بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
عقلاء المجانين للنيسابوري
ضروب المجانين والمجنونً بلا حقيقة

أبو نصر الجهني
قال ابن أبي فديك كان عندنا رجل يكنى أبا نصر من جهينة ذاهب العقل. وكان يجلس مع أهل الصفة في آخر مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان إذا سئل عن شيء أجاب. فأتيته ذات يوم ودفعت إليه شيئاً كان معي. فقال قد صادفت منا حاجة. فقلت يا أبا نصر ، ما الشرف ، قال حمل ما ناب العشيرة أدناها وأقصاها. والقبول من محسنها. والتجاوز عن مسيئها. قلت فما المروءة ، قال إطعام الطعام. وإفشاء السلام. وتوقي الأدناس والآثام. قلت فما السخاء ، قال جهد المقل. قلت فما البخل ، قال أُف. وحول وجهه عني. قلت لم ، قال لا تجيبني قلت قد أجبتك.
قال ابن أبي فديك قدم علينا يوماً هارون الرشيد سنة ثلاث فأخلى له المسجد فوقف على قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعلى منبره. وفي موقف جبريل عليه السلام. واعتنق اسطوانة التربة. ثم قال قفوا بي على أهل الصفة فلما أتاهم حرك أبو نصر وقيل له هذا أمير المؤمنين. فرفع رأسه إليه وقال أيها الرجل إنه ليس بين عباد الله وأُمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينك وبين رعيتك وبين الله خلق غيرك. وإن الله سائلك عنهم فأعد للمسألة جواباً. فقد قال عمر بن الخطاب لو ضاعت سخلة على شاطيء الفرات لأخذ بها عمر يوم القيامة. فبكى هارون. ثم قال يا أبا نصر ، إن رعيتي ودهري غير رعية عمر ودهره. قال دع عنك هذا. والله غير مغن عنك فانظر لنفسك فإنك وعمر لتسألان عما خولكما الله. قال ودعا هارون بمئة دينار فقال ادفعوها إلى أبي نصر. فقال أبو نصر ما أنا إلا رجل من أهل الصفة فادفعوها إلى فلان يفرقها بينهم. ويجعلني رجلاً منهم.
قال ابن أبي فديك أجدبت المدينة في سنة واشتد حال أهلها وانكشف حال قوم كانوا مستورين بها. فخرجوا يدعون وإذا أبو نصر جالس. قد نكس رأسه فقلت يا أبا نصر ، أما ترى ما في أهل حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال بلى. قلت أفلا تدعو ، لعل الله ان يفرج عنهم. قال بلى. وحول وجهه إلى القبلة. وقال اجلس بجنبي فجلست. فانكب وعفر وجهه في التراب. ثم رفع رأسه وقال: يا فارج الهم. وكاشف الغم. ومجيب دعوة المضطرين. رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما. صلى الله وسلم على محمد وعلى آل محمد. وفرج ما أصبح فيه أهل حرم نبيك. ثم غلب فذهب. فقمت من عنده فوالله ما خرجت من السوق حتى رأيت الشمس قد تغطت. فرفعت رأسي فإذا رجل من جراد أرى سوادهن في الهواء فما زلن يسقطن وأنا واقف انظر حتى ملأت المدينة. فاشتغل كل قوم ما في دارهم من الجراد فحشوا الأجواب وطحنوا وملحوا وملأ الناس الجرار والجناب والقواصير والبواقي جانب بيوتهم. ثم باض بعد ثلاثة أيام فانتشر في أعراض المدينة لم يخرج منها إلى غيرها ثم ما مرت بنا ثلاثة إلى أن جاءنا عشر سفاين إلى التجار فإذا هي في الوقت الذي دعا فيه أبو نصر. فرجع السعر إلى أرخص ما كان. ورجعت حال الناس إلى أحسن ما كانت. فأتيت أبا نصر وهو في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت يا أبا نصر ، ألا ترى إلى بركة دعائك ، فقال لا آله إلا الله هذه رحمة الله التي وسعت كل شيء.
وقال ابن أبي فديك كان أبو نصر يخرج كل جمعة فيدخل السوق فيقف على مربعة ويقول أيها الناس ، اتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون ، إن العبد إذا مات صحبه أهله وماله وعمله. فإذا وضع في قبره رجع أهله وماله وبقي عمله فاختروا لأنفسكم ما يؤنسكم في قبوركم رحمكم الله. ثم لا يزال يفعل ذلك في مربعة مربعة حتى يأتي مصلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يمضي إلى الجمعة فلا يخرج إلا للطهور حتى يصلي العشاء الأخيرة.

مختصر: عقلاء المجانين للحسن بن حبيب النيسابوري