بّسم الله الرّحمن الرّحيم
السيرة النبوية المطهرة
الأحداث من إسلام سلمان رضي الله عنه
إلى إسلام ابي بكر رضي الله عنه

إسلام سلمان رضي الله عنه
قال بن إسحاق وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري عن محمود بن لبيد عن عبد الله بن عباس قال حدثني سلمان الفارسي من فيه قال كنت رجلاً فارسياً من أهل إصبهان من أهل قرية يقال لها جي وكان أبي دهقان قريته وكنت أحب خلق الله إليه لم يزل به حبه إياي حتى حبسني في بيته كما تحبس الجارية واجتهدت في المجوسية حتى كنت قطن النار الذي يوقودها لا يتركها تخبو ساعة قال وكانت لأبي ضيعة عظيمة قال فشغل في بنيان له يوماً فقال لي يا بني إني قد شغلت في بنياني هذا اليوم عن ضيعتي فاذهب إليها فاطلعها وأمرني فيها ببعض ما يريد ثم قال لي ولا تحتبس عني فإنك إن احتبست عني كنت أهم إلي من ضيعتي وشغلتني عن كل شيء من أمري قال فخرجت أريد ضيعته التي بعثني إليها فمررت بكنيسة من كنائس النصارى فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون وكنت لا أدري ما أمر الناس لحبس أبي إياي في بيه فلما سمعت أصواتهم دخلت عليهم أنظر ما يصنعون فلما رأيتهم أعجبتني صلاتهم ورغبت في أمرهم وقلت هذا والله خير من الدين الذي نحن عليه فوالله ما برحتهم حتى غربت الشمس وتركت ضيعة أبي فلم آتها ثم قلت لهم أين أصل هذا الدين قالوا بالشام فرجعت إلى ابي وقد بعث في طلبي وشغلته عن عمله كله فلما جئته قال أي بني أين كنت أولم أكن عهدت إليك ما عهدت قال قلت له يا أبت مررت بأناس يصلون في كنسية لهم فأعجبني ما رأيت من دينهم فوالله ما زلت عندهم حتى غربت الشمس قال اي بني ليس في ذلك الدين خير دينك ودين آبائك خير منه قال قلت له كلا والله إنه لخير من ديننا قال فخافني فجعل في رجلي قيدا ثم حبسني في بيته.
اتفاق سلمان والنصاري على الهرب
قال وبعثت إلى النصارى فقلت لهم إذا قدم عليكم ركب من الشام فأخبروني بهم قال فقدم عليهم ركب من الشام تجار من النصارى فأخبروني بهم فقلت لهم إذا قضوا حوائجهم وأرادوا الرجعة إلى بلادهم فآذنوني بهم قال فلما أرادوا الرجعة إلى بلادهم أخبروني بهم فألقيت الحديد من رجلي ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام فلما قدمتها قلت من أفضل أهل هذا الدين علما قالوا الأسقف في الكنيسة.
سلمان مع أسقف النصارى السيىء
قال فجئته فقلت له إني قد رغبت في هذا الدين فأحببت أن أكون معك وأخدمك في كنيستك فأتعلم منك وأصلي معك قال أدخل فدخلت معه قال وكان رجل سوء يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها فإذا جمعوا إليه شيئاً منها اكتنزه لنفسه ولم يعطه المساكين حتى جمع سبع قلال من ذهب وورق قال فأبغضته بغضا شديدا لما رأيته يصنع ثم مات فاجتمعت إليه النصارى ليدفنوه فقلت لهم إن هذا كان رجل سوء يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها فإذا جئتموه بها اكتنزها لنفسه ولم يعط المساكين منها شيئاً قال فقالوا لي وما علمك بذلك قال فقلت لهم أنا أدلكم على كنزه قالوا فدلنا عليه قال فأريتهم موضعه فاستخرجوا سبع قلال مملوءة ذهبتا وورقا قال فلما رأوها قالوا والله لا ندفنه أبدا قال فصلبوه ورجموه بالحجارة وجاءوا برجل آخر فجعلوه مكانه.
سلمان وأسقف الصالح
قال يقول سلمان فما رأيت رجلاً لا يصلى الخمس أرى أنه كان افضل منه وأزهد في الدنيا ولا أرغب في الآخرة ولا أدأب ليلاً ولا نهاراً منه قال فأحببته حباً لم أحبه شيئاً قبله مثله قال فأقمت معه زمانا ثم حضرته الوفاة فقلت له يا فلان إني قد كنت معك وأحببتك حباً لم أحبه شيئاً قبلك وقد حضرك ما ترى من أمر الله تعالى فإلى من توصي بي وبم تأمرني قال أي بني والله ما أعلم اليوم أحداً على ما كنت عليه فقد هلك الناس وبدلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه إلا رجلاً بالموصل وهو على ما كنت عليه فالحق به.
سلمان وصاحبه بالموصل
قال فلما مات وغيب لحقت بصاحب الموصل فقلت له يافلان إن فلانا أوصاني عند موته أن ألحق بك وأخبرني أنك على أمره قال فقال لي أقم عندي فأقمت عنده فوجوته خير رجل على أمر صاحبه فلم يلبث أن مات فلما حضرته الوفاة قلت له يا فلان إن فلانا أوصي بي إليك وأمرني باللحوق بك وقد حضرك من امر الله ما ترى فإلى من توصي بي وبم تأمرني قال يا بني والله ما أعلم رجلا على مثل ما كنا عليه إلا رجلاً بنصيبين وهو فلان فالحق به.
سلمان يلحق بنصيبين
فلما مات وغيب لحقت بصاحب نصيبين فأخبرته خبرى وما أمرني صاحبه فقال أقم عندي فأقمت عنده فوجودته على أمر صاحبيه فأقمت مع خير رجل فوالله ما لبث أن نزل به الموت فلما حضر قلت له يا فلان إن فلانا كان أوصى بي إلى فلان ثم أوصى بي فلان إليك قال فإلى من توصي بي وبم تأمرني قال يا بني والله ما أعلمه بقي أحد على أمرنا آمرك أن تأتيه إلا رجلاً بعمورية من أرض الروم فإنه على مثل ما نحن عليه فإن أحببت فأته فإنه على أمرنا.
سلمان وصاحبه بعمورية
فلما مات وغيب لحقت بصاحب عمورية فأخبرته خبري فقال أقم عندي فأقمت عند خير رجل علي هدي أصحابه وأمرهم قال واكتسبت حتى كانت لي بقرات وغنيمة قال ثم نزل به أمر الله فلما حضر قلت له يا فلان إني كنت مع فلان فأوصي بي إلى فلان ثم أوصى بني فلان إلى فلان ثم أوصى بني فلان إليك فإلى من توصي بي وبم تأمرني قال أي بن والله ما أعلمه أصبح اليوم أحد على مثل ما كنا عليه من الناس آمرك به أن تأتيه ولكنه قد أظل زمان نبي وهو مبعوث بدين إبراهيم عليه السلام يخرج بأرض العرب مهاجره إلى أرض بين حرتين بينهما نخل به علامات لا تخفى يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة وبين كتفيه خاتم النبوة فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فأفعل.
سلمان ونقلته إلى وادي القرى
قال ثم مات وغيب ومكثت بعمورية ما شاء الله ان أمكث ثم مر بي نفر من كلب تجار فقلت لهم أحملوني إلى أرض العرب وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي هذه قالوا نعم فأعطيتهموها وحملوني معهم حتى إذا بلغوا وادي القرى ظلموني فباعوني من رجل يهودي عبداً فكنت عنده ورأيت النخل فرجوت أن يكون البلد الذي وصف لي صاحبي ولم يحق في نفسي. فبينا أنا عنده إذ قدم عليه بن عم له من بني قريظة من المدينة فابتاعني منه فاحتملني إلى المدنية فوالله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاحبي فأقمت بها وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقام بمكة ما أقام لا اسمع له بذكر مع ما أنا فيه من شغل الرق ثم هاجر إلى المدينة فوالله إني لفي رأس عذق لسيدي أعمل له فيه بعض العمل وسيدي جالس تحتي إذ أقبل بن عم له حتى وقف عليه فقال يا فلان قاتل الله بني قيلة والله إنهم الآن لمجتعون بقباء على رجل قدم عليهم من مكة اليوم يزعمون أنه نبي.
قال بن هشام: قيلة بنت كاهل بن عذرة بن سعد بن زيد بن ليث بن سود بن اسلم بن الحاف بن قضاعة أم الأوس والخزرج .
قال النعان بن بشير الأنصاري يمدح الأوس والخزرج:
بهاليل من أولاد قـيلة لم يجد * عليهم خليط في مخالطة عتبا
مساميح أبطال يراحون للندى * يرون عليهم فعـل آبالهم نحبا
وهذان البيتان في قصيدة له.
قال بن إسحاق وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري عن محمود بن لبيد عن عبد الله بن عباس قال سلمان فلما سمعتها أخذني العروراء قال بن هشام العروراء الرعدة من البرد والانتفاض فإن كان مع ذلك عرق فهي الرحضاء وكلاهما ممدود- حتى ظننت أني سأسقط على سيدي فنزلت عن النخلة فجعلت أقول لابن عمه ذلك ماذا تقول فغضب سيدي فلكمني لكمة شديدة ثم قال ما لك ولهذا أقبل على عملك. قال قلت لا شيء إنما أردت أن أستثبته عما قال . قال : وقد كان عندي شيء قد جمعته فلما أمسيت أخذته ثم ذهبت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بقباء فدخلت عليه فقلت له إنه قد بلغني أنك رجل صالح ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة وهذا شيء كان عندي للصدقة فرأيتكم أحق به من غيركم قال فقربته إليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه كلوا وأمسك يده فلم يأكل قال فقلت في نفسي هذه واحدة قال ثم انصرفت عنه فجمعت شيئاً وتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ثم جئته به فقلت له إني قد رأيتك لا تأكل الصدقة فهذه هدية أكرمتك بها قال فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم منها وأمر أصحابه فأكلوا معه قال فقلت في نفسي هاتان ثنتان قال ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ببقيع الغرقد قد تبع جنازة رجل من أصحابه علي شملتان لي وهو جالس في أصحابه فسلمت عليه ثم استدرت أنظر إلى ظهره هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي فلما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم استدبرته عرف أني استثبت في شيء وصف لي فألقى رداءه عن ظهره فنظرت إلى الخاتم فعرفته فأكببت عليه أقبله وأبكي فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم تحول فتحولت فجلست بين يديه فقصصت عليه حديثي كما حدثتك يا بن عباس فأعجب رسول الله صلى الله عليه وعلى وآله وسلم أن يسمع ذلك أصحابه ثم شغل سلمان الرق حتى فاته من رسول الله صلى الله عليه وسلم بدر وأحد.
أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال سلمان ثم قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتب يا سلمان فكاتبت صاحبي على ثلثمائة نخلة أحييها له بالفقير وأربعين أوقية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه أعينوا أخاكم فأعانوني بالنخل الرجل بثلاثين ودية والرجل بعشرين ودية والرجل بخمس عشرة ودية والرجل بعشر يعين الرجل بقدر ما عنده حتى اجتمعت لي ثلثمائة ودية فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم اذهب يا سلمان ففقر لها فإذا فرغت فأتني أكن أنا أضعها بيدي قال ففقرت وأعانني أصحابي حتى إذا فرغت جئته فأخبرته فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معي إليها فجعلنا نقرب إليه الودي ويضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده حتى فرغنا فوالذي نفس سلمان بيده ما ماتت منها ودية واحدة قال فأديت النخل وبقي علي المال فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل بيضة الدجاجة من ذهب من بعض المعادن فقال ما فعل الفارسي المكاتب قال فدعيت له فقال خذ هذه فأدها مما عليك يا سلمان قال قلت وأين تقع هذه يا رسول الله مما علي فقال خذها فإن الله سيؤدي بها عنك قال فأخذتها فوزنت لهم منها والذي نفس سلمان بيده أربعين أوقية فأوفيتهم حقهم منها وعتق سلمان فشهدت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الخندق حراً ثم لم يفتني معه مشهد .
قال بن إسحاق وحدثني يزيد بن أبي حبيب عن رجل من عبد القيس عن سلمان أنه قال لما قلت وأين تقع هذه من الذي علي يا رسول الله أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلبها على لسانه ثم قال خذها فأوفهم منها فأخذتها فأوفيتهم منها حقهم كله أربعين أوقية .
قال بن إسحاق وحدثني عاصم بن عمرو بن قتادة قال حدثني من لا أتهم عن عمر بن عبد العزيز بن مروان قال حدثت عن سلمان الفارسي . أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخبره خبره إن صاحب عمورية قال له أئت كذا وكذا من ارض الشام فإن بها رجلا بين غيضتين يخرج في كل سنة من هذه الغيضة إلى هذه الغيضة مستجيزاً يعترضه ذوو الأسقام فلا يدعو لأحد منهم إلا شفي فاسأله عن هذا الدين الذي تبتغي فهو يخبرك عنه قال سلمان فخرجت حتى أتيت حيث وصف لي فوجدت الناس قد اجتمعوا بمرضاهم هنالك حتى خرج لهم تلك الليلة مستجيزاً من إحدى الغيضتين إلى الأخرى فغشيه الناس بمرضاهم لا يدعوا لمريض إلا شفي وغلبوني عليه فلم أخلص إليه حتى دخل الغيضة التي يريد أن يدخل إلا منكبه قال فتناولته فقال من هذا والتفت إلي فقلت يرحمك الله أخبرني عن الحنيفية دين إبراهيم قال إنك لتسألني عن شيء ما يسأل عنه الناس اليوم قد أظلك زمان نبي يبعث بهذا الدين من أهل الحرم فأته فهو يحملك عليه ، قال ثم دخل قال ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسلمان " لئن كنت صدقتني يا سلمان لقد لقيت عيسى بن مريم "، على نبينا وعليه السلام.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
ذكر ورقة وابن جحش وزيد بن عمرو

ورقة بن نوفل
هو ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى وعبيد الله بن جحش وعثمان بن الحويرث وزيد بن عمرو بن نفيل
قال بن إسحاق واجتمعت قريش يوماً في عيد لهم عند صنم من أصنامهم كانوا يعظمونه وينحرون له ويعكفون عنده ويديرون به وكان ذلك عيدا لهم في كل سنة يوماً فخلص منهم أربعة نفر نجياً ثم قال بعضهم لبعض تصادقوا وليكتم بعضكم على بعض قالوا أجل وهم ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي وعبيد الله بن جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة وكانت أمه أميمة بنت عبد المطلب وعثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى بن قصي وزيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن عبد الله بن قرط بن رياح بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي فقال بعضهم لبعض تعلموا والله ما قومكم على شيء لقد اخطئوا دين أبيهم إبراهيم ما حجر نطيف به لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع يا قوم التمسوا لأنفسكم دينا فإنكم والله ما أنتم على شيء فتفرقوا في البلدان يلتسمون الحنيفية دين إبراهيم.
ما وصل إليه ورقة وابن جحش
فأما ورقة بن نوفل فأستحكم في النصرانية واتبع الكتب من أهلها حتى علم علما من أهل الكتاب وأما عبيد الله بن جحش فأقام على ما هو عليه من الالتباس حتى أسلم ثم هاجر مع المسلمين إلى الحبشة ومعه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان مسلمة فلما قدمها تنصر وفارق الإسلام حتى هلك هنالك نصرانياً.
قال بن إسحاق فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير قال كان عبيد الله ابن جحش حين تنصر يمر بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم هنالك من أرض الحبشة فيقول فقحنا وصأصأتم أي أبصرنا وأنتم تلتمسون البصر ولم تبصروا بعد وذلك أن ولد الكلب إذا أراد أن يفتح عينيه لينظر صأصأ لينظر وقوله فقح فتح عينيه.
زواج رسول الله من امرأة ابن جحش بعد موته
قال بن إسحاق وخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده على امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب.
قال بن إسحاق وحدثني محمد بن علي بن حسين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث فيها إلى النجاشي عمرو بن امية الضمري فخطبها عليه النجاشي فزوجه إياها وأصدقها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعمائة دينار فقال محمد بن علي ما نرى عبد الملك بن مروان وقف صداق النساء على أربعمائة دينا إلا عن ذلك وكان الذي أملكها النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن سعيد بن العاص.
تنصر بن الحويرث وذهابه على قيصر
قال بن إسحاق وأما عثمان بن الحويرث فقدم على قيصر ملك الروم فتنضر وحسنت منزلته عنده قال بن هشام ولعثمان بن الحويرث عند قيصر حديث منعني من ذكره ما ذكرت في حديث حرب الفجار.
زيد بن عمرو ما وصل إليه وشئ عنه
قال بن إسحاق وأما زيد بن عمرو بن نفيل فوقف فلم يدخل يهودية ولا نصرانية وفارق دين قومه فاعتزل الأوثان والميتة والدم والذبائح التي تذح على الأوثان ونهى عن قتل الموءودة وقال أعبد رب إبراهم وبادى قومه بعيب ما هم عليه.
قال بن إسحاق وحدثني هشام بن عروة عن أبيه عن أمه أسماء بنت ابي بكر رضي الله عنهما قال لقد رأيت زيد بن عمرو بن نفيل شيخاً كبير مسند ظهره إلى الكعبة وهو يقول يا معشر قريش والذي نفس زيد بن عمرو بيده ما أصبح منكم أحد على دين إبراهيم غيري ثم يقول اللهم لو أني أعلم أي الوجوه أحب إليك عبدتك به ولكني لا أعلمه ثم يسجد على راحته.
قال بن إسحاق وحدثت أن ابنه سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وعمر بن الخطاب وهو بن عمه قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أتستغفر لزيد بن عمرو قال نعم فإنه يبعث أمة وحدة.
قال بن إسحاق وكان زيد بن عمرو قد أجمع الخروج من مكة ليضرب في الأرض يطلب الحنيفية دين إبراهيم صلى الله عليه وسلم فكانت صفية بنت الحضرمي كلما رأته قد تهيأ للخروج وأراده آذنت به الخطاب بن نفيل وكان الخطاب بن نفيل عمه واخاه لأمه وكان يعاتبه على فراق دين قومه وكان الخطاب قد وكل صفية به وقال إذا رأيتيه قد هم بأمر فآذنيني به
قال بن إسحاق وحدثت عن بعض أهل زيد بن عمرو بن نفيل أن أن زيداً كان إذا استقيل الكعبة داخل المسجد قال لبيك حقا حقا تعبداً ورقا.
عذت بما عاذ به إبراهيم * مستقبل القبلة وهو قائم
إذ قال:
أنفي لك اللهم عان راغم * مهما تجشمني فإني جاشم
البر أبغي لا الخال ليس مهجر كمن قال.
قال بن هشام ويقال البر أبقي لا الخال ليس مهجر كمن قال قال وقوله مستقبل الكعبة عن بعض أهل العلم.
الخطاب يؤذي زيدا ويحاصره
وكان الخطاب قد آذى زيدا حتى أخرجه إلى أعلى مكة فنزل حراء مقابل مكة ووكل به الخطاب شابا من شابا قريش وسفهاء من سفهائهم فقال لهم لا تتركوه يدخل مكة فكان لا يدخلها إلا سراً منهم فإذا علموا بذلك آذنوا به الخطاب فأخرجوه وآذوه كراهية أن يفسد عليهم دينهم وأن يتابعه أحد منهم على فراقه فقال وهو يعظم حرمته على من استحل منه ما استحل من قومه ، ثم خرج يطلب دين إبراهيم عليه السلام ويسأل الرهبان والأحبار حتى بلغ الموصل والجزيرة كلها ثم أقبل فجال الشام كله حتى انتهى إلى راهب بميفعة من أرض البلقاء كان ينتهي إليه علم أهل النصرانية فيما يزعمون فسأله عن الحنيفية دين إبراهيم فقال إنك لتطلب دينا ما أنت بواجد من يحملك عليه اليوم ولكن قد أظل زمان نبي يخرج من بلادك التي خرجت منها يبعث بدين إبراهيم الحنيفية فالحق بها فإنه مبعوث الآن هذا زمانه وقد كان شام اليهودية والنصرانية فلم يرض شيئاً منهما فخرج سريعاً حين قال له ذلك الراهب ما قال يريد مكة حتى إذا توسط بلاد لخم عدوا عليه فقتلوه.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
بداية الوحى ونزول جبريل عليه السلام
وإسلام جملة من الصحابة رضى الله عنهم

صفة رسول الله من الإنجيل
قال بن إسحاق وقد كان فيما بلغني عما كان وضع عيسى بن مريم فيما جاءه من الله في الإنجيل لأهل الإنجيل من صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أثبتت يحنس الحواري لهم حين نسخ لهم الإنجيل عن عهد عيسى بن مريم عليه السلام في رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم أنه قال من أبغضني فقد أبغض الرب ولولا أني صنعت بحضرتهم صنائع لم يصنعها أحد قبلي ما كانت لهم خطيئة ولكن من الآن بطروا وظنوا أنهم يعزونني وأيضا للرب ولكن لا بد من أن تتم الكلمة التي في الناموس أنهم أبغضوني مجانا أي باطلا فلو قد جاء المنحمنا هذا الذي يرسله الله إليكم من عند الرب وروح القدس هذا الذي من عند الرب خرج فهو شهيد علي وأنتم أيضاً لأنكم قديماً كنتم معي في هذا قلت لكم لكيما لا تشكوا.
والمنحمنا بالسريانية محمد وهو بالرومية البرقليطس صلى الله عليه وسلم.
مبعث النبي صلى الله عليه وسلم
قال بن إسحاق المطلبي قال فلما بلغ محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين سنة بعثه الله تعالى رحمة للعالمين وكافة للناس بشيرا وكان الله تبارك وتعالى قد أخذ الميثاق على كل نبي بعثه قبله بالإيمان به والتصديق له والنصر له على من خالفه وأخذ عليهم أن يؤدوا ذلك إلى كل من آمن بهم وصدقهم فأدوا من ذلك ما كان عليهم من الحق في، يقول الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ( وإذ أخذ الله ميثاق النيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلك إصري) أي ثقل ما حملتكم من عهدي ( قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين ). فأخذ الله ميثاق النبيين جميعاً بالتصديق له والنصر له ممن خالفه وأدوا ذلك إلى من آمن بهم وصدقهم من أهل هذين الكتابين.
أول ما بدىء به رسول الله صلى الله عليه وسلم الرؤيا الصادقة
قال بن إسحاق فذكر الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها أنها حدثته أن أول ما بدىء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من النبوة حين أراد الله كرامته ورحمة العباد به الرؤيا الصادقة لا يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا في نومه إلا جاءت كفلق الصبح قالت وحبب الله تعالى إليه الخلوة فلم يكن شيء أحب إليه من أن يخلو وحده.
تسليم الحجر والشجر عليه صلى الله عليه وسلم
قال بن إسحاق وحدثني عبد الملك بن عبيد الله بن أبي سفيان بن العلاء بن جارية الثقفي وكان داعية عن بعض أهل العلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراده الله بكرامته وابتدأه بالنبوة كان إذا خرج لحاجته أبعد حتى تحسر عنه البيوت ويفضي إلى شعاب مكة وبطون أوديتها فلا يمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر ولا شجر إلا قال السلام عليك يا رسول الله قال فيلتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم حوله وعن يمينه وشماله وخلفه فلا يرى إلا الشجر والحجارة فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك يرى ويسمع ما شاء الله أن يمكث ثم جاءه جبريل عليه السلام بما جاءه من كرامة الله وهو بحراء في شهر رمضان.
ابتداء نزول جبريل عليه السلام
قال بن إسحاق وحدثني وهب بن كيسان مولى آل الزبير قال سمعت عبد الله بن الزبير وهو يقول لعبيد بن عمير بن قتادة الليثي حدثنا يا عبيد كيف كان بدء ما ابتدىء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من النبوة حين جاءه جبريل عليه السلام قال فقال عبيد وأنا حاضر يحدث عبد الله بن الزبير ومن عنده من الناس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في حراء من كل سنة شهراً وكان ذلك مما تحنث به قريش في الجاهلية والتحنث التبرر.
قال بن إسحاق وقال أبو طالب:
وثور ومن أرسى ثبيرا مكانه * وراق ليرقى في حراء ونازل
التحنث والتحنف قال بن هشام تقول العرب التحنث والتحنف يريدون الحنيفية فيبدلون الفاء من الثاء كما قالوا جدف وجدث يريدون القبر قال رؤبة بن العجاج: لو كا أحجاري مع الأجداف
يريد الأجداث وهذا البيت في أرجوزة له وبيت أبي طالب في قصيدة له سأذكرها إن شاء الله في موضعها .
قال بن هشام وحدثني أبو عبيدة أن العرب تقول فم في موضع ثم يبدلون الفاء من الثاء.
قال بن إسحاق حدثني وهب بن كيسان قال قال عبيد فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك يجاور الشهر من كل سنة يطعم من جاءه من المساكين فإذا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم جواره من شهره ذلك كان أول ما يبدأ به إذا انصرف من جواره الكعبة قبل أن يدخل بيته فيطوف بها سبعا أو ما شاء الله ثم يرجع إلى بيته حتى إذا كان الشهر الذي أراد الله تعالى به فيه ما أراد من كرامته من السنة التي بعثه الله تعالى فيها وذلك الشهر شهر رمضان خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حراء كما كان يخرج لجواره ومعه أهله حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته ورحم العباد بها جاءه جبريل عليه السلام بأمر الله تعالى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءني جبريل وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب فقال اقرأ قال قلت ما أقرأ قال فغتني به حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني فقال اقرأ قال قلت ما أقرأ قال فغتني به حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني فقال اقرأ قال قلت ماذا أقرأ قال فغتني به حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني فقال اقرأ قال فقلت ماذا أقرا ما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود لي بمثل ما صنع بي فقال (اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم) . قال فقرأتها ثم انتهى فانصرف عني وهببت من نومي فكأنما كتبت في قلبي كتاباً قال فخرجت حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتاً من السماء يقول يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل قال فرفعت رأسي إلى السماء أنظر فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل قال فوقفت أنظر إليه فما أتقدم وما أتأخر وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء قال فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك فما زلت واقفا ما أتقدم أمامي وما أرجع ورائي حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي فبلغوا أعلى مكة ورجعوا إليها وأنا في مكاني ذلك ثم انصرف عني.
رسول الله يقص على خديجة بنزول جبريل عليه
وانصرفت راجعا إلى أهلي حتىأتيت خديجة فجلست إلى فخذها مضيفا إليها فقالت يا أبا القاسم أين كنت فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا مكة ورجعوا لي ثم حدثتها بالذي رأيت فقالت ابشر يا بن عم واثبت فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجوا أن تكون نبي هذه الأمة . ثم قامت فجمعت عليها ثيابها ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي وهو بن عمها وكان ورقة قد تنصر وقرأ الكتب وسمع من أهل التوراة والإنجيل فأخبرته بما أخبرها به رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى وسمع فقال ورقة بن نوفل قدوس قدوس والذي نفس ورقة بيده لئن كنت صدقتيني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى وإنه لنبي هذه الأمة فقولي له فليثبت فرجعت خديجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بقول ورقة بن نوفل فلما قضي رسول الله صلى الله عليه وسلم جواره وانصرف صنع كما كان يصنع بدأ بالكعبة فطاف بها فلقيه ورقة بن نوفل وهو يطوف بالكعبة فقال يا بن أخي أخبرني بما رأيت وسمعت فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له ورقة والذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة وقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى ولتكذبنه ولتؤذينه ولتخرجنه ولتقاتلنه ولئن انا أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصرا يعلمه ثم أدنى رأسه منه فقبل يافوخه ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزله.
ابتداء تنزيل القرآن
قال بن إسحاق فابتدىء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتنزيل في شهر رمضان بقول الله عز وجل ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان ) وقال الله تعالى ( إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر ) وقال الله تعالى ( حم والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم أمراً من عندنا إنا كنا مرسلين) وقال تعالى ( إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان). وذلك ملتقى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشركين ببدر.
قال بن إسحاق وحدثني أبو جعفر محمد بن علي بن حسين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم التقى هو والمشركون ببدر يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة من رمضان .
قال بن إسحاق ثم تتام الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مؤمن بالله مصدق بما جاءه منه قد قبله بقبوله وتحمل منه ما حمله على رضا العباد وسخطهم والنبوة أثقال ومؤنة لا يحملها ولا يستطيع بها إلا أهل القوة والعزم من الرسل بعون الله تعالى وتوفيقه لما يلقون من الناس وما يرد عليهم مما جاءوا به عن الله سبحانه وتعالى قال فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر الله على ما يلقى من قومه من الخلاف والأذى.
إسلام خديجة بنت خويلد
وآمنت به خديجة بنت خويلد وصدقت بما جاءه من الله ووازرته على أمره وكانت أول من آمن بالله وبرسوله وصدق بما جاء منه فخفف الله بذلك عن نبيه صلى الله عليه وسلم لا يسمع شيئاً مما يكرهه من رد عليه وتكذيب له فيحزنه ذلك إلا فرج الله عنه بها إذا رجع إليها تثبته وتخفف عليه وتصدقه وتهون عليه امر الناس رحمها الله تعالى.
قال بن إسحاق وحدثني هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أبشر خديجة ببيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب .
قال بن هشام القصب ههنا اللؤلؤ المجوف
قال بن هشام وحدثني من أثق به أن جبريل عليه السلام أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أقرىء خديجة السلام من ربها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا خديجة هذا جبريل يقرئك السلام من ربك فقالت خديجة الله السلام ومنه السلام وعلى جبريل السلام.
فترة الوحي ونزول سورة الضحى
قال بن إسحاق ثم فتر الوحي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فترة من ذلك حتى شق ذلك عليه فأحزنه فجاءه جبريل بسورة الضحى يقسم له ربه وهو الذي أكرمه بما أكرمه به ما ودعه وما قلاه فقال تعالى ( والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى ). يقول ما صرمك فتركك وما أبغضك منذ أحبك ( وللآخرة خير لك من الأولى ) أي لما عندي من مرجعك إلي خير لك مما عجلت لك من الكرامة في الدنيا ( ولسوف يعيطك ربك فترضى ) من الفلج في الدنيا والثواب في الآخرة ( ألم يجدك يتيماً فآوى ووجدك ضالاً فهدى ووجدك عائلاً فأغنى ). يعرفه الله ما ابتدأه به من كرامته في عاجل أمره ومنه عليه في يتمه وعيللته وضلالته واستنقاذه من ذلك كله برحمته.
قال بن هشام سجى سكن والعائل الفقير والعائل أيضاً الذي يعول العيال والعائل أيضاً الخائف وفي كتاب الله تعالى ( ذلك أدنى ألا تعولوا ). والعائل أيضا الشيء المثقل المعيي ( فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر) أي لا تكن جباراً ولا متكبراً ولا فحاشاً فظاً على الضعفاء من عباد الله .( وأما بنعمة ربك فحدث ) أي بما جاءك من الله من نعمته وكرامته من النبوة فحدث أي أذكرها وادع إليها فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر ما أنعم الله به عليه وعلى العباد به من النبوة سرا إلى من يطمئن إليه من أهله.
ابتداء ما افترض الصلاة
وافترضت الصلاة عليه فصلى رسول الله صلى الله عليه وآله والسلام عليه وعليهم ورحمة الله وبركاته. وافترضت الصلاة ركعتين ثم زيدت
قال بن إسحاق وحدثني صالح بن كيسان عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها قالت افترضت الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أول ما افترضت عليه ركعتين ركعتين كل صلاة ثم إن الله تعالى أتمها في الحضر أربع وأقرها في السفر على فرضها الأول ركعتين.
قال بن إسحاق وحدثني بعض أهل العلم أن الصلاة حين افترضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آتاه جبريل وهو بأعلى مكة فهمز له بعقبه في ناحية الوادي فانفجرت منه عين فتوضأ جبريل عليه السلام ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه ليريه كبف الطهور للصلاة ثم توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رأى جبريل توضأ ثم قام به جبريل فصلى به وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بصلاته ثم انصرف جبريل عليه السلام. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة فتوضأ لها ليريها كيف الطهور للصلاة كما أراه جبريل فتوضأت كما توضأ لها رسول الله عليه الصلاة والسلام ثم صلى بها رسول الله عليه الصلاة والسلام كما صلى به جبريل فصلت بصلاته .
قال بن إسحاق حدثني عتبة بن مسلم مولى بني تميم عن نافع بن جبير بن مطعم وكان نافع كثير الرواية عن بن عباس قال فلما افترضت الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل عليه السلام فصلى به الظهر حين مالت الشمس ثم صلى به العصر حين كان ظله مثله ثم صلى به المغرب حين غابت الشمس ثم صلى به العشاء الآخرة حين ذهب الشفق ثم صلى به الصبح حين طلع الفجر ثم جاءه فصلى به الظهر من غد حين كان ظله مثله ثم صلى به العصر حين كان ظله مثله ثم صلى به المغرب حين غابت الشمس لوقتها بالأمس ثم صلى به العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل الأوةل ثم صلى به الصبح مسفراً غير مشرق ثم قال يا محمد الصلاة فيما بين صلاتك اليوم وصلاتك بالأمس.

ذكر أن علي بن أبي طالب أول ذكر أسلم
قال بن إسحاق ثم كان اول ذكر من الناس آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى معه وصدق بما جاءه من الله تعالى علي بن أبي طالب ابن عبد المطلب بن هاشم رضوان الله وسلامه عليه وهو يومئذ بن عشر سنين.
وكان مما أنعم الله به علي علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الإسلام.
قال بن إسحاق وحدثني عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد بن جبر بن أبي الحجاج قال كان من نعمة الله علي علي بن أبي طالب ومما صنع الله له وأراده به من الخير أن قريشاً أصابتهم أزمة شديدة وكان أبو طالب ذا عيال كثير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس عمه وكان من أيسر بني هاشم يا عباس إن أخاك أبا طالب كثير العيال وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة فانطلق بنا إليه فلنخفف عنه من عياله آخذ من بنيه رجلاً وتأخذ أنت رجلاً فنكلهما عنه فقال العباس نعم فانطلقا حتى أتيا أبا طالب فقالا له إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه فقال لهما أبو طالب إذا تركتما لي عقيلاً فاصنعاً ما شئتما قال بن هشام ويقال عقيلاً وطالباً. فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا فضمه إليه وأخذ العباس جعفراً فضمه إليه فلم يزل علي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بعثه الله تبارك وتعالى نبياً فاتبعه علي رضي الله عنه وآمن به وصدقه ولم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم واستغنى عنه .
قال بن إسحاق وذكر بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة وخرج معه علي بن أبي طالب مستخفياً من أبيه أبي طالب ومن جميع أعمامه وسائر قومه فيصليان الصلوات فيها فإذا أمسيا رجعا فمكثا كذلك ما شاء الله أن يمكثا ثم إن أبا طالب عثر عليهما يوماً وهما يصليان فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا بن أخي ما هذا الدين الذي أراك تدين به قال أي عم هذا دين الله ودين ملائكته ودين رسله ودين أبينا إبراهيم -أو كما قال ما صلى الله عليه وسلم- بعثني الله به رسولاً إلى العباد وأنت أي عم أحق من بذلت له النصيحة ودعوته إلى الهدى وأحق من أجابني إليه وأعانني عليه أو كما قال فقال أبو طالب أي بن أخي إني لا أستطيع أن أفارق دين آبائي وما كانوا عليه ولكن والله لا يخلص إليك بشيء تكرهه ما بقيت.وذكروا أنه قال لعلي أي بني ما هذا الدين الذي أنت عليه فقال يا ابت آمنت بالله وبرسول الله وصدقته بما جاء به وصليت معه لله واتبعته فزعموا أنه قال له أما إنه لم يدعك إلا إلى خير فألزمه.

إسلام زيد بن حارثة ثانيا
قال بن إسحاق ثم أسلم زيد بن حارثة بن شرحبيل بن كعب بن عبد العزى بن امريء القيس الكلبي مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أول ذكر أسلم وصلى بعد علي بن أبي طالب،
قال بن هشام زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزى بن امرىء القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد ود بن عوف بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة وكان حكيم بن حزام بن خويلد قدم من الشام برقيق فيهم زيد بن حارثة وصيف فدخلت عليه عمته خديجة بنت خويلد وهي يومئذ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها اختاري يا عمة أي هؤلاء الغلمان شئت فهو لك فاختارت زيداً فأخذته فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم عندها فاستوهبه منها فوهبته له فأعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبناه وذلك قبل أن يوحى إليه.
ثم قدم عليه وهو عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إن شئت فأقم عندي وإن شئت فانطلق مع أبيك فقال بل أقيم عندك فلم يزل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بعثه الله فصدقه وأسلم وصلى معه فلما أنزل الله عز وجل ( أدعوهم لآبائهم ) قال أنا زيد بن حارثة.

إسلام ابي بكر وجملة من الصحابة رضى الله عنهم
قال بن إسحاق ثم أسلم أبو بكر بن أبي قحافة واسمه عتيق واسم أبي قحافة عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن لؤي بن غالب بن فهر.
قال بن هشام واسم ابي بكر عبد الله وعتيق لقب لحسن وجهه وعتقه
قال بن إسحاق فلما أسلم أبو بكر رضي الله عنه أظهر إسلامه ودعا إلى الله وإلى رسوله. وكان أبو بكر رجلاً مألفا لقومه محببا سهلاً وكان أنسب قريش لقريش وأعلم قريش بها وبما كان فيها من خير وشر وكان رجلا تاجراً ذا خلق ومعروف وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر لعلمه وتجارته وحسن مجالسته فجعل يدعو إلى الله والى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه. قال فأسلم بدعائه - فيما بلغني - عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية والزبير بن العوام بن خويلد بن أسد وعبد الرحمن بن عوف بن الحارث بن زهرة وسعد بن أبي وقاص واسم أبي وقاص مالك بن أهيب وطلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو ، فجاء بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استجابوا له فأسلموا وصلوا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيما بلغني ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت فيه عنده كبوة ونظر وتردد إلا ما كان من أبي بكر بن أبي قحافة ما عكم عنه حين ذكرته له وما تردد فيه.
قال بن هشام قوله بدعائه عن غير بن إسحاق . قال بن هشام قوله عكم تلبث قال رؤبة بن العجاج: ونصاع وثاب بها وما عكم
قال بن إسحاق فكان هؤلاء النفر الثمانية الذين سبقوا الناس بالإسلام فصلوا وصدقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما جاءه من الله.
ثم أسلم أبو عبيدة بن الجراح واسمه عامر بن عبد الله بن الجراح والأرقم بن أبي الأرقم واسم أبي الأرقم عبد مناف بن أسد وعثمان بن مظعون وأخويه وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وامراته فاطمة بنت الخطاب بن نفيل أخت عمر بن الخطاب وأسماء بنت أبي بكر وعائشة بنت أبي بكر وهي يؤمئذ صغيرة وخباب بن الأرت حليف بني زهرة قال بن هشام خباب بن الإرت من بني تميم ويقال هو من خزاعة .
إسلام عمير وابن مسعود وابن القاري
قال بن إسحاق وعمير بن أبي وقاص أخو سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود بن الحارث بن شمخ بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل ومسعود بن القارىء وهو مسعود بن ربيعة بن عمرو بن سعد بن عبد العزى بن خزيمة من القارة . قال بن هشام والقارة لقب ولهم، وكانوا قوما رماة.
ثم إسلم سليط وأخيه وعياش وامرأته وخنيس وعامر وابني جحش وجعفر وامرأته، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
ثم إسلم خالد بن سعيد امرأته أمينة وحاطب بن عمرو بن عبد شمس وأبو حذيفة واسمه مهشم فيما قال بن هشام بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس،
قال بن إسحاق وخالد وعامر وعاقل وإياس بنو البكير بن عبد ياليل وصهيب بن سنان . قال بن هشام ويقال صهيب مولى عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم ويقال إنه رومي فقال بعض من ذكر أنه من النمر بن قاسط إنما كان أسيراً في أرض الروم فاشترى منهم وجاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه سلم صهيب سابق الروم .

مختصر: تهذيب سيرة ابن هشام لعبد السلام هارون