من عامر الانبوطي الى إنقضاء هذه السنين وموت الشيخ يوسف

    شاطر

    صبايا
    Admin

    عدد المساهمات : 1052
    تاريخ التسجيل : 31/10/2014

    من عامر الانبوطي الى إنقضاء هذه السنين وموت الشيخ يوسف

    مُساهمة من طرف صبايا في السبت فبراير 24, 2018 9:48 am


    بّسم الله الرّحمن الرّحيم
    مكتبة التاريخ
    عجائب الآثار
    الجزء الأول

    { الفصل الثاني }
    في ذكر حوادث مصر وولاتها وتراجم اعيانها
    ووفياتهم ابتداء من ظهور امر الفقارية

    ومات الشيخ الصالح الشاعر اللبيب الناظم الناثر الشيخ عامر الانبوطي الشافعي شاعر مفلق هجاء لهيب شراره محرق كان يأتي من بلده يزور العلماء والاعيان
    وكلما راى لشاعر قصيدة سائرة قلبها وزنا وقافية الى الهزل والطبيخ فكانوا يتحامون عن ذلك
    وكان الشيخ الشبراوي يكرمه ويكسبه ويقول له يا شيخ عامر لا تزفر قصيدتي الفلانية وهذه جائزتك
    ومن بعده الشيخ الحفني كان يكرمه ويغدق عليه ويستأنس لكلامه
    وكان شيخا مسنا صلحا مكحل العينين دائما عجيبا في هيئته ومن نظمه الفية الطعام على وزن الفية ابن مالك واولها:
    يقول عامر هو الانبوطي ● احمد ربي لست بالقنوطي
    ومات الامير الكبير عمر بك بن حسن بك رضوان وذلك انه لما قلد ابراهيم كتخدا تابعه علي بك الكبير امارة الحج وطلع بالحجاج ورجع في سنة 1167 ونزل عليهم السيل العظيم يظهر حمار والقى الحجاج واحمالهم الى البحر ولم يرجع منهم الا القليل تشاوروا فيمن يقلدونه امارة الحج فاقتضى راي ابراهيم كتخدا تولية المترجم وقد صار مسنا هرما فاستعفى من ذلك فقال له ابراهيم كتخدا اما أن تطلع بالحج او تدفع مائتي كيس مساعدة
    فحضر عند ابراهيم كتخدا فرأى منه الجد
    فقال اذا كان ولا بد فاني اصرفها واحج ولو اني اصرف الف كيس
    ثم توجه الى القبلة وقال اللهم لا ترني وجه ابراهيم هذا بعد هذا اليوم اما اني اموت او هو يموت
    فاستجاب الله دعوته ومات ابراهيم كتخدا في صفر قبل دخول الحجاج الى مصر بخمسة ايام
    وتوفي عمر بك المذكور سنة 1171
    ومات الرجل الفاضل النبيه الذكي المتفنن المتقن الفريد الاوسطي ابراهيم السكاكيني كان انسانا حسنا عطارديا يصنع السيوف والسكاكين ويجيد سقيها وجلاءها ويصنع قراباتها ويسقطها بالذهب والفضة ويصنع المقاشط الجيدة الصناعة والسقي والتطعيم والبركارات للصنعة واقلام الجدول الدقيقة الصنعة المخرمة وغير ذلك
    وكان يكتب الخط الحسن الدقيق بطريقة متسقة معروفة من دون الخطوط لا تخفى وكتب بخطه ذلك كثيرا مثل مقامات الحريري وكتب ادبية ورسائل كثيرة في الرياضيات والرسميات وغير ذلك وبالجملة فقد كان فريدا في ذاته وصفاته وصناعته لم يخلف بعده مثله
    توفي في حدود هذا التاريخ وكان حانوته تجاه جامع المرداني بالقرب من درب الصياغ
    وفي تلك السنة اعني سنة 1171 نزل مطر كثير سالت منه السيول واعقبه الطاعون المسمى بقارب شيحة الذي اخذ المليح والمليحة
    مات به الكثير من الناس المعروفين وغيرهم ما لا يحصى ثم خف واخذ ينقر في سنة 1172 وكان قوة عمله في رجب وشعبان وولد للسلطان مصطفى مولود في تلك السنة وورد الامر بالزينة في تلك الايام
    وهذا المولود هو السلطان سليم المتولي الآن ولما قتل حسين بك القازدغلي المعروف بالصابونجي وتعين في الرياسة بعده علي بك الكبير واحضر خشداشينه المنفيين واستقر امرهم وتقلد امارة الحج سنة 1173 فبيت مع سليمان بك الشابوري وحسن كتخدا الشعراوي وخليل جاويش حيضان مصلي واحمد جاويش المجنون واتفق معهم على قتل عبد الرحمن كتخدا في غيبته واقام عوضه في مشيخة البلد خليل بك الدفتردار فلما سافر استشعر عبد الرحمن كتخدا بذلك فشرع في نفي الجماعة المذكورين فاغرى بهم على ذلك بلوط قبن فنفى خليل جاويش حيضان مصلي واحمد جاويش الى الحجاز من طريق السويس على البحر ونفى حسن كتخدا الشعراوي وسليمان بك الشابوري مملوك خشداشه الى فارسكور
    فلما وصل علي بك وهو راجع بالحج الى العقبة وصل اليه الخبر فكتم ذلك وامر بعمل شنك يوهم من معه بان الهجان اتاه بخبر سار ولم يزل سائرا الى ان وصل الى قلعة نخل فانحاز الى القلعة وجمع الدويدار وكتخدا الحج والسدادرة وسلمهم الحجاج والمحمل وركب في خاصته وسار الى غزة وسار الحجاج من غير امير الى ان وصلوا الى أجرود فأقبل عليهم حسين بك كشكش ومن معه يريد قتل علي بك فلم يجده فحضر بالحجاج ودخل بالمحمل الى مصر واستمر علي بك بغزة نحو ثلاثة شهر واكثر وكاتب الدولة بواسطة باشة الشام فارسلوا اليه واحدا اغا ووعدوه ومنوه وتحيلوا عليه حتى استقصوا ما معه من المال والاقمشة وغير ذلك
    ثم حضر الى مصر بسعاية نسيبه علي كتخدا الخربطلي واغرااضه ومات بعد وصوله الى مصر بثمانية ايام
    يقال ان بعض خشداشينه شغله بالسم حين كان يطوف عليهم للسلام
    ● ● ولاية مصطفى باشا واحمد باشا كامل
    وفي تلك السنة حضر مصطفى باشا واليا على مصر واستمر الى اواخر سنة 1174 ونزل الى القبة متوجها الى جدة فاقام هناك
    وحضر احمد باشا كامل المعروف بصبطلان في اواخر سنة 1174
    وكان ذا شهامة وقوة مراس فدقق في الاحكام وصار يركب وينزل ويكشف على الانبار والغلال فتعصبت عليه الامراء وعزلوه واصعدوا مصطفى باشا المعزول وعرضوا في شأنه الى الدولة وسافر بالعرض الشيخ عبد الباسط السنديوني ووجه مصطفى باشا خازنداره الى جدة وكيلا عنه
    ولما وصل العرض الى الدولة وكان الوزير اذ ذاك محمد باشا راغب فوجهوا احمد باشا المنفصل الى ولاية قندية ومصطفى باشا الى حلب ووجهوا باكير باشا والي حلب الى مصر فحضر وطلع الى القلعة واقام نحو شهرين ومات ودفن بالقرافة سنة 1175 وحضر حسن باشا في اواخر سنة ست وسبعين ثم عزل
    وحضر حمزة باشا في سنة 1179 وسيأتي تتمة ذلك واستقر الحال وتقلد في امارة الحج حسين بك كشكش وطلع سنة 1174 ووقف له العرب في مضيق وحضر اليه كبراؤهم وطلبوا مطالبهم وعوائدهم فاحضر كاتبه الشيخ خليل كاتب الصرة والصراف وامرهم بدفع مطلوبات العرب
    فذهبوا معه الى خيمته واحضر المال وشرع الصراف يعد لهم الدراهم فضرب عند ذلك مدفع الشهيل فقال لهم حينئذ لا يمكن في هذا الوقت فاصبروا حتى ينزل الحج في المحطة يحصل المطلوب
    وسار الحج حتى خرج من ذلك المضيق الى الوسع ورتب مماليكه وطوائفه وحضر العرب وفيهم كبيرهم هزاع فامر بقتلهم فنزلوا عليهم بالسيوف فقتلوهم عن آخرهم وفيهم نيف وعشرون كبيرا من مشايخ العربان المشهورين خلاف هزاع المذكور وامر بالرحيل وضربوا المدفع وسار الحج وتفرق قبائل العرب ونساؤهم يصرخون بطلب الثأر
    فتجمعت القبائل من كل جهة ووقفوا بطريق الحجاج وفي المضايق وهو يسوق عليهم من امام الحج وخلفه ويحاربهم ويقاتلهم بمماليكه وطوائفه حتى وصل الى مصر بالحج سالما ومعه رؤوس العربان محملة على الجمال
    ودخل المدينة بالمحمل والحجاج منصورا مؤيدا فاجتمع عليه الامراء من خشداشينه وغيرهم وقال له علي بك بلوط قبن انك افسدت علينا العرب واخربت طريق الحج ومن يطلع بالحج في العام القابل بعد هذه الفعلة التي فعلتها فقال انا الذي اسافر بالحج في العام القابل ومني للعرب اصطفل
    فطلع ايضا في السنة الثانية وتجمع عليه العرب ووقفوا في كل طريق ومضيق وعلى رؤوس الجبال واستعدوا له بما استطاعوا من الكثرة من كل جهة فصادمهم وقاتلهم وحار بهم وصار يكر ويفر ويحلق عليهم من امام الحج ومن خلفه حتى شردهم واخافهم وقتل منهم الكثير ولم يبال بكثرتهم مع ما هو فيه من القلة فانه لم يكن معه الا نحو الثلثمائة مملوك خلاف الطوائف والاجناد وعسكر المغاربة
    وكان يبرز لحربهم حاسرا راسه مشهورا حسامه فيشتت شملهم ويفرق جمعهم فهابوه وانكمشوا عن ملاقاته وانكفوا عن الحج فلم تقم للعرب معه بعد ذلك قائمة
    فحج اربع مرات اميرا بالحج آخرها سنة 1176 ورجع سنة 1177 ولم يتعرض له احد من العرب ذهابا وايابا بعد ذلك
    وكذلك اخاف العربان الكائنين حوالي مصر ويقطعون الطريق على المسافرين والفلاحي ويسلبون الناس فكان يخرج اليهم على حين غفلة فيقتلهم وينهب مواشيهم ويرجع بغنائمهم ورؤوسهم في اشناف على الجمال فارتدععوا وانكفوا عن أفاعيلهم
    وأمنت السبل وشاع ذكره بذلك
    وفي هذه المدة ظهر شأن علي بك بلوط قبن واستفحل امره وقلد اسمعيل بك الصنجقية وجعله اشراقه وزوجه هانم بنت سيده وعمل له مهما عظيما احتفل به للغاية ببركة الفيل
    وكان ذلك في أيام النيل سنة 1174 فعملوا على معظم البركة أخشابا مركبة على وجه الماء يمشي عليها الناس للفرجة
    واجتمع بها ارباب الملاهي والملاعيب وبهلوان الحبل وغيره من سائر الاصناف والفرج والمتفرجون والبياعون من سائر الاصناف والانواع وعلقوا القنناديل والوقدات على جميع البيوت المحيطة بالبركة وغالبها سكن الامراء والاعيان اكثرهم خشداشين بعضهم البعض ومماليك ابراهيم كتخدا ابي العروس
    وفي كل بيت منهم ولائم وعزائم وضيافات وسماعات وآلات وجمعيات
    واستمر هذا الفرح والمهم مدة شهر كامل والبلد مفتحة والناس تغدو وتروح ليلا ونهارا للحظ والفرجة من جميع النواحي
    ووردت على علي بك الهدايا والصلات من اخوانه الامراء والاعيان والاختيارية والوجاقلية والتجار والمباشرين والاقباط والافرنج والاروام واليهود والمدينة عامرة بالخير والناس مطمئنة والمكاسب كثيرة والاسعار رخية والقرى عامرة
    وحضرت مشايخ البلدان وأكابر العربان ومقادم الاقاليم والبنادر بالهدايا والاغنام والجواميس والسمن والعسل وكل من الامراء الابراهيمية كأنه صاحب الفرح والمشار اليه من بينهم صاحب الفرح علي بيك
    وبعد تمام الشهر زفت العروس في موكب عظيم شقوا به من وسط المدينة بانواع الملاعيب والبهلوانات والجنك والطبول ومعظم الاعيان والجاويشية والملازمين والسعاة والاغوات امام الحريمات وعليهم الخلع والتخاليق المثمنة وكذلك المهاترة والطبالون وغيرهم من المقدمين والخدم والجاويشية والركبدارية والعروس في عربة
    وكان الخازندار لعلي بيك في ذلك الوقت محمد بك ابو الذهب ماشيا بجانب العربة وفي يده عكاز ومن خلفها اولاد خزنات الامراء ملبسين بالزرد والخود واللثامات الكشميري مقلدين بالقسي والنشاب وبأيديهم المزاريق الطوال وخلف الجميع النوبة التركية والنفيرات
    فمن ذلك الوقت اشتهر امر علي بك وشاع ذكره ونما صيته وقلد ايضا علي بك المعروف بالسروجية
    ولما كان عبد الرحمن كتخدا ابن سيدهم ومركز دائرة دولتهم انضوى الى ممالأته ومال هو الآخر الى صداقته ليقوى به على ارباب الرياسة من اختيارية الوجاقات وكل منهما يريد تمام الامر لنفسه
    حتى ان عبد الرحمن كتخدا لما اراد نفي الجماعة المتقدم ذكرهم مع بعض المتكلمين وصوروا على احمد جاويش المجنون ما يقتضي نفيه ثم عرضوا ذلك على عبد الرحمن كتخدا فمانع في ذلك واظهر الغيظ واصبح في ثاني يوم اجتمع عنده الاختيارية والصناجق على عادتهم
    فلما تكامل حضور الجميع عين عبد الرحمن كتخدا غاديا الى بيت علي بك وكذلك باقي الامراء والاختيارية وصار الجميع والديوان في بيته من ذلك اليوم ولبس الخلعة من الباشا على ذلك
    ثم انهم طلعوا ايضا في ثاني يوم الى الديوان واجتمعوا بباب الينكجرية وكتبوا عرضحال بنفي احمد جاويش وخليل جاويش وسليمان بك الشابوري فقال عبد الرحمن كتخدا واكتبوا معهم حسن كتخدا الشعراوي ايضا
    فكتبوه واخرجوا فرمانا بذلك ونفوهم كما ذكر واستمروا في نفيهم
    وعمل احمد جاويش وقادا بالحرم المدني وخليل جاويش اقام ايضا بالمدينة والشابوري وحسن كتخدا جهة فارسكور والسرو ورأس الخليج وأخذ علي بك يمهد لنفسه واستكثر من شراء المماليك وشرع في مصادرة الناس
    ويتحيل على اخذ الاموال من ارباب البيوت المدخرة والاعيان المستورين مع الملاطفة وادخال الوهم على البعض بمثل بمثل النفي والتعرض الى الفائظ ببعض المقنضيات ونحو ذلك

    حادثة سماوية

    ومن الحوادث السماوية ان في يوم السبت تاسع عشر جمادى الاولى هبت ريح عظيمة شديدة نكباء غربية غرق منها بالاسكندرية ثلاثة وثلاثون مركبا في مرسى المسلمين وثلاثة مراكب في مرسى النصارى
    وضجت الناس وهاج البحر شديدا وتلف بالنيل بعض مراكب وسقطت عدة اشجار
    وطلع علي بك اميرا بالحج في سنة 1177 ورجع في اوائل سنة 1178 في ابهة عظيمة وارخى مملوكه محمد الخازندار لحيته على زمزم
    فلما رجع قلده الصنجقية وهو الذي عرف بابي الذهب
    ثم قلد مملوكه ايوب اغا ورضوان قرابينه وابراهيم شلاق بلغيه وذا الفقار وعلي بك الحبشي صناجق ايضا
    وانقضت تلك السنة وامر علي بك يتزايد
    وشهلوا امور الحج على العادة وقبضوا الميري وصرفوا العلوفات والجامكية والصرة وغلال الحرمين والانبار وخرج المحمل على القانون المعتاد واميره حسن بك رضوان
    ولما رجعوا من البركة بعد ارتحال الحج طلع علي بك وخشداشينه واغراضه وملكوا ابواب القلعة وكتبوا فرمانا واخرجوا عبد الرحمن كتخدا وعلي كتخدا الخربطلي وعمر جاويش الداودية ورضوان جربجي الرزاز وغيرهم منفيين
    فاما عبد الرحمن كتخدا فارسلوه الى السويس ليذهب إلى الحجاز وعينوا للذهاب معه صالح بك ليوصله إلى السويس
    ونفوا باقي الجماعة الى جهة بحري وارتجت مصر في ذلك اليوم وخصوصا لخروج عبد الرحمن كتخدا فأنه كان اعظم الجميع وكبيرهم وابن سيدهم وله الصولة والكلمة والشهرة وبه ارتفع قدر الينكجرية على العزب وكان له عزوة كبيرة ومماليك واتباع وعساكر مغاربة وغيرهم حتى ظن الناس وقوع فتنة عظيمة في ذلك اليوم
    فلم يحصل شيء من ذلك سوى ما نزل بالناس من البهتة والتعجب
    ثم ارسل الى صالح بك فرمانا بنفيه الى غزة فوصل اليه الجاويش في اليوم الذي نزل فيه عبد الرحمن كتخدا في المركب وسافر وذهب صالح بك الى غزة فاقام بها مدة قليلة ثم ارسلوا له جماعة ونقلوه من غزة وحضروا به الى ناحية بحري واجلسوه برشيد ورتب له علي بك ما يصرفه وجعل له فائظا في كل سنة عشرة اكياس
    فاقام برشيد مدة فحضرت اخبار وصول الباشا الجديد وهو حمزة باشا الى ثغر سكندرية فارسلوا الى صالح بك جماعة يغيبونه من رشيد ويذهبون به الى دمياط يقيم بها وذلك لئلا يجتمع بالباشا
    فلما وصلت اليه الاخبار بذلك ركب بجماعته ليلا وسار الى جهة البحيرة وذهب من خلف جبل الفيوم الى جهة قبلى فوصل الى منية ابن خصيب فاقام بها واجتمع عليه اناس كثيرة من الذين شردهم علي بك ونفاهم في البلاد وبنى له ابنية ومتاريس وكان له معرفة وصداقة مع شيخ العرب همام واكابر الهوارة واكثر البلاد الجارية في التزامه جهة قبلي
    واجتمع عليه الكثير منهم وقدموا له التقادم والذخيرة وما يحتاج اليه ووصل المولى حفيد افندي القاضي وكان من العلماء الافاضل ويعرف بطرون افندي وكان مسنا هرما فجلس على الكرسي بجامع المشهد الجسيني ليملي درسا فاجتمع عليه الفقهاء الازهرية وخلطوا عليه وكان المتصدي لذلك الشيخ احمد بن يونس والشيخ عبد الرحمن البراذعي فصار يقول لهم كلموني بآداب البحث أما قرأتم آداب البحث
    فزادوا في المغالطة فما وسعه الا القيام فانصرفوا عنه وهم يقولون عكسناه
    وفي شعبان من السنة المذكورة شرع القاضي المذكور في عمل فرح لختان ولده فارسل اليه علي بك هدية حافلة وكذلك باقي الامراء والاختيارية والتجار والعلماء حتى امتلأت حواصل المحكمة بالارز والسمن والعسل والسكر وكذلك امتلأ المقعد بفروق البن ووسط الحوش بالحطب الرومي واجتمع بالمحكمة أرباب الملاعيب والملاهي والبهلوانات وغيرهم واستمر ذلك عدة أيام والناس تغدو وتروح للفرجة وسعت العلماء والامراء والاعيان والتجار لدعوته
    وفي يوم الزفة ارسل اليه علي بك ركوبته وجميع اللوازم من الخيول والمماليك وشجر الدر والزرديات وكذلك طاقم الباشا من الاغوات والسعاة والجاويشية والنوبة التركية واركبوا الغلام بالزفة الى بيت علي بك فالبسه فروة سمور ورجع الى المحكمة بالموكب وختن معه عدة غلمان وكان مهما مشهودا واتحد هذا القاضي بالشيخ الوالد وتردد كل منهما على الآخر كثيرا وحضر مرة في غير وقت ولا موعد في يوم شديد الحر فلما صعد الى اعلى الدرج وكان كثيرا فاستلقى من التعب على ظهره لهرمه فلما تروح وارتاح في نفسه قال له الشيخ يا افندي لاي شيء تتعب نفسك أنا آتيك متى شئت
    فقال انا اعرف قدرك وانت تعرف قدري، وكان نائبه من الاذكياء أيضا
    ولما حضر حمزة باشا سنة 1179 المذكورة واليا على مصر وطلع الى القلعة عرضوا له امر صالح بك وأنه قاطع الطريق ومانع وصول الغلال والميري وأخذوا فرمانا بالتجريد عليه وتقلد حسين بك كشكش حاكم جرجا وامير التجريدة وشرعوا في التشهيل والخروج فسافر حسين بك كشكش وصحبته محمد بك ابو الذهب وحسن بك الازبكاوي فالتطموا مع صالح بك لطمة صغيرة ثم توجه وعدى الى شرق أولاد يحيى وكان حسين بك شبكة مملوك حسين بك كشكش نفاه علي بك الى قبلي فلما ذهب صالح بك الى قبلي انضم اليه وركب معه فلما توجه حسين بك بالتجريدة وعدى صالح بك شرق اولاد يحيى انفصل عنه وحضر الى سيده حسين بك وانضم إليه كما كان ورجع محمد بك وحسن بك الى مصر وتخلف حسين بك عن الحضور يريد الذهاب الى منصبه بجرجا وأقام في المنية فارسل اليه علي بك فرمانا بنفيه الى جهة عينها له فلم يتمثل لذلك وركب في مماليكه وأتباعه وامرائه وحضر الى مصر ليلا فوجد الباب الموصل لجهة قناطر السباع مغلوقا فطرقه فلم يفتحوه فكسره ودخل وذهب الى بيته وبقي الامر بينهم على المسالمة أياما فاراد علي بك أن يشغله بالسم بيد عبد الله الحكيم وقد كان طلب منه معجونا للباءة فوضع له السم في المعجون واحضره له فامره ان يأكل منه اولا فتلكأ واعتذر فامر بقتله
    وكان عبد الله الحكيم هذا نصرانيا روميا يلبس على رأسه قلبق سمور وكان وجيها جميل الصورة فصيحا متكلما يعرف التركية والعربية والرومية والطليانية
    وعلم حسين بك انها من عزيمة علي بك فتأكدت بينهما الوحشة واضمر كل منهما لصاحبه السوء وتوافق علي بك مع جماعته على غدر حسين بك او اخراجه فوافقوه ظاهرا واشتغل حسين بك على اخراج علي بك وعصب خشداشينه وغيرهم وركبوا عليه المدافع فكرنك في بيته وانتظر حضور المتوافقين معه فلم يأته منهم أحد وتحقق نفاقهم عليه
    فعند ذلك أرسل اليهم يسألهم عن مرادهم فحضر اليه منهم من يأمره بالركوب والسفر فركب واخرجوه منفيا الى الشام ومعه مماليكه وأتباعه وذلك في اواخر شهر رمضان سنة 1179 واقام بالعادلية ثلاثة أيام حتى عملوا حسابه وحساب أتباعه وهم محيطون بهم من كل جهة بالعسكر والمدافع حتى فرغوا من الحساب واستخلصوا ما بقي على طرفهم ثم سافروا الى جهة غزة وكانت العادة فيمن ينفى من امراء مصر انه اذا خرج الى خارج فعلوا معه ذلك ولا يذهب حتى يوفي جميع ما يتأخر بذمته من ميري وخلافة وان لم يكن معه ما يوفي ذلك باع اساس داره ومتاعه وخيوله ولا يذهب الا خالص الذمة
    وسافر صحبة علي بك امراؤه وهم محمد بك وايوب بك ورضوان بك وذو الفقار بك وعبد الله أغا الوالي واحمد جاويش وسليمان جاويش وقيطاس كتخدا وباقي اتباعه
    واستقر خليل بك كبير البلد مع قسيمه حسين بك كشكش وباقي جماعتهم وحسن بك جوجو وعزلوا عبد الرحمن أغا وقلدوا قاسم أغا الوالي أغات مستحفظان وورد الخبر من الجهة القبلية بأن صالح بك رجع من شرق اولاد يحيى الى المنية واستقر فيها وحصنها
    فعند ذلك شرعوا في تشهيل تجريدة وبرزوا الى جهة البساتين
    وفي تلك الايام رجع علي بك ومن معه على حين غفلة ودخل الى مصر فنزل ببيت حسين بك كشكش ومحمد بك نزل عند عثمان بك الجرجاوي وايوب بك دخل منزل ابراهيم أغا الساعي فاجتمع الامراء بالاثار وعملوا مشوره في ذلك
    فاقتضى الرأي بان يرسلوه الى جدة فاجتمع الرأي بان يعطوه النوسات ويذهب اليها فرضي بذلك وذهب الى النوسات وأقام بها وأرسلوا محمد بك وأيوب بك ورضوان بك الى قبلي بناحية اسيوط وجهاتها وكان هناك خليل بك الاسيوطي فانضموا اليه وصادقوه وسفروا التجريدة الى صالح بك فهزمت فارسلوا له تجريدة اخرى واميرها حسن بك جوجو وكان منافقا فلم يقع بينهم الا بعض مناوشات ورجعوا أيضا كانهم مهزومون وارسلوا له ثالث ركبة
    فكانت الحرب بينهم سجالا ورجعوا كذلك بعد أن اصطلحوا مع صالح بك ان يذهب الى جرجا ويأخذ ما يكفيه هو ومن معه ويمكث بها ويقوم بدفع المال والغلال
    وكان ذلك في شهر جمادى الاولى سنة 1180
    وفي ثاني شعبان منها اتهموا حسن بك الازبكاوي انه يراسل علي بك وعلي بك يراسله فقتلوه في ذلك اليوم بقصر العيني ورسموا بنفي خشداشينه وهم حسن بك أبو كرش ومحمد بك الماوردي وسليمان أغا كتخدا الجاويشية سيد الثلاثة وهو زوج ام عبد الرحمن كتخدا وكان مقيما بمصر القديمة وقد صار مسنا فسفروهم الى جهة بحري وتخيلوا من اقامة علي بك بالنوسات فارسلوا له خليل بك السكران فاخذه وذهب به الى السويس ليسافر الى جدة من القلزم وأحضر له المركب لينزل فيها
    وفي ثاني شهر شوال من السنة ركب الامراء الى قراميدان ليهنئوا الباشا بالعيد وكان معتاد الرسوم القديمة ان كبار الامراء يركبون بعد الفجر من يوم العيد كذلك ارباب العكاكيز فيطلعون الى القلعة ويمشون امام الباشا من باب السراية الى جامع الناصر بن قلاوون فيصلون صلاة العيد ويرجعون كذلك ثم يقبلون اتكة ويهنئونه وينزلون الى بيوتهم فيهنىء بعضهم بعضا على رسمهم واصطلاحهم وينزل الباشا في ثاني يوم الى الكشك بقراميدان وقد هيئت مجالسه بالفرش والمساند والستائر واستعد فراشو الباشا بالتطلي والقهوة والشربات والقماقم والمباخر ورتبوا جميع الاحتياجات واللوازم من الليل واصطفت الخدم والجاويشية والسعاة والملازمون وجلس الباشا الكشك وحضرت أرباب العكاكيز والخدم قبل كل أحد ثم يأتي الدفتردار وأمير الحاج والامراء الصناجق والاختيارية وكتخدا والعزب أصحاب الوقت والمقادم والاوده باشية واليمقات والجربجية فيهنئون الباشا ويعيدون عليه على قدر مراتبهم بالقانون والترتيب ثم ينصرفون
    فلما حضروا في ذلك اليوم المذكور وهنا الامراء الصناجق الباشا وخرجوا الى دهليز القصر يريدون النزول وقف لهم جماعة وسحبوا السلاح عليهم وضربوا عليهم بنادق فاصيب عثمان بك الجرجاوي بسيف في وجهه وحسين بك كشكش أصيب برصاصة نفذت من شقه وسحب الآخرون سلاحهم وسيوفهم واحتاط بهم مماليكهم ونط اكثرهم من حائط البستان ونفذوا من الجهة الاخرى وركبوا خيولهم وهم لا يصدقون بالنجاة
    وانجرح أيضا اسمعيل بك ابو مدفع ومحمود بك وقاسم أغا ولكن لم يمت منهم الا عثمان بك
    وباتوا على ذلك فلما اصبحوا اجتمعوا وطلعوا الى الابواب وارسلوا الى الباشا يأمرونه بالنزول فنزل الى بيت احمد بك كشك بقوصون وعند نزوله ومروره بباب العزب وقف له حسين بك كشكش وأسمعه كلاما قبيحا ثم انهم جعلوا خليل بك بلغيه قائمقام وقلدوا عبد الرحمن أغا مملوك عثمان بك صنجقا عوضا عن سيده ونسبت هذه النكتة الى حمزة باشا وقيل انها من علي بك الذي بالنوسات ومراسلاته الى حسن بك جوجو فبيت مع انفار من الجلفية وأخفاهم عنده مدة ايام وتواعدوا على ذلك اليوم وذهبوا الى الكشك بقراميدان وكانوا نحو الاربعين فاختلفوا واتفقوا على ثاني يوم بدهليز بيت القاضي وتفرقوا الا أربعة منهم ثبتوا على ذلك الاتفاق وفعلوا هذه الفعلة وبطل أمر العيد من قراميدان من ذلك اليوم
    وتهدم القصر وخرب وكذلك الجنينة ماتت اشجارها وذهبت نضارتها ولما حصلت هذه الحادثة أرسلوا حمزة بك الى علي بك فوجده في المركب الغاطس ينتظر اعتدال الريح للسفر فرده الى البر واركبه بمماليكه واتباعه ورجع الى جهة مصر ومر من الجبل وذهب الى جهة شرق اطفيح ثم الى أسيوط بقبلي ورجع حمزة بك الى مصر
    ثم ان علي بك اجتمع عليه المنفيون وهوارة وخلافهم وأراد الانضمام الى صالح بك فنفر منه فلم يزل يخادعه وكان علي كتخدا الخربطلي هناك منفيا من قبله وجعله سفيرا فيما بينه وبين صالح بك هو وخليل بك الاسيوطي وعثمان كتخدا الصابونجي فارسلهم فلم يزالوا به حتى جنح لقولهم
    فعند ذلك ارسل اليه محمد بك ابو الذهب فلم يزل به حتى انخدع له واجتمع عليه بكفالة شيخ العرب همام وتحالفا وتعاقدا وتعاهدا على الكتاب والسيف
    وكتبوا بذلك حجة واتفق مع علي بك انه اذا تم لهم الامر اعطى لصالح بك جهة قبلي قيد حياته
    واتفقوا على ذلك بالمواثيق الاكيدة وأرسلوا بذلك الى شيخ العرب همام فانسر بذلك ورضي به مراعاة لصالح بك وأمدهم عند ذلك همام بالعطايا والمال والرجال واجتمع عليهم المتفرقون والمشردون من الغز والاجناد والهوارة والشجعان ولموا جموعا كثيرة وحضروا الى المنية وكان بها خليل بك السكران
    فلما بلغه قدومهم ارتحل منها وحضر الى مصر هاربا واستقر علي بك وصالح بك وجماعتهم بالمنية وبنوا حولها اسوارا وابراجا وركبوا عليها المادفع وقطعوا الطريق على المسارفين المبحرين والمقبلين
    وأرسل علي بك الى ذي الفقار بك وكان بالمنصورة وصحبته جماعة كشاف فارتحلوا ليلا وذهبوا الى المنية فعمل الامراء جمعية وعزموا على تشهيل تجريدة وتكلموا وتشاوروا في ذلك فتكلم الشيخ الحفناوي في ذلك المجلس وأفحمهم الكلام ومانع في ذلك وحلف انه لا يسافر أحد بتجريدة مطلقا وان فعلوا ذلك لا يحصل لهم خير ابدا فقالوا انه هو الذي يحرك الشر ويريد الانفراد بنفسه ومماليكه وان لم نذهب اليه أتى هو الينا وفعل مراده فينا فقال لهم الشيخ أنا أرسل اليه مكاتبة فلا تتحركوا بشيء حتى يأتي رد الجواب
    فلم يسعهم الا الامتثال فكتب له الشيخ مكتوبا ووبخه فيه وزجره ونصحه ووعظه وأرسلوه اليه فلم يلبث الشيخ بعد هذا المجلس الا أياما ومرض ورمى بالدم وتوفى الى رحمة الله تعالى
    فيقال انهم اشغلوه وسموه ليتمكنوا من اغراضهم
    ● ● ولاية محمد باشا راقم
    وفي أثناء ذلك ورد الخبر بوصول محمد باشا راقم الى سكندرية فارسلوا له الملاقاة وحضر الى مصر وطلع الى القلعة في غرة ربيع الثاني سنة 1181
    وفي حادي عشر جمادى الاولى اجتمعوا بالديوان وقلدوا حسن بك رضوان دفتردار مصر
    وفي خامس عشرة قلدوا خليل بك بلغيه امير الحاج وقاسم أغا صنجقا وكتبوا فرمانا بطلوع التجريدة الى قبلي ولبس صاري عسكرها حسين بيك كشكش وشرعوا في التشهيل واضطرهم الحال الى مصادرة التجار وأحضر خليل بيك النواخيد وهم منلا مصطفى وأحمد أغا الملطيلي وقرأ ابراهيم وكاتب البهار وطلب منهم مال البهار معجلا فاعتذروا فصرخ عليهم وسبهم فخرجوا من بين يديه وأخذوا في تشهيل المطلوب وجمع المال من التجار وبرز حسين بيك خيامه للسفر في منتصف جمادى الاولى وخرج صحبته ستة من الصناجق وهم حسن بيك جوجو وخليل بيك السكران وحسن بيك شبكة واسمعيل بيك أبو مدفع وحمزة بيك وقاسم بيك واسرعوا في الارتحال
    وفي عشرينه اخرج خلفهم ايضا خليل بك تجريدة اخرى وفيها ثلاثة صناجق ووجاقلية وعسكر مغاربة وسافروا ايضا في يومها وبعد ثلاثة ايام ورد الخبر وقوع الحرب بينهم ببياضة تجاه بني سويف فكانت الهزيمة على حسين بك ومن معه وقتل علي أغا الميجي وخلافه
    وقتل من ذلك الطرف ذو الفقار بك ورجع المهزومون في ذلك ثاني يوم الاحد طلعوا الى ابواب القلعة وطلبوا من الباشا فرمانا بالتجريدة على الكثرة وهو يوم السبت رابع عشرينه وهم في اسوأ حال
    واصبحوا يوم علي بك وصالح بك ومن معهم وطلبوا مائتي كيس من الميري يصرفوها في اللوازم فامتنع الباشا من ذلك وحضر الخبر يوم الاثنين بوصول القادمين الى غمازه وكان الوجاقلية وحسن بك جوجو ناصبين خيامهم جهة البساتين فارتحلوا ليلا وهربوا وتخبل عقل خليل بك وحسين بك ومن معهما وتحيروا في امرهم وتحققوا الادبار والزوال وأرسل الباشا الى الوجاقلية يقول لهم كل وجاق يلازم بابه
    وفي سابع عشرينه حضر علي بك صالح بك ومن معهم الى البساتين فازداد تحيرهم وطلعوا الى الابواب فوجدوها مغلوقة فرجعوا الى قراميدان وجلسوا هناك ثم رجعوا وتسحب تلك الليلة كثير من الامراء والاجناد وخرجوا الى جهة علي بك وكان حسن بك المعروف بجوجو ينافق الطرفين ويراسل علي بك وصالح بك سرا ويكاتبهما وضم اليه بعض الامراء مثل قاسم بك خشداشه واسمعيل بك زوج هانم بنت سيدهم وعلي بك السروجي وجن علي وهو خشداش ابراهيم بك بلغية وكثير من اعيان الوجاقلية ويرسلون لهم الاوراق في داخل الاقصاب التي يشربون فيها الدخان ونحو ذلك
    وفي ليلة الخميس تاسع عشرين جمادى الاولى هرب الامراء الذين بمصر وهو خليل بك شيخ البلد واتباعه وحسين بك كشكش واتباعه وهم نحو عشرة صناجق وصحبتهم مماليكهم وأجنادهم عدة كثيرة وأصبح يوم الخميس فخرج الاعيان وغيرهم لملاقاة القادمين ودخل في ذلك اليوم علي بك وصالح بك وصناجقهم ومماليكهم واتباعهم وجميع من كان منفيا بالصعيد قبل ذلك من امراء ووجاقلية وغيرهم وحضر صحبتهم علي كتخدا الخربطلي وخليل بك السيوطي وقلده علي بك الصنجقية مجددا وضربت النوبة في بيته ثم أعطاه كشوفية الشرقية وسافر اليها
    وفي يوم الاحد ثاني جمادى الثانية طلع علي بك وصالح بك وباقي الامراء القادمين والذين تخلفوا عن الذاهبين مثل حسن بك جوجو واسمعيل بك زوج هانم وجن علي وعلي بك السروجي وقاسم بك والاختيارية والوجاقلية وغيرهم الى الديوان بالقلعة فخلع الباشا على علي بك واستقر في مشيخة البلد كما كان وخلع علي صناجقه خلع الاستمرار أيضا في امارتهم كما كانوا ونزلوا الى بيوتهم وثبت قدم علي بك في امارة مصر ورئاستها في هذه المرة وظهر بعد ذلك الظهور التام وملك الديار المصرية والاقطار الحجازية والبلاد الشامية وقتل المتمردين وقطع المعاندين وشتت شمل المنافقين و وخرق القواعد وخرم العوائد وأحزب البيوت القديمة وأبطل الطرائق التي كانت مستقمية ثم انه حضر سليمان أغا كتخدا الجاويشية وصناجقه الى مصر وعزم على نفي بعض الاعيان واخراجهم من مصر فعلم انه لا يتمكن من اغراضه مع وجود حسن بك جوجو وانم ما دام حيا لا يصفو له الحال فأخذ يدبر على قتله فبيت مع اتباعه على قتله فحضر حسن بك جوجو وعلي بك جن علي عند علي بك وجلسوا معه حصة من الليل وقام ليذهب الى بيته فركب وركب معه جن علي ومحمد بك ابو الذهب وايوب بك ليذهبا ايضا الى بيوتهما لاتحاد الطريق فلما صاروا في الطريق التي عند بيت الشابوري خلف جامع قوصون سحبوا سيوفهم وضربوا حسن بك وقتلوه وقتلوا معه أيضا جن علي ورجعوا وأخبروا سيدهم علي بك وذلك ليلة الثلاثاء ثامن شهر رجب من سنة 1181 واصبح علي بك مالكا للابواب ورسم بنفي قاسم بك واسمعيل بك ابي مدفع وعبد الرحمن بك واسمعيل بك كتخدا عزبان ومحمد كتخدا زنور ومصطفى جاويش تابع مصطفى جاويش الكبير مملوك ابراهيم كتخدا وخليل جاويش درب الحجر
    وفي حادي عشر شهر شوال اخرج ايضا نحو الثلاثين شخصا من الاعيان ونفاهم في البلاد وفيهم ثمانية عشر اميرا من جماعة الفلاح وفيهم علي كتخدا واحمد كتخدا الفلاح وابراهيم كتخدا مناو وسليمان أغا كتخدا جاووشان الكبير وصناجقه حسن بك ابو كرش ومحمد بك الماوردي وخلافهم مقادم وأوده باشية فنفى الجميع الى جهة قبلي وارسل سليمان أغا كتخدا الجاويشية الى السويس ليذهب الى الحجاز من القلزم واستمر هناك الى أن مات
    وفيه قبض علي بك على الشيخ يوسف بن وحيش وضربه علقة قوية ونفاه الى بلده جناج فلم يزل بها الى أن مات
    وكان من دهاة العالم وكان كاتبا عند عبد الرحمن كتخدا القازدغلي وله شهرة وسمعة في السعي وقضاء الدعاوى والشكاوى والتحيلات والمداهنات والتلبيسات وغير ذلك
    وفي شهر الحجة وصلت اخبار عن حسين بك كشكش وخليل بك انهم لما وصلوا الى غزة جمعوا جموعا وانهم قادمون الى مصر فشرع علي بك في تشهيل تجريدة عظيمة وبرزوا وسافروا
    ثم ورد الخبر بعد ثلاثة ايام انهم عرجوا الى جهة دمياط ونهبوا منها شيئا كثيرا ثم حضروا الى المنصورة ونهبوا منها كذلك فارسل علي بك يأمر التجريدة بالذهاب اليهم وأرسل لهم أيضا عسكرا من البحر فتلاقوا معهم عند الديزس والجراح من أعمال المنصورة عند سمنود فوقع بينهم وقعة عظيمة وانهزمت التجريدة وولوا راجعين
    وقتل في هذه المعركة سليمان جربجي باش اختيار جمليان واحمد جرجبي ظنان جراكسه وعمر أغا جاووشان أمين الشون وكانوا صدور الوجاقات ولم يزالوا في هزيمتهم الى دجوة
    فلما وصل الخبر بذلك الى علي بك اهتم لذلك ونزل الباشا وخرج الى قبة باب النصر خارج القاهرة وجمع الوجاقلية والعلماء وارباب السجاجيد وأمر الباشا بأن كل من كان وجاقيا او عليه عتامنة يشهل نفسه ويطلع الى التجريدة أو يخرج عنه بدلا واجتهد علي بك في تشهيل تجريدة عظيمة أخرى وكبيرها محمد بك ابو الذهب وسافروا في أوائل المحرم واجتمعوا بالتجريدة الاولى وسار الجميع خلف حسين بك وخليل بك ومن معهم وكانوا عدوا الى بر الغربية بعد ان هزموا التجريدة فلو قدر الله انهم لما كسروا التجريدة ساقوا خلفهم كما فعل علي بك وصالح بك لدخلوا الى مصر من غير مانع ولكن لم يرد الله تعالى لهم ذلك
    وانقضت هذه السنين وما وقع بها

    من مات في هذه الاعوام
    من اكابر العلماء وأعاظم الامراء

    مات الشيخ الامام الفقيه المحدث الشريف السيد محمد بن محمد البليدي المالكي الاشعري الاندلسي حضر دروس الشيخ شمس الدين محمد بن قاسم البقري المقري الشافعي في سنة 1110 ثم على اشياخ الوقت كالشيخ العزيزي والملوي والنفراوي وتمهر ثم لازم الفقه والحديث بالمشهد الحسيني فراج امره واشتهر ذكره وعظمت حلقته وحسن اعتقاد الناس فيه وانكبوا على تقبيل يده وزيارته وخصوصا تجار المغاربة لعلة الجنسية فهادوه وواسوه واشتروا له بيتا بالعطفة المعروفة بدرب الشيشيني وفسطوا المنه على أنفسهم ودفعوه من مالهم
    فلم يزل مقبلا على شانه ملازما على طريقته مواطبا على املاء الحديث كصحيح البخاري ومسلم والموطأ والشفاء والشمائل حتى توفي ليلة التاسع والعشرين من رمضان سنة ست وسبعين ومائة والف
    ومات الاستاذ المعظم ذو المناقب العلية والسجايا المرضية بقية السلف السيد مجد الدين محمد أبو هادي بن وفي ولد سنة 1151 ومات والده وهو طفل فنشأ يتيما وخلف عمه في المشيخة والتكلم واقبل على العلم والمطالعة والاذكار والاوراد وولى نقابة الاشراف بمصر في الاثناء فساس فيها أحسن سياسة وجمع له بين طرفي الرياسة وكان ابيض وسيما ذا مهابة لايهاب في الله امارا بالمعروف فاعلا للخير توفي يوم الخميس خامس ربيع الاول سنة 1176 وصلي عليه بالازهر في مشهد عظيم حضره الاكابر والاصاغر وحمل على الاعناق ودفن بزاويتهم بالقرب من عمه رضي الله عنه وتخلف بعده السيد شهاب الدين أحمد ابو الامداد
    ومات ايضا في هذا الشهر والسنة الصدر الاعظم المغفور له محمد باشا المعروف براغب وكان معدودا من أفاضل العلماء وأكابر الحكماء جامعا للرياستين حويا للفضيلتين وله تأليف وابحاث في المعقول والمنقول والفروع والاصول وهو الذي حضر الى مصر واليا في سنة 1159 ووقع له ما وقع مع الخشاب والدمايطة كما تقدم ورجع الى الديار الرومية وتولى الصدارة ثم توفي الى رحمة الله تعالى في رابع عشرين شهر رمضان سنة 1176
    ومات الشيخ المجذوب علي الهواري كان من ارباب الاحوال الصادقين والاولياء المستغفرين وأصله من الصعيد
    وكان يركب الخيول ويروضها ويجيد ركوبها ولذلك لقب بالهواري
    ثم اقلع من ذلك وانجذب مرة واحدة وكان للناس فيه اعتقاد حسن وحكى عنه الكشف غير واحد ويدور في الاسواق والناس يتبركون به
    مات شهيدا بالرميلة أصابته رصاصة من يد رومي فلتة في سنة 1176 وصلوا عليه بالازهر وازدحم الناس على جنازته رحمه الله
    ومات الشيخ المسند عمر بن أحمد بن عقيل الحسيني المكي الشافعي الشهير باسقاف ابن أخت حافظ الحجاز عبد الله بن سالم البصري وأسقاف لقب جده الاكبر عبد الرحمن من آل باعلوي
    ولد بمكة سنة 1102 وروى عن خالد المذكور وعن الشيخين العجمي والنخلي والشيخ تاج الدين المفتي وحسين بن عبد الرحمن الخطيب ومحمد عقبلة وادريس بن أحمد اليماني والشيخ عيد وعبد الوهاب الطنتدائي ومصطفى ابن فتح الله الحنفي وسمع الاولية عاليا عن الشهاب أحمد البناء بعناية خاله سنة 1110 ومهر وانجب واشتهر صيته وسمع منه كبار الشيوخ وأجازهم كالشيخ الوالد والشيخ احمد الجوهري وعندي اجازته للوالد بخطه وكذلك أجاز عبد الله بن سالم البصري والشيخ محمد عقيلة ومحمد السندي وذلك بمكة سنة 1157 وبه تخرج شيخنا السيد محمد مرتضى في غالب مروياته وسمعت منه إنه اجتمع به بالمدينة المنورة عند باب الرحمة احد ابواب الحرم الشريف وسمع منه وأجازه اجازة عامة وذلك في سنة 1163 ولازمه بمكة سنة 1164 وسمع منه أوائل الكتب الستة وأباح له كتب خاله يراجع فيها ما يحتاج اليه وسمع من لفظه المسلسل بالعيد بالحرم المكي في صحبة سلالة الصالحين الشيخ عبد الرحمن المشرع وأجازهما توفي في سنة 1174
    ومات العمدة العلامة المفوه النبيه الفقيه الشيخ محمد العدوي الحنفي تفقه على كل من الاسقاطي والسيد علي الضرير والشيخ الزيادي وغيرهم
    وحضر في المعقول على أشياخ الوقف كالملوكي والعماوي وتصدر للافادة والاقراء وكان ذا شكيمة وشجاعة نفس وقوة جنان ومكارم أخلاق
    توفي في ثالث الحجة سنة 1175
    ومات الامام العلامة الفقيه المتقن الشيخ محمد بن عبدالوهاب الدلجي الحنفي وهو ابن خال الوالد اشتغل بالعلوم والفقه على أشياخ الوقت ودرس وأفتى واقتنى كتبا نفيسة في الفقه وجميعها بخط حسن وقابلها وصححها وكتب عليها بخطه الحسن وكانت جميع كتبه الفقهية وغيرها في غاية الجودة والصحة يضرب بها المثل ويعتمد عليها الى الآن
    وكان ملازما للافادة والافتاء والتدريس والنفع على حالة حسنة ودماثة أخلاق وحسن عشرة ولم يزل حتى توفي في شهر رجب سنة 1177
    ومات الفقيه الصالح الخير الدين حسن بن سلامة الطيبي المالكي نزيل ثغر رشيد تفقه على شيخه محمد بن عبد الله الزهيري وبه تخرج وأجازه محمد بن عثمان الصافي البرلسي في طريقة البراهمة وسيدي احمد ابن قاسم البوتي حين ورد ثغر رشيد في الحديث ودرس بجامع زغلول وأفتى ودرسه اكبر الدروس وكان لديه فوائد كثيرة
    توفي سنة 1176
    ومات المفتي الفاضل النبيه زين الدين ابو المعالي حسن بن علي بن علي ابن منصور بن عامر بن ذئاب شمة الفوي الاصل المكي ينتهي نسبة الى الولي الكامل سيدي محمد بن زين النحراوي ومن أمة الى سيدي ابراهيم البسيوني ولد بمكة سنة 1142 وبها تنشأ واخذ العلم عن الشيخ عطاء بن أحمد المصري والشيخ احمد الاشبولي وغيرهما من الواردين بالحرمين وأتى الى مصر فحضر دروس الشيخ الحفني وله انتسب وأجازه في الطريقة البرهامية بلدية الشيخ منصور هدية وألف وأجاد وكان فصيحا بليغا ذكيا حاد الذهن جيد القريحة له سعة اطلاع في العلوم الغريبة ونظم رائق مع سرعة الارتجال وقد جمع كلامه في ديران هو على فضله عنوان وسكن في الآخر بولاق وبها توفي ليلة الجمعة رابع عشرين رمضان سنة 1146
    ومات الشيخ الامام الفقيه المحدث المحقق الشيخ خليل بن محمد المغربي الاصل المالكي المصري أتى والده من المغرب فتدير مصر وولده المترجم بها نشأ على عفة وصلاح وأقبل على تحصيل المعارف والعلوم فأدرك منها المروم وحضر دروس الشيخ الملوي والسيد البليدي وغيرهما من فضلاء الوقت الى ان استكمل هلال معارفه وأبدر وفاق أقرانه في التحقيقات واشتهر وكان حسن الالقاء للعلوم حسن التقرير والتحرير حاد القريحة جيد الذهن اماما في المعقولات وحلالا للمشكلات وولي خزانة كتب المؤيد مدة فأصلح ما فسد منها ورم ما تشعث وانتفع به جماعة كثيرون من أهل عصرنا وله مؤلفات منها شرح المقولات العشر
    توفي يوم الخميس خامس عشرين المحرم سنة 1177 بالري وهو منصرف من الحج
    ومات السيد الاديب الشاعر المفنن عمر بن علي الفتوشي التونسي ويعرف بابن الوكيل ورد مصر في سنة أربع وخمسين فسمع الصحيح على الشيخ الحفني وأجازه في ثاني المحرم منها ثم توجه الى الاسكندرية وتديرها مدة ثم ورد في أثناء أربع وسبعين وكان ينشد كثيرا من المقاطع لنفسه ولغيره والف رسالة في الصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم خرج صيغها بالدور الاعلى للشيخ الاكبر وتولى نيابة القضاء بالكاملية وكان انسانا حسنا لطيف المحاورة كثير التودد والمراعاة بشوش الملتقى مقبلا على شأنه
    توفي في ثاني ذي الحجة 1175
    ومات الاستاذ الذاكر الشيخ محفوظ الفوي تليذ سيدي محمد ابن يوسف من ورم في رجليه في غرة جمادى الثانية سنة 1178
    ودفن يومه قريبا من مشهد السيدة نفيسة رضي الله عنها
    ومات العالم الفقيه المحدث الاصولي الشيخ محمد بن يوسف بن عيسى الدنجيهي الشافعي بدمياط في سادس شعبان سنة 1178
    ومات الجناب المكرم الصالح المنفصل عن مشيخة الحرم النبوي عبد الرحمن آغا في ثامن شوال سنة 1179 ودفن بجوار المشهد النفيسي
    ومات الجناب المكرم محب الفقراء والمساكين الامير ابراهيم أوده باشه غالم فجأة في ثامن جمادى الاولى سنة 1177 ودفن بمقبرتهم عند السادة المالكية
    ومات ايضا العمدة الشيخ عبد الفتاح المرحومي بالازبكية في تاسع شوال سنة 1178
    ومات الاجل المكرم الحاج حسن فخر الدين النابلسي عن سن عالية وكان من ارباب الاموال رابع عشرين جمادى الاولى سنة 1178
    ومات الامير الاجل المحترم صاحب الخيرات والمحبب الى الصالحات علي بن عبد الله مولى بشير آغا دار السعادة ولي وكالة دار السعادة فباشر فيها بحشمة وافرة وشهامة باهرة
    وكان منزله مورد الوافدين من الآفاق مظهر التجليات الاشراق مع ميله الى الفنون الغريبة وكماله في البدائع العجيبة من حسن الخط وجودة الرمي واتقان الفروسية
    ومدحته الشعراء وأحبته العلماء والقت اليه الرياسة قيادها فاصلح ما وهن من اركانها وازال فسادها ولقد عزل عن منصبه ولم يأفل بدر كماله واستمر ناموس حشمته باقيا على حاله واقتنى كتبا نفيسة وكان سموحا باعارتها وكان من جملتها البرهان القاطع للتبريزي في اللغة الفارسية على هيئة القاموس وسفينة الراغب وهي مجموعة جامعة للفوائد الغريبة ومنها كشف الظنون في اسماء الكتب والفنون لمصطفى خليفة وهو كتاب عجيب
    توفي يوم الاثنين ثامن عشر شهر صفر سنة 1176 وصلى عليه بسبيل المؤمن ودفن بالقرافة بالقرب من الامام الشافعي ولم يخلف بعده مثله في المروءة والكرم رحمه الله تعالى وقد رثاه الشعراء بمراث كثيرة
    ومات الامام العالم العلامة والمدقق الفهامة الشيخ يوسف شقيق الاستاذ شمس الدين الحفني اخذ العلم عن مشايخ عصره مشاركا لاخيه وتلقى عن أخيه ولازمه ودرس وافاد وافتى والف ونظم الشعر الفائق الرائق وله ديوان شعر مشهور وكتب حاشية عظيمة على الاشموني وهي مشهورة يتنافس فيها الفضلاء وحاشية على مختصر السعد وحاشية على شرح الخزرجية لشيخ الاسلام وحاشية على جمع الجوامع لم تكمل وحاشية على الناصر وابن قاسم وشرح شرح الازهرية لمؤلفها وشرح على شرح السعد لعقائد النسفي وحاشية الخيالي عليه
    توفي في شهر صفر سنة 1178

    ● [ لهذا الجزء بقية فتابعها ] ●


    عجائب الآثار في التراجم والأخبار
    المؤلف : عبد الرحمن بن حسن الجبرتي
    مجلة نافذة ثقافية ـ البوابة


      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد سبتمبر 23, 2018 2:18 pm