بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مختصر موسوعة المفاهيم العربية والإسلامية
الصادرة عن المجلس الأعلى للشئون الإسلامية
حرف العين من عبدة الشيطان حتى أخره


مفهوم : عبدة الشيطان
العبادة الإبليسية عرفتها البشرية منذ القدم بصور مختلفة وليست مجرد ظاهرة تظهر فى بلاد الغرب أو فى الشرق من حين إلى آخر.
ولكى نلقى الضوء على هذه المسألة من بدايتها نقف أمام قول الحق تبارك وتعالى: { إذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى أستكبرت أم كنت من العالين قال أنا خيرمنه خلقتنى من نار وخلقته من طين قال فاخرج منها فإنك رجيم وإن عليك لعنتى إلى يوم الدين قال رب فأنظرنى إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين قال فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين } ص:71-85.
فى هذه الآيات نرى انطلاق الغواية والصراع بين آدم وذريته وبين إبليس وذريته إلى يوم القيامة.
لكن سير الغواية كان فيما أشارت إليه الآيات: { ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين فوسوس لهما الشيطان ليبدى لهما ما وورى عنهما من سوءاتهما
وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أوتكونا من الخالدين } الأعراف:19-20.
ثم يأتى التعبير القرآنى ليبين نتيجة الغواية: { فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم فى الأرض مستقرومتاع إلى حين } البقرة:36.
وبعدها تأتى رحمة الله لآدم ولذريته من بعده فى نافذة التوبة: { فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم } البقرة:37.
وبقيت غواية إبليس الذى يترصد لذرية آدم إلى أن تقوم الساعة فى أهم مهام بنى آدم وهى العبادة الحقة لله سبحانه وتعالى والاستخلاف وتعمير الكون.
وانطلقت البشرية فى اتخاذ المعبودات المضلة التى نذكر منها: عبدة الشمس وعبدة الأصنام ، وهناك من عبد النار سواء فى الهند أو عند الفرس ومن قدس الأنهار والمياه وعبد الأفعى، وكان القدماء المصريون يقدمون القرابين للنيل من الشابات الجميلات.
كما كانت هناك حيوانات تعبد على أنها آلهة فى ذاتها ولها معابد خاصة مثل العجل " منفيس " والعجل " أبيس " وفى عهد الاغريق دخلت إلى مصر فى عبادة الأبطال من الرجال.
وهناك من عبد الكواكب مثل الصابئة الذين كان لهم أكبر الأثر فى فرقة اليزيدية.
على أن حصر العبادات المختلفة لدى البشرية وغواية إبليس للإنس على مر العصور والحضارات أمر يجل عن الحصر ومن أشهر الطوائف التى عرفت فى العالم الإسلامى هم فرقة "اليزيدية" أو عبدة الشيطان وهم طائفة ينتمى معظمها إلى الجنس الكردى، ويوجد بعض منهم فى إيران ومعظم هذه الطائفة يسكن المدن والقرى ويشتغل بالزراعة إلا أن بعضها لايزال فى طور البداوة ويؤلف قبائل رحالة تدعى " الكوجر ".
وترتبط عقيدتهم بطاووس ملك وهو " الشيطان " أو " إبليس " ولهم كتابهم المقدس " مصحف رش " الذى يحتوى على قصة الخلق وعقائد اليزيدية مما حلل أو حرم عليهم.
وعبادة الشيطان مسألة تتجدد وتنمو مع ظهور الفساد والرغبة فى الانطلاق من قيود وضوابط الأديان وهى مسألة تنمو وتزدهر من حين إلى آخر سواء فى بلادنا العربية والإسلامية أو فى الغرب مما يفزع له أصحاب القيم الحريصون المؤمنون بالعقائد والأديان.
وهذه العبادة يوجد لها كنائس ورواد وطقوس من كل لون وفن لإغواء الشباب وتلبية حاجاتهم الغريزية بفنون وطقوس وكهنة وحاخامات يزينون لهم هذه الغواية، وصدق الحق تبارك وتعالى إذ يقول: { يابنى آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون } الأعراف:27.
أ.د/ آمنة محمد نصير

مفهوم : العامة
العامة لغة: عمَّ الشىء عموما: شمل ، والعام: الشامل وهو خلاف الخاص ، والعامة من الناس: خلاف الخاصة والجمع عوام ، كما فى الوسيط.
واصطلاحا: يدل بوجه عام على معنى الجمهور الذى يشير فى الكتابات الحديثة إلى معنى الشعب ، ومن ثم فهو يرتبط ارتباطا وثيقا بنظرية المعرفة وبخاصة ما إذا كانت هذه المعرفة بمجالاتها وبأمورها المنوعة هى معرفة إجمالية للكافة والعامة، وما قد يترادف مع هذا من مصطلحات أخرى مثل الرعية ، والسواد الأعظم، والأهالى، والعباد ،والمؤمنين ، أم أن بها من الأمور الدقيقة والتفصيلية ما يعتبر وقفا على الخاصة.
وهو يتردد كثيرا ضمن المصطلحات الأساسية فى نظرية الحكم الإسلامية سواء ما تعلق منها بإطار الحكم فى عموميته ، أو ما تعلق بطبيعة المادة البشرية للحكم أى المحكومين.
ولا جدال فى أن باب الاجتهاد مفتوح أمام كل القادرين ، ولكن هناك من يرى أن من الأمور اللازمة لضبط المصالح العامة ما يتصف بالخصوصية، التى تباعد بينها وبين العوام أو العامة، وعلى قمة هذه الأمور نظرية الإمامة الإسلامية، وخاصة ما تعلق بمسألة تمييز الإمام وتنصيبه ، حيث يرى البعض أنه فرض على خاصة الأمة، بمعنى أنه ليس ضرويا ولا هو بالشرط اللازم اشتراك العامة واتفاقها ، لأنها مهمة المؤهلين لإنجازها.
وربما كان الإمام الغزالى هو صاحب الصوت الأعلى الذى أكد هذا التمييز، فالأمة أو القاعدة الشعبية فى الإسلام تتألف من قوى شعبية هى الأمناء من العلماء، ثم سائر القاعدة من عوام المسلمين ، والأولون عليهم واجب الشورى، والمساهمة فى الحكم ، والقيام بالدعوة، وإقامة الشريعة والدين ، بينما على الباقين واجب النصرة والنصح والطاعة فهو يقول " وإنما حق العوام أن يؤمنوا ويسلموا ويشتغلوا بعبادتهم ومعايشهم ويتركوا العلم للعلماء " كما يقول " اعلم أن لكل صناعة أهلا يعرف قدرها ومن أهدى نفائس صنعه إلى غير أربابها فقد ظلمها ". ومصداق ذلك قوله فى " أنه ليس مهما لجميع المسلمين بل لطائفة منهم مخصوصين ".
ولكن التضامن الإسلامى ينشأ بالأكثر، فضلا عن وحدة الإيمان ، بسبب آخر هو فرض الكفاية أى الواجب الذى لا يكلف القيام به أحد بعينه ، ولكنه تكليف على المسلمين جميعا.
وبذلك تبدو قضية الإمامة فرض عامة الأمة وواجبها، حتى بلغ الأمر حد القول بانعدام الإمامة ما لم يحصل الإجماع من الأمة على من ينصب إماما، وعلى ما نجد بصفة خاصة لدى أصحاب الطريقة المعروفة فى فقه الخلافة بطريقة العامة.
وأيا ما كان الرأى فإن التضامن الإسلامى خاصة فى ظروف المجتمع المتغير المعاصر إنما يحتاج أشد ما يحتاج إلى تضافر الرأى، والثقافه حول أهداف الأمة وغاياتها ، وفى ظنى أن هذا مما يوجب المشاركة فى إبداء الرأى وتمحيصه ، وما الشورى ذاتها والتى تعتبر أساس الحكم الصالح إلا فرض كفاية من هذا النوع الأصيل.
أ.د/ محمود أبوزيد

مفهوم : العصمة
العصمة لغة: عصم إليه عصما: لجأ، وعصم القربة وجعل لها عصاما يشدها به ، وعصم الله فلانا: حفظه ومنعه ووقاه من الشر والخطايا، واعتصم به: امتنع به ولجأ، واستعصم طلب العصمة وتأبى وامتنع ، ومنه قوله تعالى حكاية عن امرأة العزيز: { ولقد راودته عن نفسه فاستعصم } يوسف:32 ،تأبى وامتنع ، واعتصم بالله: امتنع بلطفه من المعصية.
واصطلاحا: ملكة إلهية تمنع من فعل المعصية، والميل إليها مع القدرة عليها، وتمنع من خطأ الرسول ، أو نسيانه فيما يبلغه عن ربه ، ولذلك يجب الإيمان بكل ما يخبر الرسل به عن ألله تعالى، وتجب طاعتهم فيما يأمرون به.
والعصمة بهذا المعنى ليست لأحد غير الأنبياء صلوات الله عليهم ، قال تعالى: { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } الحشر:7.
وقد وردت العصمة فى القرآن الكريم أيضا بمعنى المنع والحفظ ، قال تعالى: { والله يعصمك من الناس } المائدة: 67. أى يمنعك ويحفظك ، كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحرس فلما نزلت هذه الآية قال: ( يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمنا الله عز وجل ).
والعصمة: المنعة، والعاصم: المانع الحامى، ومنه قول الله تعالى: { لا عاصم اليوم من أمرالله إلا من رحم } هود:43.
قال الزجاج: وأصل العصمة الحبل وكل ما أمسك شيئا فقد عصما، قال الله تعالى: { واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا } آل عمران:103 ،أى تمسكوا بعهد الله ، وقال: { ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم } آل عمران:101 ، أى من يتمسك بحبله وعهده.
والعصمة: عقد النكاح ، أو رباط الزوجية يحله الزوج متى شاء، ومنه قوله تعالى: { ولا تمسكوا بعصم الكوافر }الممتحنة:10 ، أى لا تتمسكوا بعقود نكاحهن ،والعصمة أيضا قيد النكاح وهو الأثر المترتب على عقده ، وهو حل استمتاع كل من الزوجين بالآخر، وأن يكون استمتاع الزوج بالزوجة على سبيل الملكية لا يشاركه فيه أحد، فللزوج ملك التمتع بالمرأة أى اختصاصه بذلك، فالعصمة بهذا المعنى فى يد الزوج ، وهى عقدة النكاح ، وفى الحديث ( ولى عقدة النكاح الزوج ).
وللزوج أن ينقل العصمة إلى المرأة إذا اشترطت ذلك ، وقبل هذا الشرط منها، أو بأن يخيرها قبل الدخول أو بعده بينه وبين نفسها، فإذا اختارت نفسها فقد طلقت أو يفوضها فى طلاق نفسها منه متى شاءت فتنتقل العصمة إليها، ولها أن تطلق نفسها منه متى أرادت ، ولا يسقط ذلك حقه فى أن يطلقها إذا أراد.
أ.د/ عبدالرحمن العدوى

مفهوم : علم الطبيعة
علم الطبيعة لغة: الطبيعة السجية، وهى القوة السارية فى الجسم التى بها يصل إلى كماله الطبيعى(لسان العرب).
واصطلاحا: العلم المختص بتفهم الظواهر الطبيعية التى تحدث فى الكون معتمدا على الملاحظات التجريبية والقياسات الكمية.
وأهم أهدافه استنباط القوانين التى تحكم الظواهر الطبيعية لتطوير نظريات يمكن لها أن تتنبأ بنتائج التجارب ، وتصاغ القوانين الأساسية لهذه النظريات بلغة الرياضيات التى تمثل الجسر الذى يربط بين النظرية والتجربة.
وعندما يظهر تناقض بين النظرية والتجربة الفيزيقية، تنبثق نظريات جديدة وتجارب جديدة لحل هذا التناقض ، وفى هذا دفع للبحث العلمى.
وتنقسم الفيزيقا إلى ستة مجالات ، هى:
1- الميكانيكا التقليدية التى تختص بحركة الأجسام ذات سرعة تقل كثيرا عن سرعة الضوء.
2- النظرية النسبية التى تصف الجسيمات المتحركة بسرعة تقترب من سرعة الضوء.
3- الديناميكا الحرارية وتختص بدراسة تغير درجة حرارة الأجسام على التركيب الداخلى للمواد.
4- الضوء ويتضمن الضوء الفيزيقى والضوء الهندسى والظواهر الضوئية المختلفة، وكذلك علم الليزر الذى ظهر حديثا.
5- الكهرومغناطيسية وتتضمن النظرية الكهربائية والمغناطيسية والمجالات الكهرومغناطيسية.
6- ميكانيكا الكم وهى نظرية تختص بسلوك الجسيمات على المستوى بالغ الصغر (دون المجهر).
وتسمى الفيزيقا التى تم تطويرها قبل عام 1900م " الفيزيقا التقليدية ".
ومن العلماء الذين أسهموا بجهد كبير فى تطوير هذه الفيزيقا على مر العصور.
كل من العالم العربى المسلم " الحسن بن الهيثم " (357-430هـ /965-1038م) الذى أنجز معظم أعماله فى مدينة القاهرة، وأهمها نظرية الضوء والتفسير الصحيح لعملية الرؤية، وقد تضمن كتابه " المناظر " بحوثا عديدة تعتبر انقلابا فى علم الضوء. وترجم هذا الكتاب إلى اللغة اللاتينية بعد وفاته بقرنين من الزمان ، وظل هو المرجع الرئيسى لعلم الضوء حتى القرن السابع عشر.
كما أن العالم المصرى القاهرى " ابن يونس " (399هـ /1008م) هو مخترع الرقاص (بندول الساعة) والذى ينسب خطأ للعالم الإيطالى جاليليو (564-1642م) الذى أسهم فى تطويرعلم الميكانيكا التقليدية.
وإذا كان العالم الإنجليزى إسحق نيوتن (1642- 1727م) قد صاغ قانون الجاذبية،وقوانين الحركة الثلاث ؛ فإن مفهوم القانون الأول لنيوتن قد ظهر فى أعمال العلماء المسلمين ابن سينا (ت 428هـ- 1037م) والرازى (ت 321هـ- 924م) وغيرهم.
ومن العلماء المسلمين الذين كان لهم دور كبير فى تقدم علم الفيزيقا " الخازن " القرن السادس الهجرى. (القرن الثانى عشر الميلادى) الذى وضع كتابا فى الميكانيكا سماه " ميزان الحكمة " وقد سبق العالم تورشيللى (1608- 1647م) فى وزنه الهواء، وفى تفسيره بأن حركة الأجسام فى الهواء لها قوة رافعة كالسوائل ، كما قام الخازن بقياس كثافة كثير من العناصر والمركبات بدرجة من الدقة لم يصل إليها علماء القرن الثامن عشر كما أوضح أن سقوط الأجسام إلى الأرض ناتج عن قوة تجذب هذه الأجسام فى اتجاه مركز الأرض ، وهذا هو قانون الجاذبية الذى ينسب إلى نيوتن.
وبنهاية القرن التاسع عشر بدأت الفيزيقا الحديثة فى الظهور، وسبب ظهورها هو قصور الفيزيقا التقليدية عن تفسير عدد من الظواهر الفيزيقية التى تم كشفها، مثل تفسير حركة الجسيمات بسرعة تقترب من سرعة الضوء، والذى فشلت قوانين نيوتن فى تفسيرها، فظهرت النظرية النسبية للعالم ألبرت أينشتين (1879- 1955م) لتوضح هذا التفسير،كما توضح أن سرعة الضوء فى أقصى سرعة فى الكون ، وكذلك تحدد العلاقة بين الكتلة والطاقة.
وقد فشلت الفيزيقا التقليدية أيضا فى تفسير عدد من الظواهر الفيزيقية مثل سلوك الذرات والجزيئات والأنوية، فظهر علم ميكانيكا الكم على أيدى مجموعة من العلماء منهم نيلزبور(1885- 1962م) وشرودنجر (1887-1961م) وهيزنبرج (1901- 1976م).
وتعتمد هذه النظرية على مبدأ عدم الحتمية الذى صاغه هيزنبرج ، ويتمثل فى استحالة حساب سرعة جسيم مع تحديد مكانه بنفس الدقة، كما تعتمد على اعتبار أن الجسيم الدقيق يمكن أن يسلك سلوك الموجات ومنه ظهرت معادلة شرودنجر الشهيرة التى تصف حركة الجسيمات عن طريق دراسة الموجات المصاحبة لها. وبحل هذه المعادلة يتم التوصل إلى الوصف الدقيق للذرة ومكوناتها ، وهى النواة الموجبة والإلكترونات السالبة الشحنة، والتى تتحرك على مسافة بعيدة عن النواة -رغم ارتباطها بها- حتى لا تتلاشى الشحنات ، وتتركب النواة من جسيمات البروتون والنيوترون التى تتماسك بقوة هائلة.
وقد ظهرت اشعة الليزر عام 1960 وهى عبارة عن تكبير للضوء ناتج عن إثارة عدد كبير من ذرات عناصر معينة -مثل الهليوم والنيون- والتى عندما تعود إلى حالتها الطبيعية تنطلق هذه الأشعة، واليوم أصبح لها تطبيقات فى معظم فروع العلم والصناعة والطب.
ويمكن تلخيص علم الفيزيقا بأنه يتناول دراسة القوى الأساسية فى الكون وهى كالآتى:
1- القوى النووية القوية: وهى التى تربط بين دقائق النويات (البروتون والنيوترون).
2- القوى النووية الضعيفة: وهى القوى الناتجة عن إشعاع الجسيمات الدقيقة (بيتا) والأشعة (جاما) والجسيمات غير الدقيقة (ألفا) من العناصر المشعة مثل (اليورانيوم). وتستخدم هذه المصادر فى الطب والصناعة.
3- القوى الكهرومغناطيسية: وهى قوى التجاذب بين الشحنات المتضادة والتنافر بين الشحنات المتشابهة.
4- القوى التثاقلية: وهى الناتجة عن تجاذب الأجسام مثل الأرض والشمس أو الأرض والقمر، وينتج عنها استقرار الحركات الدورانية للكواكب والتوابع.
ومن العلماء المسلمين الذين أسهموا فى تطوير علم الفيزيقا الحديثة العالم الباكستانى عبد السلام (1926- 1994م) الذى قام بتوحيد القوى النووية الضعيفة والقوى الكهرومغناطيسية لتصبح مجالا موحدا، وقد نال جائزة
نوبل فى الفيزيقا عام 1979م عن نظريته تلك.
والعالم المصرى أحمد زويل الذى نال جائزة نوبل عام 1999م بعد أن اكتشف وحدة قياس جديدة لقياس الزمن المتناهى فى الصغر.
أ.د/ على حلمى موسى

مفهوم : علم الفلك
علم الفلك لغة: المدار الذى يسبح فيه الجرم السماوى.
واصطلاحا: يتناول دراسة المجرات البعيدة والمذنبات ، والشهب والنيازك والنجوم والكواكب أو مجموعات النجوم ويبحث فيه الفلكيون عن جوهر الكون مستخدمين أعينهم أو المنظار الثنائى أو التلسكوب أو سفن الفضاء.
ويتميز علم الفلك بأنه العلم الذى ليس له حد يفصل بين الهواة والمحترفين ، بل إنه فى أحيان كثيرة تكون لمعلومات الهواة فائدة كبرى للفلكيين فى أبحاثهم.
وبالنظر إلى مجموعات النجوم فى الفضاء، نجد أن كل مجموعة لها حدود ونجوم متألقة ونجوم أقل تألقا ونجم كبير.
والآن يتعرف الفلكيون على 88 مجموعة فى السماء تقع 44 منها فى النصف الشمالى للسماء، و 44 فى النصف الجنوبى.
وعلى مر العصور كان للثقافات المختلفة اهتمامات بمجموعات نجوم خاصة بها.
وللتعرف على هذه المجموعات يجب النظر إلى السماء عندما يكون القمر محاقا، ومع استمرار التحديق فى أى مجموعة نلاحظ حركتها من الشرق إلى الغرب نتيجة لدوران الأرض حول محورها.
وعندما ننظر إلى السماء تظهر لنا على هيئة نصف كرة ولكنها فى الحقيقة كرة كاملة، تسمى القبة السماوية وتحيط بالكرة الأرضية ويظهر لنا القمر والنجوم والكواكب والمجرات وكل ما هو موجود فى الكون كأنه متصل بهذه القبة السماوية. وكما يتم تحديد الأماكن على سطح الأرض بخطوط الطول والعرض يتم تحديد مواقع الأجسام السماوية بعنوان مشابه ، وهما خط الطول وزاوية السمت. ونظرا للعدد الهائل للنجوم ، فإنه من الصعب جدا إيجاد المسافات بينها، ولكن أقصى ما يمكن عمله هو إيجاد المسافات بين أنواع مميزة من النجوم ، أو المسافات التى تفصل بين النجوم فى منطقة صغيرة، فإذا جمعنا هذه البيانات أمكن وضع تصور قريب من الواقع لأبعاد الكون.
وقد بدأ اهتمام الإنسان بعلم الفلك منذ خلقه الله ، وقد قام بملاحظة القمر منذ فجر التاريخ وأحيانا كان يقدسه وأحيانا يدرسه ،ومنذ عام 1969 بدأ يمشى على سطحه كما قام بجمع عينات من حجارته.
ولقد كان للعرب والمسلمين دور كبير فى تقدم علم الفلك ، إذ كانت بعض مسائله مما يطالب المسلم بصرفتها كأوقات الصلاة التى تختلف بحسب الموقع ، وتتغير من يوم إلى يوم ، وفوق ذلك فاتجاه المسلمين إلى الكعبة فى صلواتهم يستلزم معرفتهم سمت اتجاه القبلة وكذلك هلال رمضان وأحكام الشريعة والصوم.
وبدأ اهتمام العرب والمسلمين بترجمة كتب الفلك فى العصر الأموى بدءا بكتاب عرض مفتاح النجوم المنسوب إلى هرمس الحكيم ، ثم بعد ذلك كتاب السند هند الكبير الذى اختصره الخوارزمى (توفى عام 232هـ/846م) فيما بعد وكتاب الأربع مقالات فى صناعة أحكام النجوم لبطليموس الذى نقله أبو يحيى البطريق (توفى عام 200هـ/815م) ، وكتاب المجسطى لبطليموس والذى شارك فى شرحه ونقله وإصلاح أغلاطه عدد من الفلكيين العرب مثل النيريزى (توفى عام 310هـ- 922م) والبوزجانى (توفى عام 388هـ- 998م) والبيرونى (توفى عام 440هـ- 1048م) والطوسى (توفى عام 672هـ- 1274م) والشيرازى (توفى عام 710هـ- 1311م) ، ثم بعد ذلك أسهم علماء الفلك العرب بمؤلفاتهم القيمة مثل: " ماشاء الله " الذى ألف فى الإسطرلاب ودوائره النحاسية و"يحيى بن ابى منصور" الذى وضع زيجا (جدولا) فلكيا مع " سند بن على ". وفى عهد الخليفة المأمون ألف " موسى بن شاكر " و " أحمد بن عبدالله بن حبش " أزياجا (جداول) فى حركات الكواكب.
وقد قام علماء الفلك فى عهد المأمون بتقدير محيط الأرض وتوصلوا لقيمة تقترب من القيمة الحقيقية، كما وضع البيرونى نظرية بسيطة لتقدير محيط الأرض ، ودقق الفلكيون العرب فى حساب طول السنة الشمسية، وأخطأوا فى حسابهم بمقدار دقيقتين و 22 ثانية ويعود سبب الخطا إلى اعتمادهم على أرصاد بطليموس.
وقد توصل البتانى (توفى عام 317هـ /929م) إلى تقدير بعد الشمس عن الأرض بأنه يساوى 1070 مرة، مثل نصف قطر الأرض وهذه النتيجة قريبة من القيمة الحقيقية.
وقد وضع الصوفى (توفى عام 376هـ /986م) جداول دقيقة لبعض النجوم الثوابت ، وكان أول من أشار فى عام 964م إلى التجمع النجمى أندروميدا ، ووصفه بأنه سحابة صغيرة، وظلت هذه الحقيقة قائمة حتى وضع عالم الفيزيقا المعاصر واينبرج أفكاره عن الثلاث دقائق الأولى فى عمر الكون عام 1977م.
ويمكن تلخيص فضل العرب والمسلمين على علم الفلك ، بأنهم نقلوا الكتب الفلكية عن اليونان والفرس والهنود والكلدان والسريان ، وصححوا بعض أغلاطها وتوسعوا فيها، وهذا عمل جليل لا سيما إذا عرفنا أن أصول تلك الكتب قد ضاعت ، ولم يبق منها غير ترجماتها العربية، وعن هذه الترجمات نقل الأوربيون أصول علم الفلك ، كما هى وقد أضاف العرب اكتشافات قطع بها علم الفلك شوطا كبيرا، ويذكر أن نصف أسماء النجوم هى من وضع العرب ولاتزال مستعملة بلفظها العربى فى اللغات الأجنبية. كما يشهد للعرب أنهم جعلوا علم الفلك علما استقرائيا يعتمد على المشاهدات ، كما أنهم قد طهروا علم الفلك من أدران التنجيم.
وقد تطور علم الفلك فى عصر النهضة (لقرون 15-17) تطورا كبيرا. فقد كان العلماء فى التاريخ القديم (منذ بطليموس فى القرن الثانى الميلادى) يعتبرون أن الأرض مركز العالم ، ويقول علماء الغرب أن هذا الاعتقاد ظل سائدا لمدة أربعة عشر قرنا حتى اقترح الفلكى البولندى "كورنيقوس" (1473- 1543م) أن الأرض والكواكب تدور فى مسارات دائرية حول الشمس ، ثم قام الفلكى الدانيمركى "تيكوبراها" (1546- 1601م) بإجراء قياسات فلكية على مدار عشرين عاما كانت الأساس الذى بنى عليه نموذجا للمجموعة الشمسية.
وبعد ذلك قام الفلكى الألمانى "تبلر" (1571- 1630م) بوضع قوانينه الثلاثة لشرح الحركة الكوكبية، وفى عام 1929 توصل العالم الأمريكى هارلوشيبلى (1885- 1972) إلى أن شكل المجرة مفلطح ، وتشبه ساعة المعصم ، وتحتوى على النجوم والسديم والسحب النجمية، وأن الشمس والكواكب لا تقع فى مركزها، وأن رحلة الضوء من مركز المجرة فى اتجاه حدودها حيث الشمس والنجوم المرئية تبلغ أكثر من خمسين ألف سنة.
وفى عام 1977 نشر عالم الفيزيقا ستيفن واينبرج (1933) الحائز على جائزة نوبل فى الفيزيقا كتابا بعنوان الدقائق الثلاث الأولى يشرح فيه فكرة أصل الكون القائمة على أساس نموذج الانفجار العظيم ، المبنى على عدد كبير من نتائج التجارب العملية الفيزيقية المختلفة، كما تعتمد الفكرة على أن الكون فى تمدد مستمر.
وكان الفلكى توماس رايت ، قد قال عام 1750م: "منذ أن كانت الخليقة فإن الخالق نفسه يتجلى فى كل ما حولنا فإننا نستطيع أن نقرر أن هناك 170 مليون عالم مسكون فى مجرتنا. فى هذا الخلق الكونى العظيم فإن كارثة عالم مثل عالمنا أو حتى الاختفاء التام لعدد من النظم الكونية قد يكون ممكنا لمؤلف الطبيعة العظيم تماما كإمكانية حدوث حادث لحياة أحدنا".
وقد ذكر العالم الباكستانى محمد عبدالسلام أنه أنهى حديثه عند استلامه جائزة نوبل فى الفيزيقا بالآيتين التاليتين:
قال تعالى: { الذى خلق سبع سماوات طباقا ما ترى فى خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير } الملك:3،4.
أ.د/ على حلمى موسى

مفهوم : العلمانية
العلمانية مصطلح ترجم بمصر والمشرق العربى للكلمة الانجليزية(SECUL ARISM) بمعنى: الدنيوى والواقعى، والعالمى ذلك لأن العلمانية هى نزعة فلسفية وفكرية وسياسية واجتماعية ترى العالم مكتفيا بذاته ، تدبره الأسباب الذاتية المودعة فيه فالعالم والواقع والدنيا هى مرجعية التدبير للاجتماع الإنسانى والدولة والحياة، ومن ثم فإن الاجتماع والحياة والدولة ليست فى حاجة إلى مدبر من خارج هذا العالم ومن وراء هذه الطبيعة والإنسان مكتف بذاته ، يدبر شئونه ويبدع قيمه ونظمه بواسطة العقل والتجربة، وليس فى حاجة إلى شريعة سماوية تحكم هذا التدبير.
فالعلمانية -لذلك- تضبط بفتح العين ،لأنها نسبة إلى العالم وهناك فى المغرب العربى من يترجمها بالدنيوية.
ولقد نشأت العلمانية -بأوربا- فى سياق النهضة الحديثة، وكانت من أبرز معالم فلسفة التنوير الوضعى الغربى، التى جابه بها فلاسفة عصر الأنوار -فى القرنين السابع عشر والثامن عشر- سلطة الكنيسة الكاثوليكية بعد أن تجاوزت هده الكنيسة الحدود التى رسمتها لها النصرانية، وهى خلاص الروح ،ومملكة السماء،وترك ما لقيصر لقيصر والاقتصارعلى ما لله.. لقد تجاوزت الكنيسة حدود رسالتها واختصاصاتها ، فبعد عصور من سيادة نظرية "Theory of The Tow Swords" أى السيف الروحى -أو السلطة الدينية للكنيسة- والسيف الزمنى أى السلطة المدنية للدولة جمعت الكنيسة السلطتين معا فضمت ما لقيصر إلى ما للكنيسة واللاهوت فى ظل نظرية "السيف الواحد Theory of one Sword" وتحت حكم "البابوات الأباطرة" أضفت الكنيسة قداسة الدين وثباته على المتغيرات الدنيوية والاجتماعية -أفكارا وعلوما ونظما- فرفضت وحرمت وجرمته كل ما لا وجود له فى الأناجيل ، وبذلك دخلت أوربا عصورها المظلمة، الأمر الذى استنفر رد الفعل العلمانى، الذى حرر الدنيا من كل علاقة لها بالدين. ففى مواجهة الكهنوت الكنسى الذى قدس الدنيا وثبتها ، وجعل اللاهوت النصرانى المرجع الوحيد للسياسة جاء رد الفعل العلمانى لينزع كل قداسة عن كل شئون الدنيا ، وليحرر العالم من سلطان الدين ، وليعزل السماء عن الأرض ، جاعلا العالم مكتفيا بذاته ، والاجتماع والدولة والنظم والفلسفات محكومة بالعقل والتجربة، دونما تدخل من الدين.
ولقد ساعدت الملابسات التى نشأت فيها العلمانية على هزيمة الكنيسة وتراجع اللاهوت النصرانى أمام النزعة العلمانية. وكان التخلف الأوربى شاهدا على فشل الحكم الكنسى الكهنوتى وكانت هذه الملابسات الواقعية والمواريث الدينية والفلسفية -فى أوربا- عونا لانتصار العلمانية على الكنيسة وسلطانها.
ولقد تميز تياران فى إطار فلاسفة العلمانية الأوربية:
أولا: تيار مادى ملحد، طمح إلى تحرير الحياة -كل الحياة- من الإيمان الدينى. وكانت الماركسية أبرز إفرازات هذا التيار.
ثانيا: تيار مؤمن بوجود خالق للكون والإنسان ، لكنه يقف بنطاق عمل هذا الخالق عند مجرد الخلق فيحرر الدولة والسياسة والاجتماع من سلطان الدين ، مع بقإء الإيمان الدينى علاقة خاصة وفردية بين الإنسان وبين الله.. ومن فلاسفة هذا التيار "هوبر (1588 /1679م)، ولوك (1632 /1716م) وليبيز (1646 /1716م) ، وليسينج (1729 /1871م) ، ورسو (1712 /1778م)".
ولقد ظلت العلمانية خصوصية غربية حتى القرن التاسع عشر، عندما جاءت إلى بلادنا الإسلامية فى ركاب النفوذ الأجنبى والاستعمار الغربى الحديث.. وإذا كانت مصر بحكم موقعها قد مثلت طليعة الأقاليم الشرقية فى التأثر بالفكر الأوروبى ومنه العلمانية فلقد كان وفود العلمانية إليها نموذجا لتسللها من أوربا إلى بلاد الشرق الإسلامى فى ركاب النفوذ الأجنبى والاستعمار الحديث.
فبعد تحطيم النظام الحمائى للصناعة والتجارة الدى أقامه محمد على باشا فى مصر، زاد نفوذ التجار الأجانب ، ونشأت على عهد الخديوى سعيد، فى سنة 1272هـ /1855م أول محكمة تجارية مختلطة بين المصريين والأجانب "مجلس تجار" تسلل إليها القانون الوضعى الفرنسى.
ومع تزايد أعداد الجاليات الأجنبية ونفوذها وخاصة بعد عقد اتفاقية حفر قناة السويس نشأت المحاكم القنصلية لتقضى فى المنازعات الناشئة بين المصريين وبين الأجانب ، وقضاتها أجانب ولغاتها أجنبية، وقانونها وضعى علمانى.
ولما زادت فوضى القضاء القنصلى تم إنشاء المحاكم المختلطة بقضاة أجانب ولغة فرنسية وشريعة نابليون.
وبعد أن كان هذا الاختراق فى المحاكم القنصلية ثم المختلطة مقصورا على المنازعات التى يكون أحد طرفيها أجنبى حدث تعميم لبلوى هذا الاختراق العلمانى فى كل القضاء الأهلى أى فيما عدا المحاكم الشرعية، التى انحصر اختصاصها فى شئون الأسرة والأحوال الشخصية وكان ذلك عقب الاستعمار الإنجليز لمصر، فيما سمى بالإصلاح القضائى سنة 1883م.
ولقد استعان الغرب الاستعمارى بنفر من أبناء الأقلية المارونية الذين تربوا فى مدارس الإرساليات التنصيرية بلبنان فى الدعوة إلى نموذجه الحضارى العلمانى، فكان فرح أنطون 1874-1922م أول دعاة العلمانية فى بلادنا.. ثم تخلق للعلمانية تيار فكرى بلغ ذروته فى كتاب الشيخ على عبد الرازق (1887 /1966م) عن (الإسلام وأصول الحكم) الذى صدر سنة1925م مصورا الإسلام كالنصرانية دينا لا دولة، ورسالة لا حكما، يدع ما لقيصر لقيصر وما لله لله.
وفى مواجهة هذا التسلل العلمانى إلى بلادنا كانت مقاومة تيار الإحياء والتجديد الدينى لعلمانية القانون والنهضة.. فلقد رأى هذا التيار الإحيائى التجديدى فى العلمانية عدوانا على شمولية المنهاج الإسلامى لأنه دين ودولة وجامع بين ما لقيصر وما لله.
ولأن نطاق عمل الذات الإلهية -فى التصور الإسلامى- لا يقف عند مجرد الخلق ، وإنما هو سبحانه وتعالى خالق ومدبر للعالم والاجتماع بواسطة الشرائع والرسالات: { ألا له الخلق والآمر } الأعراف:54 ، { قل إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين لا شريك له } الأنعام:162-163.
فكان رفاعة الطهطاوى (1801/ 1873م) أول من انتقد تسلل القانون التجارى لنابليون إلى المجلس التجارى فى الموانى التجارية، ودعا إلى تقنين فقه المعاملات الإسلامية الوافى بتنظيم المنافع العمومية، لأن بحر الشريعة الغراء لم يغادر من أمهات المسائل صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها وأحياها.
ونهض القانونى البارز محمد قدرى باشا (1821/ 1888م) وهو من تلامذة الطهطاوى بتقص فقه المعاملات للمذهب الحنفى، ليقدم البديل الإسلامى فى القانون ،كجزء من الرفض والمقاومة للقانون الوضعى العلمانى.
ولقد عبر الإمام محمد عبده (1849/ 1905م) بلسان مدرسة الاحياء والتجديد الإسلامى عن ضرورة إسلامية النهضة ، لأن الإسلام على عكس النصرانية منهاج شامل ، فهو: كمال للشخص وألفة في البيت ، ونظام للملك ، وسبيل الدين لمريد الإصلاح فى المسلمين سبيل لا مندوحة عنها".
ومنذ ذلك التاريخ ، ظل التدافع سجالا، فى واقعنا الفكري والقانونى والسياسى بين دعاة العلمنة لمشروعنا النهضوى وبين دعاة إسلامية هذا المشروع.
وعندما أعادت مصو صياغة قانونها المدنى ، الذى وضعه الدكتور عبدالرازق السنهورى باشا (1895 /1971م) والذى طبق عقب إلغاء الامتيازات الأجنبية سنة 1948م ،زادت فى هذا القانون مرجعية الشرعية الإسلامية عنها فى سابقه الذى وضع سنة 1883م.
ولما وضعت مصردستورها الجديد سنة 1971م نصت مادته الثانية على أن مبادىء الشريعة الإسلامية مصدر رئيسى للقوانين وفى التعديل ، الذى تم الاستفتاء عليه ، لهذه المادة سنة 1980م غدته الشريعة هى المصدر الرئيسى للقوانين ، فانفتح بذلك الباب الدستورى أمام المشروع المصرى لأسلمة القانون ، ولإجلاء العلمانية عن المواقع التى احتلتها فى بلادنا تحت نفوذ وحراب الاستعمار.
أ.د /محمد عمارة

مفهوم : العمارة
العمارة لغة: من الإعمار والتعمير، وهى كل ما يبنى على وجه الأرض من مبان (لسان العرب).
واصطلاحا: كل ما يبنى على وجه الأرض بهدف التنمية العمرانية التى تسعى إلى خدمة الفرد والمجتمع ، وتستجيب لكافة متطلباته ، سكنية وإدارية وثقافية .. الخ. ولا تتعارض مع العقيدة الاسلامية.
وعلى ذلك فليس منها ما يبنى لتخليد الإنسان ، كما قال تعالى فى قوم عاد: { أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون } الشعراء:128-129.
والعمارة فى الإسلام تشمل كل ما يبنيه المجتمع من مبان على قدر حاجته فيها، وإلا فقد المبنى وضعه الإسلامى، فقد أمر عمر بن الخطاب رضى الله عنه الناس عند بناء الكوفة بالحجارة ألا يرفعوا بنيانا فوق القدر قالوا وما القدر، قال: ما لا يقربكم من السرف ولا يخرجكم عن القصد.
وتمتاز العمارة فى الإسلام بعدة أشياء، منها:
1- لا تتقيد بشكل ، فالشكل يتغير بتغير المكان والزمان حضاريا وبيئيا ، أما العقيدة فثابتة ولا يحدها زمان أو مكان.
2- توفر الخصوصية الشخصية أو الفردية فى الداخل ، وتتوافق مع قيم الجماعة من الخارج. الأمر الذى يضعها فى نظرية عالمية كعالمية الإسلام.
أما ما يطلق عليه جوازا العمارة الإسلامية، فهى تنحصر فيما بنى من تراث فى منطقة محددة من الأرض أطلق عليها العالم الإسلامى، وفى فترة من الزمن أطلق عليها العصر الإسلامى، كما تنحصر فيما يبنى من مبان تحمل بعض العناصر المعمارية المميزة مثل القبة والقبو والعقد مضافة إليها الزخارف الهندسية أو النباتية، وهذا ما يتعارض مع عالمية الإسلام وانتشاره فى بيئات وحضارات مختلفة شرقا وغربا ، جنوبا أو شمالا لها خصائصها المعمارية.
وعمارة المسجد لها أصولها الفقهية والإنشائية التى تحرص على توفير الصفاء النفسى خلال أداء الصلاة،
كما تحرص على الإقلال من الأعمدة التى تقطع الصفوف باستعمال نظم البناء المتقدمة.
وعمارة المسكن توفر الخصوصية للساكنين ولا تعلو إلى ما هو أكثر من أدوار قليلة تفاديا للخلل الاجتماعى والأمنى، وتبنى المساكن فى مجموعات للجوار يحددها الحديث النبوى الشريف (ألا إن أربعين دارا جار) (رواه الطبرانى) مما ينمى وحدة الجوار والتاخى والتراحم والتكافل بين السكان دون تمييز بين الطبقات ، قال تعالى: { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } الحجرات:13.
وللفقراء نصيب من ثمار العمارة فيما يسمى بعمارة الفقراء، والإنفاق على عمارة الفقراء يعتبر من مصارف الزكاة كما جاء فى فتوى د/محمد سيد طنطاوى للجمعية المركزية لإيواء المحتاجين.
د.م/ عبدالباقى إبراهيم

مفهوم : عمارة الأرض
عمارة الأرض لغة: عُمر المنزل بأهله كان مسكونا بهم ،فهو عامر، وعمَّر الأرض: بنى عليها وأهلها، واستعمره جعله يعمره ، والعمارة نقيض الخراب ، كما فى الوسيط.
واصطلاحا: نسبة إلى التعمير والعمران ، بمعنى استمرارية الوظيفة الإنسانية العامة للإنسان ، الذى حمل الأمانة عندما استخلفه الله سبحانه وتعالى فى الأرض كى يعمرها ويستخرج ما فيها بجهده وعمله ، لتنعم بخيراتها الأجيال اللاحقة إلى أن يرث الله الأرض وما عليها يقول الله فى كتابه العزيز { وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل فى الأرض خليفة } البقرة:30 ، ويقول سبحانه { هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها } هود:61 ، كما يقول { ثم جعلناكم خلائف فى الأرض من بعدهم } يونس:14.
ويتضح من هذه الآيات الكريمة كما ذهب الإمام ابن حزم الأندلسى أن حكم الإنسان وخلافته هما حكم من الله -جلت قدرته- الذى حكم وقضى بإستخلاف الإنسان فى إقامة العمران ، والنهوض بتكاليفه التى يعمر بها الكون ؛ لتتحقق المصلحة الاجتماعية على الوجه المقرر شرعا { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذى أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه } الشورى:13 ، وكان الدين بذلك سائدا للعمران ، وبين الاثنين تقوم علاقة أشبه ما تكون بالعلاقة الجدلية فى إطار الدين ترقى بالإنسان وبوضعه.
ويقدم الإسلام أروع صورة لعمارة الأرض فى ظل ثقافة التوحيد لله والاستخلاف للإنسان ، فى داخل إطار المشروعية العليا الإسلامية، ألا وهى العدل المستمد من التوحيد فلقد شاءت إرادة الخالق عندما خلق الكون وسخره للإنسان { وسخر لكم ما فى السموات وما فى الأرض جميعا } الجاثية:13 ، أن يحدد الطريق لإعمار الأرض ضمن إطار من الأحكام:
فهناك الأحكام المتعلقة بالضرورات وهذه ثابتة لا تتغير، والأحكام المتعلقة بالحاجيات كرفع المشقة، وبالتحسينات الملائمة للذوق ،وهذه شديدة المرونة على حسب الأحوال ،وأرسى بذلك قواعد النظام الاجتماعى فى المجتمع المسلم ، ليكون هديا لبنى الإنسان فى كل مكان وزمان.
وليس من شك فى أن عبادة الله هى الأصل والأساس إذ يقول سبحانه وتعالى { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } الذاريات:56. ولكن العبادة المقصودة بحكم النص القرآنى أن الإنسان العابد لابد أن يكون عاملا منتجا، باعتبار أن العمل الجاد هو السبيل لإسعاد الفرد والجماعة، وفى هذا يقول سبحانه { الذين إن مكناهم فى الأرض أقاموا الصلاة وأتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور } الحج:41. كما يقول { وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنسى نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد فى الأرض إن الله لا يحب المفسدين } القصص:77 ، ويقول { فإذا قضيت الصلاة فانتشروا فى الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون } الجمعة:10.
وكما أن الدين دعوة للتراحم والمودة فإنه كذلك دين وسط يدعو للعمل والإنتاج ، ليعمر الكون ، ويعيش الإنسان فى خير وسعادة عندما يعمر نور الإيمان قلبه ، ويحصن نفسه ويهذب أخلاقه ، فيحيا فى عمله فالله سبحانه وتعالى يقول { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون } التوبة:105 ويقول { ياأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا } المائدة:87 ، وليس أبلغ من هذا موازنة بين المادة والروح وبين الدين والدنيا ، فكما أن الالتزام العام بفروض الكفاية يؤدى إلى التضامن بين أبناء الأمة، كذلك فإن الإنسان بالعمل يكون قدوة للآخرين فقد روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده وأن نبى الله داود كان يأكل من عمل يده) رواه البخارى.
فليس فى الإسلام دعوة إلى الرهبنة أو نكران للمتع الحلال المباحة، وإنما هو دعوة صريحة للعمل الذى يتحقق به الإعمار الذى يعود بالخير على العالمين.
أ.د/ محمود أبوزيد

مفهوم : العهد
العهد لغة: الوصية يقال: عهد إليه إذا أوصاه ،والعهد: الأمان والموثق والذمة، ومنه قيل للحربى يدخل بالأمان: ذو عهد ومعاهد، وكل ما بين العباد من المواثيق فهو عهد.
واصطلاحا: لا يخرج المعنى الاصطلاحى عن ذلك.
والوفاء بالعهد واجب شرعا، والأدلة على ذلك كثيرة.
فمن الكتاب ، قوله تعالى: { وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها } النحل:91 ، وقوله تعالى: { وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا } الإسراء:34 ، وقد وصف الله تعالى: الذين ينقضون العهد بالخسران ، فقال تعالى: { الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه يقطعون ما أمرالله به أن يوصل ويفسدون فى الأرض أولئك هم الخاسرون } البقرة:27،
وأما السنة: فقد نفى النبى صلى الله عليه وسلم الدين عمن لا عهد له ، فقال عليه السلام: (لا دين لمن لا عهد له) أخرجه الإمام أحمد عن أنس بن مالك، أضف إلى ذلك التزام الرسول صلى الله عليه وسلم بسائر عهوده وعدم مخالفتها ،ومن ذلك وفاؤه بالوثيقة التى عقدها لليهود عندما هاجر إلى المدينة، والتزامه بما اتفق عليه مع المشركين فى صلح الحديبية.
وقد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم ناقض العهد بالنفاق ، ولا شك أن النفاق محرم ، فيكون ما أدى إليه ، وهو نقض العهد نفاقا محرما فقد روى عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان ، وإذا حدث كذب ، وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر)، فمن الأدلة السابقة يتضح أنه يجب على المؤمن الوفاء بالعهد، سواء كان هذا العهد بين المسلمين أنفسهم ، أو كان بين المسلمين وغيرهم ممن عقدوا لهم العهد والأمان.
ويجب على المسلم إتمام مدة العهد إلى معاهده ، فيمتنع بذلك عن ظلمه امتثالا لقوله تعالى: { فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم } التوبة:4 ، واتباعا لنهيه صلى الله عليه وسلم عن ظلم المعاهد بقوله: ( من ظلم معاهدا أو انتقصه أوكلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة ).
فإذا خالف المسلم ذلك فإنه يكون ناقضا للعهد، وهو من الغدر، وقد شهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغادر، فيما رواه عنه عبد الله ابن عمر رضى الله عنهما حيث قال عليه السلام: (لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به).
ومع ذلك إذا غدر المعاهد ونقض عهده فللمسلم أن ينبذ العهد، أى ينقض العهد جهرا لا سرا، ويعلم المعاهد بنقض العهد، ثم بعد ذلك يجوز للمسلم أن يخالف العهد وأن يوقع بالمعاهد.
والدليل على ذلك قوله تعالى: { وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين }الأنفال:58. وما رواه عمر بن عبسة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلن عقدا ولا يشدنه حتى يمضى أمده أو ينبذ إليهم على سواء).
ومن صور غدر المعاهدين ونقضهم للعهد: قتالهم للمسلمين ، أو امتناعهم عن إعطاء الجزية، ومن إجراء حكم الإسلام عليهم ، أو من دل أهل الحرب على عورة المسلمين -تجسس عليهم- أو فتن مسلما فى دينه ... إلخ.
وقد اتفق الفقهاء على أن الحلف بعهد الله يعتبر يمينا، يترتب على الحلف به الآثار التى تترتب على كل يمين من وجوب البر بها، أو الكفارة الواجبة عند الحنث إلا أن الشافعية اشترطوا لاعتبار هذه الصيغة يمينا أن ينوى الحالف بها اليمين ، لاستحقاق الله للعهد الذى أخذه على بنى آدم.
ويعتبر من صور الوفاء بالعهد ، ما يعهد به الحاكم إلى من بعده ، كما عهد أبو بكر إلى عمر، وعهد عمر إلى أهل الشورى رضى الله عنهم.
أ.د/ على مرعى


منتديات الرسالة الخاتمة