظمة نفسه وهو التكبر، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: " من جر ثوبه خيلاء لم ينظرالله إليه.. " (رواه البخارى).
ولا يحمد الخيلاء إلا فى موضعين لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: " من الخيلاء وما يحبه الله فى الصدقة والحرب "، أما الصدقة فإنها تهز أريحية السخاء، فيعطيها طيبة بها نفسه ،ولايستكثر كثيرا،ولا يعطى منها شيئا إلا وهو مستقل ، وأما الحرب فإنه يتقدم فيها بنشاط وقوة ونخوة وجنان " (رواه النسائى).
والخائل: المعجب بنفسه الذى يتباهى أمام الناس ، ويمشى فى الأرض مرحا، يقول تعالى: {ولا تمش فى الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا } الإسراء:37.
أ.د/ محمد شامة

مفهوم : الخير
لغة: هو اسم تفضيل على غير قياس وهو ضد الشر، والخير الحسن لذاته ولما يحققه من لذة أو نفع أو سعادة، وجمعه خيور، وخيار، وأخيار، كما فى الوسيط.
ومنه قوله تعالى: {وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا}المزمل:20 ، أى تجدوه خيرا لكم من متاع الدنيا.
واصطلاحا: لها عدة تعريفات:
1- ينظر " الأبيقوريون " إلى كل شعور باللذة على أنه خير بالنسبة إلى الفرد الذى يمارسه بغض النظر عن المصدر، وهذا يؤدى بالضرورة إلى إرجاع الفارق بين أى لذتين على أساس كمى.
2- بينما يرى " الرواقيون " أن الخيرهو الواجب ؛ فالحياة الخيرة التى ينبغى لكل حكيم أن يسعى إليها هى تلك التى يتحدد بها واجب الإنسان على أساس قانون الطبيعة أو النظام الكونى للعقل.
3- فى حين تذهب " الأفلاطونية " الحديثة إلى أن الخيرهو خلاص النفس من سجنها المادى باتصالها بالواحد الأحد.
4- ثم جاءت " المسيحية " فبينت أن الخير هو طاعة القانون ، وليس هذا القانون هو ما يكتشفه العقل البشرى، بل هو الوحى المنزل من السماء، فيجب علينا الالتزام به ، لمجرد كونه تعبيرا عن الإرادة الإلهية، سواء بدا لنا معقولا أم غيرمعقول ، منطقيا أم تعسفيا، عادلا أم ظالما.
5- ويصف " الإسلام " كل ما هو طيب ونافع للإنسان ، فردا أو جماعة بأنه خير، فهو إحدى القيم الإسلامية الهامة، ذكره القرآن الكريم فى مائة وتسعين آية، فأمر به الله كقيمة مطلقة، أى من حيث هو خير فى نفسه من غير قياس إلى غيره فى قوله تعالى: {وافعلوا الخير لعلكم تفلحون} الحج:77، وقوله: {فاستبقوا الخيرات} البقرة:148.
وذكره الله تعالى فى معرض التفضيل فى آيات عدة، حيث بين:
1- أن ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم خير مما هو عند الآخرين ، فقال: {ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء..} البقرة:105 ، فالخير فى هذه الآية هو الوحى، أى القرآن ، وهو خير مما عندهم.
2- أن عبادة الله وتقواه خير من عبادة الأوثان: {وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} العنكبوت:16 ، يعنى عبادة الله وتقواه خير لكم ، أى خير للناس ، إن كانوا يعلمون ما ذكره الله لهم من الآيات البينات ، والدلائل الواضحة على إثبات هده الخيرية.
3- أن إعطاء كل ذى حق حقه خير {فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خيرللذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون} الروم:38 ، يمكن أن يكون معناه: ذلك خيرمن غيره ، ويمكن أن يقال: ذلك خير فى نفسه وإن لم يقس إلى غيره.
4- أن الآخرة خير من الدنيا: {والآخرة خير وأبقى} الأعلى:17، {وللآخرة خيرلك من الأولى} الضحى:4.
5- الخير هو المال الكثير الطيب فى قوله {إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين} البقرة:180.
ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم خير للإنسانية، والإيمان بها خير للإنسان ، فردا أو جماعة، والعبادة نوع من أنواع فعل الخير، لأن فعل الخير ينقسم إلى خدمة المعبود الذى هو عبارة عن التعظيم لأمر الله ، وإلى الإحسان الذى هو عبارة عن الشفقة على خلق الله ، ويدخل فيه: البر والمعروف ، والصدقة على الفقراء، وحسن القول للناس ، ودقة الالتزام بالقيم الإنسانية، وإتقان العمل فى جميع مجالات الحياة.
والخير عند الصوفى: تفويض الأمر لله: {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} إبراهيم:11 ، والزهد فى الدنيا ، والرضا ، والتوكل ، والانفرادية فى التعبد ؛ لأنها تتيح له مواجهة نفسه ، والتفتيش فيها ، وتنقيتها ، وتهيئتها لأن تصفو وتنجلى.
أ.د/ محمد شامة


منتديات الرسالة الخاتمة